تصاعدت بشكل متسارع على مدار الايام والاسابيع القليلة الماضية تداعيات انخفاض سعر صرف الدولار مقابل اليورو والعملات العالمية الاخرى وانعكاساتها على الاقتصاد المحلي. وتزايدت ردود الافعال في الاوساط الاقتصادية والمصرفية المحلية على هذه القضية خاصة في ظل ارتباط سعر صرف العملة الوطنية بالدولار صعوداً وهبوطاً من ناحية وتزايد الاقبال على الايداع بالعملة الاوروبية في السوق المحلي من ناحية اخرى. وتتزايد التأثيرات الكبيرة لهذه القضية على اقتصادنا في ظل احصاءات التجارة الخارجية غير النفطية التي تشير إلى ان الاستيراد يشكل اكثر من 70% من اجمالي حجم هذه التجارة. كما تشير هذه الاحصاءات إلى زيادة كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية في التجارة مع اوروبا واليابان وهي المناطق التي تشهد عملاتها ارتفاعاً كبيراً مقابل الدولار. وقد اكدت الفعاليات الاقتصادية والمصرفية وجود تأثيرات سلبية في الوقت الحالي لانخفاض الدولار على الاقتصاد المحلي نظراً لارتباط سعر صرف الدرهم بسعر صرف الدولار من ناحية ونظراً لأن الجزء الاكبر من تجارتنا الخارجية تتم مع اوروبا وآسيا وهي المجموعات الاقتصادية التي تشهد عملاتها ارتفاعاً مقابل الدولار. كما اكدت الفعاليات اهمية دراسة الظاهرة دراسة علمية دقيقة والاستفادة منها من اجل اتخاذ قرارات اقتصادية سليمة تتجنب الآثار السلبية وتحاول تنظيم الآثار الايجابية. وقالت الفعاليات ان هناك بعض التأثيرات الايجابية تتمثل في دعم الصادرات المحلية وتساعد في فتح اسواق جديدة لمنتجاتنا في الخارج ولكن هذا العامل الايجابي ليس بالقوة الملموسة نظراً لغلبة الاستيراد على الصادرات في التجارة الخارجية للدولة. وذكرت الفعاليات ان قوة العملة الأوروبية الموحدة يجب أن تكون حافزاً لدول مجلس التعاون الخليجي للاسراع في اصدار عملتها الموحدة خاصة وان هذا سيؤدي إلى تحسين وضعها التفاوضي مع منظمة التجارة العالمية «الجات» التي اصبحت جميع دول المجلس ما عدا السعودية عضوا بها. وطالبت الفعاليات بدراسة متأنية تبحث في أمور حيوية في مقدمتها مدى ملاءمة استمرار ارتباط عملاتنا المحلية بالدولار وما اذا كان مفيدا أن يتم استبدال ذلك بسلة عملات أم لا. الدراسة حميد القطامي مدير عام معهد الامارات للدراسات المصرفية والمالية يؤكد انه لابد من الدراسة المتأنية بشكل جدي، وان ما يحدث الآن يستحق الدراسة خاصة من جانب الدول النفطية وتسعير النفط بالدولار الأميركي. ولكن لا يجب الاستعجال لأننا لا نعرف حتى الآن هل سيعود الدولار مرة اخرى للارتفاع أم لا، وهل هذا الارتفاع الحالي للعملة الاوروبية سيستمر أم لا، ولهذا لابد من الدراسة كما لابد من التوازن مع العملات العالمية، والدراسة هي التي ستبين لنا ما اذا كان الافضل الارتباط بعملة معينة أم بسلة عملات. مؤتمر مهم واعلن القطامي انه نتيجة لاهمية ما يجري حاليا قرر معهد الامارات للدراسات المصرفية تنظيم مؤتمر مهم بهذا الخصوص تحت عنوان «أوروبا ما بعد اليورو» وسيعقد المؤتمر الذي يجري الاعداد له الآن في مقر المعهد بالشارقة لمناقشة مثل هذه الامور ويتحدث فيه نخبة من الخبراء والمتخصصين من بينهم فانسان كوين المستشار الاقتصادي في منظمة التعاون الاقتصادي والدكتور حازم الببلاوي المستشار بصندوق النقد العربي الذي سيتحدث حول العملة الخليجية الموحدة، ود. عمر البيطار الذي سيتحدث حول دور اليورو كعملة دولية. وحول العملة الخليجية الموحدة وماذا كان اليورو قد اصبح الان حافزا للخليجيين للاسراع بها قال القطامي ان العملة الخليجية الموحدة اصبحت قرارا فعليا تم اتخاذه على ان توضع موضع التنفيذ في عام 2010، ولهذا فالمسألة ليست سوى مسألة وقت مؤكدا ان وجودها سوف يدعم الوضع الاقتصادي والمالي لدول المنطقة. بناء قاعدة من جانبه يؤكد احمد البنا مساعد مدير عام غرفة تجارة وصناعة دبي ان اليورو وبغض النظر عن اسباب انخفاض قيمة الدولار قد اسس لنفسه قاعدة قوية الآن لا يمكن أن تهتز بعد ذلك، ونجحت العملة الاوروبية في أن تستغل نكسات اميركية وان تصبح واحدة من أقوى العملات العالمية. وحول اسباب صعود اليورو أو هبوط الدولار يقول أحمد البنا ان هناك اسباباً رئيسية معروفة في مقدمتها البيانات الاقتصادية الضعيفة للتعاملات في وول ستريت وتدهور اوضاع البورصة الاميركية، ونزول الفائدة على الدولار، الامر الذي دفع إلى تحويل الودائع إلى عملات اخرى إلى جانب الفضائح التي ظهرت في عدد من كبريات الشركات الأميركية، وفي مقابل كل ذلك كان هناك تحسن الاداء الاقتصادي في دول مجموعة اليورو. 30% وكان نتيجة لكل ذلك ان قيمة العملة الاوروبية ارتفعت في شهر واحد هو الشهر الاخير بنسبة 30% مقارنة بمعدل ارتفاعها خلال عام كامل، وهكذا نجح اليورو في بناء قاعدة قوية، وزاد تحول الافراد من الدولار إلى اليورو في اصدار الاوعية الادخارية بالعملة الاوروبية، كما زادت عملية اصدار المصارف العربية والمحلية لاصدار الاوعية الادخارية بالعملة الاوروبية لمواجهة الطلب عليها كوعاء ادخاري، ولاشك ان هذا سيتزايد ويتحسن سنة بعد اخرى. تأثير سلبي أما حول تأثيرات هذا الوضع على اقتصادنا المحلي فيقول احمد البنا ان هذا الوضع للاسف الشديد يؤثر علينا تأثيرا سلبيا في الوقت الراهن، ويكفي ان فاتورة السياحة الخليجية قد ارتفعت على الاقل بنسبة 10% نظرا لان اوروبا تشكل اهم وجهاتنا السياحية، ومع ارتفاع اليورو لاشك ان هذا يزيد الاعباء علينا. كما ان اهم الاثار السلبية يتمثل في التجارة الخارجية التي يشكل الاستيراد 70% منها ويذهب الجانب الاكبر منه إلى اوروبا، ويزيد من هذه الاثار السلبية ارتباط الدرهم وكافة العملات الخليجية بالدولار على نظام حقوق السحب الخاصة. وحول امكانية فك هذا الارتباط بين العملات المحلية والدولار يقول البنا ان هذا موضوع قديم يطرح باستمرار وهو بحاجة إلى دراسة لان الارتباط بسلة عملات له ايضا ايجابيات وسلبيات، ولهذا لابد من دراسة تشارك بها الجهات المختصة مثل مصرف الامارات المركزي. ويشير البنا إلى ان دول مجلس التعاون الخليجي يجب ان تسارع إلى اصدار عملتها الموحدة خاصة وانها قطعت شوطا طويلا في اقامة التكتل الاقتصادي واوشكت على اقامة اتحاد جمركي كامل في 2003، ولم يتبق امامها سوى توحيد النظم والقوانين الاقتصادية تمهيدا للوحدة السياسية على غرار المجموعة الاوروبية. وختم البنا بالتأكيد على ان اليورو سوف يحافظ على قوته ومستوى اسعاره الحالية لفترة طويلة. خيارات جمال الجسمي نائب مدير عام معهد الامارات للدراسات المالية والمصرفية يرى في الامر ظاهرة ايجابية لانه يوفر لنا خيارات متعددة بعد ان كان هناك عملة عالمية واحدة هي الدولار اصبح الآن هناك اليورو والدولار، وتوقع ان تشهد السنوات المقبلة خيارات اكثر من بروز التكتلات الاقتصادية العالمية. وقلل من المخاوف من التأثيرات السلبية لانخفاض الدولار على اقتصادنا مشيرا إلى ان العولمة وانفتاح الاسواق سيقلل من هذه الآثار السلبية. وحول ربط عملاتنا بالدولار قال ان هذا امر طبيعي لاننا نستورد، وقلل من المخاوف من استمرار هبوط الدولار مشيرا إلى قوة الاقتصاد الاميركي، وبالتالي فان الدولار لن ينهار بل ربما يعاود الارتفاع مرة اخرى. وقال ان الاقبال على اليورو في جانب منه يرجع إلى الرغبة في التغيير إلى عملة اخرى قوية بعد فترة طويلة لم يكن امام الناس فيها أي خيار سوى الدولار، ولاشك ان كثيراً من دول العالم قد تفكر مستقبلا في ربط عملاتها باليورو بدل الدولار، كما ان قوة اليورو ستدفع الكثير من مناطق العالم إلى اصدار عملاتها الموحدة، وفي مقدمة هذه المناطق دول مجلس التعاون الخليجي، وكذلك افريقيا التي تتحدث حاليا عن امكانية اقامة كتلة اقتصادية موحدة بها، وفي كل الظروف فان الامر لابد ان يخضع لدراسة دقيقة. حجم السوق ومن ناحيته اعرب نبيل وحيد مدير الخزينة والاستثمار المصرفي في بنك المشرق عن اعتقاده بأن ارتفاع اليورو حالياً يرجع اساساً إلى ضعف الدولار الاميركي بسبب التدفقات النقدية الضخمة والاتجاه الذي تزايد في الفترة الماضية لبيع الاصول في الاسواق الاميركية، وان الحفاظ على زيادة اسعار الصرف لليورو مقابل الدولار الاميركي يعتمد على مقدار امكانية الاقتصاد العالمي على ان يزداد نموه بدون الدور الفعال للاقتصاد الاميركي وعلى مدى الانجازات التي يمكن للشركات الاميركية ان تحققها من ناحية مستويات الارباح. وحول تأثير التحولات الحالية في اسعار صرف العملات العالمية على الاقتصاد المحلي قلل وحيد من اهمية هذه التأثيرات نظراً إلى ان حجم وعمق السوق المحلي من الصغر بحيث لا يستطيع استيعاب حجم رؤوس الاموال بالمنطقة. كما لا يرى اي مخاطر على ارتباط الدرهم بالدولار الاميركي في المستقبل المنظور حتى في ظل ارتفاع اليورو وتطوره إلى عملة عالمية اخرى قوية. وهذا على الرغم من ان ظهور اليورو قد دفع بالكثير من المناقشات حول امكانية ربط الدرهم بسلة من العملات بدلاً من ربطه بعملة واحدة وهي الدولار الاميركي. واشار نبيل وحيد إلى ان اسواق المنطقة تشهد حالياً تدفقات نقدية من جانب بعض المستثمرين الذين سحبوا اموالهم من الاسواق العالمية في اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر التي تعرضت لها الولايات المتحدة الاميركية. ولكنه اعرب عن اعتقاده بأن استمرار عودة هذه الاموال لن يدوم طويلاً وسيظل محدوداً بمحدودية الفرص الاستثمارية في اسواق المنطقة واحتمال حدوث تغييرات في الاوضاع الحالية للاسواق العالمية. تحقيق: عبدالفتاح فايد