واخيرا حصل ما كان متوقعا لكن بعد طول انتظار، ففي نظر عدد كبير من المستثمرين، يبدو ان الاتجاه الصاعد للدولار الاميركي قد توقف حقا وتحطم وعانى سعر صرفه، في الاشهر الثلاثة الماضية ثاني اكبر انخفاض مر به في مدة ثلاثة اشهر في 35 سنة، بالاضافة إلى ذلك، ثمة 54% من مديري صناديق الاستثمار التي استطلعتهم شركة ميريل لينش مؤخرا يواصلون الاعتقاد ان سعر الدولار هو اعلى من قيمته الحقيقية، وهناك فقط 11% يعتبرون سعر صرفه تحت قيمته، وفي حال صحة ذلك، على المستثمرين ان يكونوا مستعدين لمزيد من الضعف في سعر الدولار. ومن دواعي القلق هو ان مديري صناديق الاستثمار يتعلمون بسرعة الا يبادروا إلى شراء الاسهم على اساس التكهن في سوق العملات، فقد اشتهر الواقع ان التكهن بالعملات هو امر صعب ان يفعله الناس بنجاح، وهذا لا يعني ان الامر غير مستطاع، انما من الصعوبة بمكان ان يكون المستثمرون دائما على صواب لاسيما في السياق المتوسط، حتى وان اصابوا في سوق العملات، فعليهم بالاضافة إلى ذلك ان يتمكنوا من معرفة التفاعل بين العملات واسواق الاسهم. وهذا يشكل مشكلة كبرى للمستثمرين الاميركيين الذين يتطلعون إلى توظيف امالهم في الاسواق الخارجية، فعلى مر السنين الثلاثين الاخيرة، كلما تفوقت الاسهم الدولية على الاسهم الاميركية، فان جزءا مهما من العائد النسبي يعود في اغلبيته إلى ضعف الدولار الأميركي، هذا الامر صحيح وبخاصة عندما يجري الاستثمار في الاسهم الاوروبية، فاذا استثمرنا في السوق الاميركية بالدولار وقارنا ذلك بالاسهم الاوروبية المسعرة باليورو، بدا لنا التلازم الوثيق بين السوقين على اساس العملة المحلية، خاصة في السنوات العشرة الاخيرة، وبتعبير اخر، كلما انخفضت السوق الاميركية اثرت على اوروبا وجرتها معها في الاتجاه ذاته. لم تشكل الاشهر الثلاثة الماضية أي استثناء، فالازمة الحاضرة في ادارة الشركة الامريكية ومحاسبتها، من شأنها ان تكون في اساس مشكلة الاسهم الاميركية، مع ذلك، لم تنج البورصات الاوروبية من استياء الاسواق، ولكن الاستثمار في الاسهم الاوروبية كان افضل منه في الاسواق الاميركية، وعمليا كل التفوق الذي حصل في صالح الاسهم الاوروبية كان بسبب الارتفاع بسعر اليورو، وهذا يدل على انه في الاسواق الاميركية الهابطة، يمكن ان يكون الاستثمار باليورو كأرصدة نقدية افضل من حيازة الاسهم الاوروبية، وبهذه الطريقة يمكن ان نتجنب المجرى الانخفاضي الآتي من سوق الاسهم الاميركية، وبالتالي الاستفادة من ارتفاع العملة والمردود الاعلى. ان الاسهم الاسيوية هي اقل ارتباطا بسوق الاسهم الاميركية، لكن العملة تلعب ايضا في هذا المجال دورا رئيسيا، ففي هذه السنة تفوقت الاسهم اليابانية على الاسهم الاميركية بنسبة 25% على اساس العملة الداخلية، فاذا اخذنا بعين الاعتبار ايضا ارتفاع الين ازاء الدولار لازداد التفوق إلى نحو 40%، لقد وجدنا مقاربة نافعة وهي عدم محاولة الفصل بين العمل ومكونات سوق الاسهم بل القبول بالايرادات من حيث أتت. واذا نظرنا إلى الاسهم الدولية مقارنة بالاسهم الاميركية على اساس عملة مشتركة في الثلاثين سنة الماضية، نلاحظ عددا من الحيثيات البارزة: 1999 و4/1993 واواخر الثمانينيات واواخر السبعينيات، ما هو العنصر المشترك في هذه الحقبات؟ كانت حقبات من النمو الاقتصادي المتزامن يرافقها قدرات التسعير الصناعي، كانت حقبات تفوقت فيها القطاعات الدورية على القطاعات المرتكزة على النمو السكاني مثل المواد الاستهلاكية والعناية الطبية، كانت ايضا فترات سادها دولار ضعيف، وبتعبير آخر، يبدو ان قرار الاستثمار بالاسهم الدولية أو الاسهم الاميركية كان مقترنا بظروف الاقتصاد العالمي، وفي بعض الاحيان عندما تكون اوروبا وآسيا في حالة من النمو القوي، تميل الرساميل إلى ان تترك الولايات المتحدة إلى الخارج بحثا عن مداخيل ذات كلفة اقل وايرادات دورية اكبر، هذه المنافسة على الرساميل تضعف بدورها الدولار، فعندما تتحول الدورة العالمية إلى الانخفاض، وتتلاشى قدرة التسعير الصناعي يتراجع المستثمرون في المناطق الاكثر تعرضا للدورة الاقتصادية ويعودون إلى الولايات المتحدة. وفي نظرنا ان الاقتصاد العالمي هو حاليا اقوى مما يظنه الكثيرون، فنسبة مخزون البضائع إلى المشحونات تحسنت بقدر كبير هذا العام، مما دعم تسعيرا صناعيا اكثر صلابة قد يوفر، بالاضافة إلى ذلك، ارتفاعا اقتصاديا مهما في النصف الثاني من هذا العام، ان توقعات الصناعة في ألمانيا بالنسبة إلى حركة البيع هي صحية تماما، هل يمكن ان يكون ضعف الدولار قد نجم عن التوقعات الاقتصادية خارج الولايات المتحدة حيث تبدو اكثر اشراقا مما هي الحال داخل الولايات المتحدة؟ ربما كانت السياسة النقدية الاميركية الميسرة اصابت نجاحا اكبر في تنشيط النمو خارج الولايات المتحدة مما فعلت في داخلها. ويمكن ان يجادل المرء في ان المحك الحقيقي للدولار - من اجل الاستثمار الدولي - قد يبدأ عندما يتلاشى الارتفاع الذي يقوده المخزون العالمي الحاضر ويتنبه المستثمرون إلى فقدان الطلب النهائي في اوروبا وآسيا عام 2003، تاريخيا، يتجه المستثمرون في هذه الحالة إلى اعتماد سياسة العودة إلى الاستثمار في سوق الاسهم الاميركية وفي الصناعات التي ترتكز على تكاثر السكان والرجوع إلى الدولار، ان الجملة التي تردد احيانا «هذا الزمن مختلف» افقد المستثمرين اموالا اكثر من أي نوع آخر من النصح الاستثماري، قد يكون العالم مختلفا جدا عندما نرى الاسهم الاميركية اضعف اداء من الاسهم الدولية وتسلك طريق تحول دوري عالمي نحو النزول، عند هذه النقطة، قد نكون في موقع افضل فنتساءل اذا كان التفوق الذي جرى مؤخرا في الاسهم العالمية هو في الواقع ينبيء بتحول بنيوي رئيسي فيما بعد.