لاشك إن أية حكومة مهما كان الشكل السياسي الذي تتخذه أو الطريقة التي وصلت بها إلى السلطة تسعى سعيا حثيثا إلى تحقيق أعلى معدلات تنمية اقتصادية ممكنة التي تعتبر الطريق الأقصر إلى الرخاء الاقتصادي والاجتماعي وذلك من خلال اتباع خطط وسياسات تنموية تقوم في الأساس على تشجيع الشركات الكبرى التي تكون في بعض الأحيان شركات أجنبية على الاستثمار في بعض القطاعات الإنتاجية التي تتمتع بأفضلية نسبية وتملك قدرة تنافسية سواء على المستوى الإقليمي أو العالمي. ومن ضمن الاستراتيجيات التي تتبع بشكل واسع في هذا المجال وتتمتع بقبول كبير لدى العديد من خبراء التنمية ما يعرف بالمناطق الحرة التي تتبعها في الغالب الدول النامية والدول الأقل نموا لجذب الاستثمارات الأجنبية المترددة بالرغم من وجود فرص استثمار جيدة بسبب ما تعانيه عادة مثل هذه الدول من مشكلات تتعلق في الغالب بالمناخ السياسي والاقتصادي غير المستقر إضافةً إلى القصور الشديد في الخدمات والبنى التحتية وأخيرا بسبب إلى بعض القوانين التي تحد بشكل كبير من حماس الشركات وخاصةً الأجنبية للاستفادة من فرص الاستثمار المتوفرة كالتشريعات الضريبية التي تهدف بالدرجة الأولى إلى توفير اكبر قدر من الإيرادات العامة وسد العجز الذي تعاني منه معظم ميزانيات هذه الدول وان كان ذلك على حساب تطوير القطاعات الإنتاجية المختلفة والاقتصاد المحلي عموما. وكذلك القوانين والسياسات المالية والنقدية التي تفرض العديد من القيود على التحويلات المالية وأسعار الصرف هذا عدى عن الإجراءات البيروقراطية المعقدة التي تتطلب الكثير من الجهد والوقت والمال وأخيرا القوانين المتعلقة بنظام العمل التي تفرض على الشركات الأجنبية الاستعانة بنسب معينة من العمالة الوطنية أو المواد الخام المحلية بغض النظر عن الجدوى الاقتصادية لذلك. ومن خلال إقامة هذه المناطق الحرة التي تعتبر مناطق مستقلة نوعا ما وغير خاضعة لبعض مظاهر السيادة للدولة كالقوانين المالية والضريبية والقوانين المتعلقة بأسعار الصرف والتحويلات المالية وقوانين الاستيراد تقوم الدول بتشجيع المستثمرين الأجانب للاستفادة من فرص الاستثمار غير المستغلة نتيجة لعدم توافر الرساميل الوطنية والمتمثلة في الأفضلية النسبية لبعض القطاعات الاقتصادية سواء من حيث توافر الأيدي العاملة الماهرة الرخيصة نسبيا أو الوفرة النسبية في الموارد الأولية أو القرب النسبي للأسواق، وفي المقابل تستفيد هذه الدول من المشاريع التي تقيمها الشركات الأجنبية بتوفير فرص عمل جديدة وتقليص العجز في الميزان التجاري من خلال دعم الصادرات وتنويع مصادر الدخل الوطني عن طريق تطوير القطاعات الاقتصادية المختلفة وأخيرا تطوير القطاع الصناعي من خلال إنشاء صناعات حديثة عالية التقنية ومكثفة لرأس المال وتعتمد أساسا على التقنية الحديثة المستجلبة من قبل الشركات الأجنبية. ومن الدول التي استعانت بمثل هذه الاستراتيجيات وتوسعت في تطبيقها دول مجلس التعاون الخليجي وذلك في محاولة منها لتنويع مصادر الدخل القومي وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي ان لم يكن وحيد للدخل القومي وذلك لما افرزه عدم استقرار سوق النفط والتذبذب الشديد في الأسعار على مدى العقود الثلاثة المنصرمة من اثر سلبي على اقتصاديات هذه الدول الناشئة، وكما أسلفت فقد توسعت دول مجلس التعاون في تطبيق هذه الاستراتيجيات بشكل كبير وربما غير مدروس ودون حساب سواء للتكلفة الاقتصادية أو الاجتماعية أو البيئية لهذه المناطق الحرة، ويكفي أن نعرف بان في إمارة صغيرة نسبيا كإمارة دبي يوجد بها اكثر من منطقة حرة متخصصة كمنطقة جبل علي الصناعية والمنطقة الحرة بمطار دبي الدولي ومدينتي دبي للإعلام والإنترنت، وسأركز حديثي في هذه السطور علي المناطق الصناعية بصورة خاصة ولن أتطرق إلى الحديث عن المناطق الحرة الخدمية إذا صح التعبير أو تلك التي أنشئت لجذب مشاريع تعتمد على الخبرات التنظيمية والاستغلال الكثيف للتقنية المتقدمة لما لهذه المناطق من آثار سلبية محدودة نسبيا خاصة إذا ما قورنت بالعوائد الإيجابية على الاقتصاد الوطني ابتداء بتسهيل انتقال وانتشار التقنية المتطورة وانتهاء بتطوير الهياكل الاقتصادية للدول مما يسهل تحولها إلى دولة صناعية تملك قطاعا صناعيا عالي التقنية. تستخدم استراتيجية المناطق الصناعية التقليدية في الغالب لعلاج ثلاث مشاكل اقتصادية محدده وهي: أولا - مشكلة البطالة: تعتبر المناطق الحرة من افضل الحلول لمعالجة مشكلة البطالة التي تعاني منها غالبية الدول النامية والتي عادة ما تشكو من كثافة سكانية ونسب نمو سكاني عالية في مقابل ندرة شديدة في رؤوس الأموال الوطنية مما يدفعها إلى التخصص في القطاعات الإنتاجية المكثفة للعمالة كالقطاع الزراعي وبعض القطاعات الصناعية التقليدية والتي بدورها تعجز عن استيعاب النسب المتزايدة من العمالة الداخلة لسوق العمل وذلك نتيجة لتذبذب أسعارها أو لضعف الطلب المحلي والعالمي عليها ومن ثم ضعف العوائد التي تحد في المحصلة من إمكانية توسعها. ثانياً العجز في الميزان التجاري: تعاني الكثير من دول العالم الثالث من عجز مزمن في ميزانها التجاري مع معظم شركائها التجاريين خاصة مع الدول الغربية وذلك بسبب ضعف صادراتها التي تشكل في مجملها منتجات زراعية أو مواد خام تتسم أسعارها بعدم الاستقرار والتذبذب الشديدين في مقابل ازدياد مستمر في الطلب على السلع التامة الصنع والمستوردة من دول الغرب بالعملة الأجنبية مما يؤدي إلى تدهور أسعار صرف العملة الوطنية وارتفاع تكلفة الاستيراد في مقابل انخفاض عائدات الصادرات الأمر الذي يزيد من مشكلة العجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات تعقيداً. ثالثاً تنويع مصادر الدخل القومي: إن من بين المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها بعض الدول النامية هي اعتمادها الكلي على مصدر وحيد للدخل القومي التي تعتبر من المشكلات الاقتصادية المعقدة والتي تحتاج إلى إجراء إصلاحات اقتصادية جذرية قد تشمل عملية إعادة هيكلة كاملة للاقتصاد ، وتتجلى هذه المشكلة عند ما يعرف بالدول النفطية التي كانت ومازالت تعاني من تقلبات أسعار النفط والتي لن يكون آخرها انهيار عام 1998 الذي ترك بعض هذه الدول على أبواب البنك الدولي مثلها في ذلك مثل أفقر دول أفريقيا جنوبي الصحراء. من المعلوم بان دول مجلس التعاون لا تعاني حتى الآن على الأقل من أي مشكلة تتعلق بالبطالة بل على العكس من ذلك إذ إنها تعاني من عجز شديد في وفرة الأيدي العاملة في مقابل وفرة كبيرة في رؤوس الأموال الأمر الذي اضطرها إلى الاستعانة بأعداد متزايدة من العمالة الوافدة من الدول العربية ودول شبه القارة الهندية وبعض دول شرق آسيا هذا بالإضافة إلى اضطرارها إلى استثمار الفائض من رؤوس الأموال الوطنية إما في الولايات المتحدة أو دول الاتحاد الأوروبي، وان ما يتداول هذه الأيام عن تزايد نسبة العاطلين عن عمل في بعض الدول الخليجية إنما يرجع إلى سوء إدارة مواردها البشرية وليس لعدم وجود فرص عمل تستوعب هؤلاء والدليل على ذلك وجود أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية في الوقت الذي تعاني فيه العمالة الوطنية من عدم وجود فرص عمل وذلك يرجع في رأيي إلى عدم تأهيل الأيدي العاملة الوطنية التأهيل المناسب لمتطلبات سوق العمل. كما أن دول الخليج لا تعاني من مشكلة في موازينها التجارية أو موازين مدفوعاتها إذ أن العجز في هذه الموازين إن وجد يبقى تحت السيطرة وفي حدود المسموح به وذلك طبعاً بفضل صادرات النفط من ناحية وعوائد استثماراتها العامة والخاصة من ناحية أخرى. ولكن دول مجلس التعاون في مجملها تعاني حتماً من مشكلة أحادية مصدر الدخل أي من أنها تعتمد كما أسلفنا على مصدر واحد للدخل القومي ألا وهو مبيعات النفط الخام و وقد بدأت دول الخليج تباعاً منذ فترة ليست بالقريبة في وضع سياسات إصلاح اقتصادي لتنويع مصادر الدخل القومي وذلك عن طريق تنمية القطاعات غير النفطية والتي تمتلك فيها أفضلية نسبية كالقطاعات الخدمية وبعض القطاعات الصناعية كقطاع صناعة البتروكيماويات، وقد عجلت بعض دول الخليج في تطبيق هذه السياسات بعد الانهيار الأخير لأسعار النفط والذي حتماً لن يكون الأخير بطبيعة الحال، ولكن هذه السياسات تحتاج الكثير من الصبر والمثابرة وتضافر الجهود لتؤتي أكلها. ومن ضمن السياسات الإصلاحية التي اتخذتها دول الخليج لتنويع مصادر دخلها كما أسلفنا إقامة المناطق الصناعية الحرة وذلك في محاولة منها لتنمية وتطوير القطاعات الصناعية المختلفة، ولكن إذا ما أمعنا النظر في جدوى هذه المناطق ودورها في تطوير القطاع الصناعي ومن ثم الهياكل الاقتصادية في دول الخليج لوجدنا أن معظم هذه المناطق ليس لها أي مردود إيجابي على الاقتصاد الوطني لهذه الدول بل على العكس من ذلك تماماً إذ أن معظم المشاريع التي أقيمت فيها ليس لها أي قيمة مضافة وطنية يمكن أن تسهم سواء في تنويع مصادر أو زيادة الدخل القومي حيث إن هذه المشروعات لا تستخدم أي عمالة وطنية وذلك لعدم توافرها أو لعدم أهليتها كما إنها لا تستخدم أي مواد أولية وطنية وذلك لعدم وجودها كما إن معظم الصناعات المقامة في هذه المناطق عبارة عن صناعات تقليدية لا تستخدم أي تقنيات متقدمة يمكن الاستفادة منها في إنشاء صناعات وطنية متطورة، وسبب إقبال هذه الشركات على إقامة مشروعاتها الصناعية في المناطق يرجع في رأيي إلى عدة أسباب منها: - التسهيلات التي يمكن أن تحصل عليها ومنها مثلاً تكاليف الطاقة الكهربائية المدعمة من قبل الدولة. - الحصول على شهادة منشأ تمكنها من دخول الأسواق الغربية. - عدم وجود أي قيود تشريعية على الصناعات الضارة بالبيئة. - الاستفادة من حصة الدولة غير المستغلة من واردات الدول الغربية التي تفرض نظام الحصص على بعض وارداتها من الدول النامية. ولهذه الأسباب فانه من الطبيعي أن يكون إقبال الشركات الأجنبية كبيراً على هذه المناطق الحرة الأمر الذي لا يعني بالضرورة نجاح سياسات المناطق الحرة في دول مجلس التعاون لذلك فانه من الضروري أن تقوم دول الخليج بعملية إعادة تقييم كامل لهذه السياسات ومن ثم إعادة صياغتها وذلك بعد حساب التكلفة الحقيقة والتي يجب أن تشمل التكلفة الاجتماعية والبيئية لأي مشروعات صناعية مستقبلية تقام في مناطقها الصناعية الحرة.