اذا كان تقرير وزارة التخطيط حول الاقتصاد الوطني المنشور في صحفنا المحلية في نهاية شهر يونيو قد تضمن توقع الوزارة بان يسجل الناتج المحلي الاجمالي، نموا تصل نسبته 3.5% وبما يعادل قيمته 256.9 مليار درهم، وإذا ما كان الاقتصاد الوطني قد سجل تراجعا واضحا خلال العام الماضي بلغت نسبته 4% وبما يعادل قيمته 248 مليار درهم، فأين هي التنمية الاقتصادية في الامارات. إن قراءتنا المتأنية لما جاء في تقرير يبرز التحديات الحقيقية التي يعاني منها اقتصادنا الوطني ويجب الا يخالجنا شعور بالارتياح لان الاقتصاد الوطني قد سجل نموا في أحد الاعوام ذلك ان هناك اعواما اخرى قد سجل الاقتصاد فيها هبوطا ومن هنا نأتي إلى النقاط التالية التي تستوجب المسئولية دراستها والوقوف عندها:ـ إذا كان الناتج المحلي الاجمالي قد سجل تراجعا بلغت نسبته 4% في عام 2001، واذا كان من المتوقع ان يسجل نموا في هذا العام - حسب تقرير الوزارة - تبلغ نسبته 3.5%، فما هي اسباب الارتفاع، وما هي عوامل التراجع، وهل يرى المسئولون في الوزارة وكذلك المعنيون بالشأن الاقتصادي انه من الطبيعي ان يظل هذا التذبذب مستمرا دون معالجة. ـ اذا كانت اقتصادات العالم وبما فيها اقتصادات الدول الصناعية نفسها تعاني من حالة الركود الاقتصادي وان نسب النمو فيها لا تتجاوز 1% فيما بعضا منها يسجل نموا سالبا واذا كان نمو اقتصاد الامارات يرتبط بنمو اقتصادات دول العالم ولاسيما المستوردة لنفط الامارات، فهل من المعقول ان يحقق اقتصاد الامارات نمواً يبلغ 4% في هذا العام وذلك حسبما تتوقع وزارة التخطيط؟ ـ اذا كانت الاقتصادات الرئيسية والضخمة تتأثر بالازمات الاقتصادية العالمية واخرها ازمة سبتمبر 2001 فان هذه الاقتصادات تملك من المقومات التي تستطيع من خلالها تجاوز اثار هذه الازمات، فهل اقتصادات ضعيفة في قدراتها الانتاجية، والفنية كاقتصادات الامارات تكون قادرة على التخلص من اثار الازمات بنفس السرعة التي تخلصت منها الاقتصادات الكبرى، ام ان اثارها سوف تبقى واضحة وذات مدى طويل. ومن هنا نتساءل هل نستطيع ان نوافق وزارة التخطيط الرأي في ان اقتصاد الامارات قد تجاوز تداعيات احداث سبتمبر فعلا ام ان ذلك يدخل في اطار الاستهلاك الاعلامي؟ ـ يؤكد التقرير على ان مسيرة التنمية في الامارات مستمرة نحو تحقيق اهدافها، وخصوصا في مجال تنويع مصادر الدخل وترشيد الانفاق والعمل على التكيف مع الاوضاع الاقتصادية العالمية!! ونتساءل نحن عن حقيقة التنمية الاقتصادية التي شهدتها الامارات ومنذ ثلاثة عقود ونيف.. أين هي التنمية؟! ما هي ملامحها؟! ما هي مؤشراتها ومظاهرها؟! وهل فعلا استطاعت الامارات أن تنوع في مصادر دخلها أم انها ازدادت اعتمادا على النفط؟! ـ اذا كان التقرير يشير إلى ان قيمة الناتج المحلي الاجمالي من دون النفط قد بلغت عام 2001 نحو 179 مليار درهم وما نسبته 72% من اجمالي الناتج المحلي فهل هذا يعني نجاح الدولة في سياساتها نحو تنويع مصادر الدخل، وماذا يعني التذبذب إذن الحاصل في الناتج المحلي خاصة عندما هبط الاقتصاد بنسبة 4% في عام 2001 بسبب أزمة سبتمبر ألا يعني ان الاقتصاد مازال أحادي الجانب وانه مازال اقتصادا ريعيا يعتمد على النفط الخام في ناتجه المحلي، وفي ايرادات الموازنة الحكومية وفي الصادرات بميزانه التجاري!! ـ اذا كان قطاع الصناعات التحويلية قد بلغت مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي حسبما ورد في التقرير ذاته نحو 19.3% في عام 2001 فانه وبتحليل هيكل الناتج المحلي الاجمالي قطاعيا يتبين لنا بأن باقي القطاعات الرئيسية المساهمة في الناتج المحلي هي في حقيقة الأمر جميعها قطاعات خدمية (قطاع الخدمات الحكومية 15.4%، قطاع التجارة وخدمات الاصلاح 12.8%، قطاع العقارات وخدمات الأعمال 11،% قطاع النقل والتخزين والاتصالات 10.1%، وأخيرا قطاع التشييد والبناء 9.7% وبالتالي فان اجمالي مساهمة هذه القطاعات في الناتج المحلي الاجمالي قد بلغت في عام 2001 نحو 59% مقابل 19.3% مساهمة قطاع الصناعات التحويلية ومن هنا يتأكد لنا بأن اقتصاد الامارات هو اقتصاد خدمي وليس اقتصادا انتاجيا وجميع هذه القطاعات تتأثر وبشكل كبير بالتذبذب في أسعار النفط الخام والذي تشهده الساحة النفطية العالمية فأين هي التنمية الاقتصادية؟ وأين هي الاصلاحات الاقتصادية وأين هي مساهمة القطاعات الانتاجية السلعية كالزراعة والصناعة، واذا كان هناك نجاح ملموس في قطاع الصناعات التحويلية فانه يعود بالأساس للميزة النسبية التي يوفرها النفط للاقتصاد أو الناتج المحلي الاجمالي!! وبالتالي ما حقيقة التنوع في القاعدة الانتاجية للاقتصاد الوطني!! أين التنمية الاقتصادية؟! من خلال قراءتنا لمسيرة الاقتصاد الوطني خلال العقود الثلاثة الماضية، ومن خلال رؤيتنا لمستقبل الاقتصاد الوطني ولمعطيات الساحة الاقتصادية العالمية وفي ضوء المتغيرات الاقتصادية العالمية يتبين لنا بأن اقتصاد الامارات مازال ضعيفا وهشا ومازال اقتصادا ريعيا ويعتمد في ناتجه المحلي الاجمالي على قطاعات خدمية حسبما أشرنا اليه آنفا، وبالتالي فإن مسيرة التنمية الاقتصادية معطلة، ومازال القطاع الخاص يلعب دورا سالبا في الاقتصاد الوطني، ورغم مرور عقود ثلاثة ونيف من الزمان فإن الاقتصاد الوطني يعتمد اعتمادا كليا على النفط الخام في قطاعاته وهذه القطاعات تتأثر بشدة بالتغير في اسعار النفط في السوق النفطية العالمية الامر الذي يؤكد بأن اقتصاد الامارات مرهون بمدى استقرار السوق النفطية، كما ان ازمات الاسعار في اعوام 1986، وكذلك 1997، ثم في سبتمبر 2001 وانعكاس هذه الازمات وبحدة على الاقتصاد الوطني لم يدفع هذا الامر اصحاب القرار الاقتصادي في الدولة إلى اتخاذ قرارات من شأنها ايجاد اقتصاد وطني يتسم بالانتاجية والمرونة في مواجهة اثار الازمات ولم يعمل المعنيون على وجود قاعدة انتاجية صلبة تكون للقطاعات الانتاجية السلعية مساهمة حقيقية في الناتج المحلي الاجمالي، بل زاد اعتماد الاقتصاد على النفط الخام واصبح اقتصادا ريعيا واستهلاكيا اكثر من قبل، بل اصبح اكثر اعتمادا على الاقتصادات الخارجية سواء في صادراته أو في تلبية متطلبات المجتمع المحلي من السلع الاستهلاكية. لقد اصبح من السهل ان نضخم في النتائج الايجابية في الاقتصاد الوطني ولكن يجب ان نعطي لتلك النتائج مدلولاتها الحقيقية. ويجب على وزارة التخطيط باعتبارها من اخطر واهم الوزارات الاتحادية ان تعمد إلى وضع رؤية تنموية في سياق وضع استراتيجية للتنمية الاقتصادية وتطرح هذا المشروع على مجلس الوزراء وتطالبه بقوة في ترجمة هذه الاستراتيجية وتنفيذها ميدانيا، لقد تخلت هذه الوزارة عن دورها التنموي وتراجعت كثيرا عن حضورها، واعتمدت في حضورها المؤقت في المناسبات الوطنية على تقارير تفتقر إلى الرؤية العلمية الواقعية واعتمدت على تضخيم المنجزات فيما يعاني التخطيط بالعشوائية وغياب اسس التخطيط، ان المبالغة في تضخيم المنجزات لن توصلنا إلى نتائج حقيقية ولن تخدم اهداف التنمية الاقتصادية غير الموجودة اصلا على ارض الواقع. اننا نتطلع إلى دور حقيقي لوزارة التخطيط في خدمة الاقتصاد والتنمية والمجتمع بعيدا عن التضخيم والحضور في المناسبات الوطنية