هيمنت على المرحلة الأولى من الجبهة المالية للحرب على الارهاب عمليات الاعلان العلنية عن اسماء الارهابيين ومناصريهم ومحاولات تجميد حساباتهم المصرفية، ومنذ الحادي عشر من سبتمبر، قامت الولايات المتحدة وشركاؤها في التحالف باعلان اسماء 210 من الارهابيين وانصارهم على الملأ، وقاموا بتجميد اكثر من 115 مليون دولار حول العالم، وقامت 166 دولة ونظاما تشريعيا بتجميد حوالات مصرفية جار تنفيذها. وعلى الرغم من ان اغلاق النظام المالي العالمي امام ارهابيين معروفين وامام مموليهم يبقى خطوة مهمة، الا اننا ندخل مرحلة جديدة تستهدف تحويل الاموال خارج نطاق الاقتصاد السائد. وهناك أسباب عديدة تجعل من المفروض عدم توقع هيمنة التسميات العامة والتجميدات على المرحلة التالية. أولاً، إن التسميات العامة تعتبر، بحكم طبيعتها، علنية فالارهابيون يعلمون بها ويؤقلمون سلوكهم تبعاً لها، وسيتجنبون الاحتفاظ بأموالهم في الولايات المتحدة أو أية مراكز مالية أخرى لديها قوانين ولوائح فاعلة لاعاقتهم، وسيستخدمون أساليب غير رسمية لنقل اموالهم، وقد يتجنبون تخزين القيمة على شكل نقد من اصله، مفضلين بدلا عنه السلع مثل الذهب أو الالماس، ولا يحولون السلع إلى سيولة نقدية إلا بحسب الضرورة. وبشرط ان تبقى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي يقظان في مراقبة الانظمة المالية فيهما، فاننا نتوقع ان يميل الارهابيون بشكل متزايد إلى تجنب الاحتفاظ بأموالهم على شكل مبالغ ضخمة في حسابات منفردة في النظام المالي الرسمي، وبالتالي، فان التسميات العامة لن «تصطاد» مع مرور الوقت نفس القدر من المبالغ المالية الذي «اصطادته» في البداية. وعلى نحو متزايد، تلعب حكومات غير حكومة الولايات المتحدة دوراً قيادياً، حيث تعمل في اغلب الاحيان سرا من اجل منع الافراد من التبرع بالمال إلى جماعات مشبوهة وتقوم باعتقال ممولي الارهابيين. بعض الحكومات تتخذ خطوات لضبط المتعاملين بالحوالات «عمليات تحويل دولية غير رسمية للاموال»، وتعتبر انظمة الحوالة «تسمى في بعض الدول انظمة هوندي» أساليب فاعلة وغير مكلفة وقائمة على الثقة لتحويل الاموال ولا تترك آثاراً ورقية كبيرة. وخلال مؤتمر حول الحوالات النقدية عقد في دولة الامارات العربية المتحدة في الفترة ما بين 15 - 16 مايو الماضي، وافق عدد من الحكومات على اتخاذ خطوات لتنظيم ومراقبة الحوالات للتأكد من عدم سوء استغلالها، فعلى سبيل المثال، ستفرض الامارات العربية المتحدة قريباً ترخيص الحوالات وضبطها وتقوم الهند حاليا باتخاذ خطوات واجراءات صارمة ضد محولي الاموال غير المرخصين. نحن لا نعتقد ان خطر الحوالات النقدية كليا هو الحل، فالمتعاملون بالحوالات يقدمون خدمة مهمة بتحويل الاموال بتكلفة زهيدة لشرائح سكانية غير مدعومة بالخدمات المالية الرسمية، وينبغي الحفاظ على هذه الفوائد مع العمل في الوقت نفسه على الحيلولة دون استغلالها بشكل سييء من قبل الارهابيين. وإلى جانب الحوالات المالية، ستكون التبرعات الخيرية موضوع تركيز متزايد، فالصدقة تعتبر احد الدعائم المركزية في الإسلام، وفي الواقع ان المؤسسات الخيرية في اجزاء عديدة من العالم توفر جانبا كبيرا من البنية التحتية الاجتماعية مثل دور الايتام والمستشفيات والمدارس، وفي الوقت نفسه، لا مجال لانكار حقيقة ان بعض المؤسسات الخيرية قد جرى اختراقها من قبل الارهابيين أو مناصريهم - ربما من قبل حفنة من المستخدمين الاداريين - الذين يسيئون توجيه جزء من الاموال الخيرية لغايات ارهابية. وهناك ايضا مؤسسات انشئت بشكل اساسي لاستغلال وضع المؤسسات الخيرية لاهداف ارهابية، وبعض الجماعات لا تهدد اهدافها فحسب، وانما متبرعوها ايضا، حيث تنتزع «التبرعات» كأموال «حماية» ضد العمليات الانتقامية، والتحدي يتمثل في منع الارهابيين من استخدام المؤسسات الخيرية كغطاء لمساندة الارهاب مع ضمان استمرار العطاء الخيري والاعمال الخيرية. ونحن نسعى إلى تحقيق هذين الهدفين من خلال تجميد تدفق الاموال عبر المؤسسات الخيرية التي تعرضت للافساد من قبل المؤيدين للارهابيين وزيادة الشفافية والمراقبة لدى المؤسسات الخيرية حول العالم. وحتى الآن، جرى تحديد مؤسسات خيرية عديدة حول العالم وتم تجميد ارصدتها، وتسميتنا المشتركة مع السعودية لمكتبين اقليميين لمؤسسة الحرمين تعتبر مثالا جيدا على ما بدأ يحدث، كما اننا نطالب الدول، من خلال علاقاتنا الثنائية وعبر هيئات متعددة الاطراف، بتقييم رقابتها التنظيمية والتنفيذية للمؤسسات غير الربحية. وبالاضافة إلى ذلك، فاننا نعمل على نشر افضل الممارسات الدولية من اجل ضمان اخضاع المؤسسات الخيرية للمساءلة. واخيراً، فاننا ندعو جماعات الرقابة الخاصة إلى مواصلة وتوسيع نطاق عملها الهام حول ضمان الشفافية في العمليات الخيرية، وتوسيع اهتمامها إلى ما هو أبعد من تركيزها التاريخي على الاحتيال والهدر لكي يشمل الخطر الذي يشكله استغلال الارهابيين للمؤسسات الخيرية. ولقد بدأنا ايضا في تحقيق بعض التقدم في منع الارهابيين من استغلال التجارة المشروعة في السلع والخدمات كوسيلة لنقل الاموال إلى الارهابيين، فعلى سبيل المثال، يستخدم جهاز الجمارك الأميركي اساليب طورت في الحرب على المخدرات للبحث عن عمليات نقل لسلع بأسعار غير عادية، وتستخدم الجمارك هذا الاسلوب لدعم تسمية ثلاث مؤسسات لبيع العسل تتخذ من اليمن مقرا لها وعلى علاقة بأسامة بن لادن. وبالاضافة إلى تسمية اعمال مرتبطة بالارهاب، فاننا نعمل ايضا على التأكد من قدرة التجار الشرعيين على التعرف على التعاملات المشبوهة لكي يتمكنوا من الابلاغ عنها ويتخذوا خطوات لمنع مثل هذه التعاملات في المستقبل، اننا نقوم بتثقيف مجتمع الاعمال، وبخاصة تلك الصناعات المعرضة بشكل خاص لنشاط غسيل الاموال القائم على التجارة، تماماً مثلما فعلنا في الحرب على المخدرات من خلال برنامجنا لمحاربة عملية تبديل البيزو في السوق السوداء بكولومبيا. هل سيكون لهذا النشاط كله تأثير؟ نحن نعلم انه سيكون له تأثير، فتنظيم القاعدة يعاني من مصاعب مالية، ونحن نعلم ان بعض المتبرعين المحتملين للارهابيين يترددون في اعطاء المال خوفا من العواقب، ونرى علامات مشجعة على ان العالم يقوم بوضع حواجز تنظيمية امام تمويل الارهابيين، وبصورة يومية تقريبا، نتلقى خبرا يتعلق باصدار قانون جديد يحارب غسيل الاموال، أو اعتقال جديد أو نظام جديد سيجعل الحياة اكثر صعوبة بالنسبة للارهابيين بحيث يكون بالامكان القاء القبض عليهم أو تشويش عملياتهم. لا يمكننا ان نكون واثقين 100% من ان الارهابيين لا يقومون بتحويل الاموال بطريقة أو بأخرى، فالقيام بذلك سيأتي بخسارة فادحة على الاقتصادات في عالمنا المتداخل المصالح. وتبعا لذلك، فان علينا، وكما هو الحال في الحرب العادية المحسوسة، ان ننقل المعركة إلى الارهابيين انفسهم، وهذا هو السبب الذي يجعلنا مضطرين ايضا للسعي إلى قطع مصادر التمويل الارهابية خارج النظام المالي الرسمي أي في شبكات الحوالات المالية وفي المنظمات غير الحكومية الفاسدة وفي الانماط التجارية المخادعة. وبخلاف المرحلة الاولى من الجبهة المالية للحرب على الارهاب، فان هذه المرحلة ينبغي ان تقاد بشكل اساسي من قبل شركاء اميركا في التحالف الذين يعتبرون الاقرب إلى ساحة الشبكات المالية غير الرسمية في العالم