بعد سرد الحقائق التاريخية التي تبين الأسباب والدوافع الحقيقية التي من اجلها تم إنشاء منظمة التجارة العالمية يثور التساؤل التالي: هل يمكن لمنظمة التجارة العالمية أن تحقق ولو بعض المكاسب للدول النامية؟ عندما بدأت مفاوضات جولة أوروجواي كان هناك عدم حماس وعزوف ملحوظ من قبل معظم الدول النامية والفقيرة هذا عدا عن أن كثيرا من تلك الدول لم تكن ممثله أبتداء مما جعل هذه الدول تجر جرا للتوقيع على تفاهم مراكش الذي ختم جولة أوروجواي بإنشاء منظمة التجارة العالمية رسميا.وفي محاولة منها لتسويق هذه المنظمة لدول الجنوب الفقيرة قامت الولايات المتحدة بالترويج لفكرة العزلة الاقتصادية من خلال ادعائها بأن البقاء خارج المنظمة سيؤدي إلى عدم استفادة هذه الدول من مكتسبات تحرير التجارة الدولية وعزلها تماماَ عن بقية الدول كما هو الحال مع كوريا الشمالية وكوبا هذا بالإضافة إلى ادعائها بأن وجود نظام تجارة عالمي يقوم على مبدأ سيادة القانون بالتأكيد سوف يحمي الدول الضعيفة اقتصاديا من إجراءات الحماية التجارية التي تفرضها عليها الدول الكبرى من جانب واحد، ولم يكن أمام ممثلي الدول الفقيرة التي يرزح معظمها تحت وطأة الديون الخارجية وتحكم كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وإجراءات الإصلاح الاقتصادي القاسية والمتمثلة فيما يعرف ببرنامج الإصلاحات الهيكلية الا التوقيع على اتفاقية أوروجواي وهم لا يعون انهم إنما يوقعون على التخلي عن حقهم في استخدام العديد من الإجراءات المساعدة على إتباع سياسات اقتصادية تنموية تحد من الفقر وترفع من مستوى المعيشة للمواطنين الأمر الذي جعل اتفاقية أوروجواي في نظر الكثير من خبراء التنمية الاقتصادية العائق الأكبر في وجه التنمية الاقتصادية الدولية وقد دلل هؤلاء على ادعائهم بالآتي: أولاً: عدم تمكن الدول النامية من استخدام السياسات التجارية كأدوات للتنمية الاقتصادية. إن انضمام الدول النامية إلى منظمة التجارة العالمية وذلك بالتوقيع على اتفاقية الجات قد رتب على هذه الدول العديد من الاستحقاقات وليس اقلها الالتزام بإزالة جميع العوائق أمام الاستيراد مثل فرض نظام الحصص أو التعريفة الجمركية على الواردات هذا بالإضافة إلى الالتزام بعدم زيادة نسبة التعريفة الجمركية التي يتم الالتزام بها حسب الجدول الزمني المتفق عليه مسبقاً مما يعني أن هذه الدول من الناحية الفعلية قد تخلت عن إمكانية استخدام سياساتها التجارية كأداة لدعم الصناعات المحلية ومن ثم التحول إلى دول صناعية. ثانياً: الحد من عملية نقل وانتشار التقنية الحديثة. إن اتفاقيتي حقوق الملكية الفكرية «تربس» والاستثمار الأجنبي «ترمس» تشكل من وجهة نظر الكثير من دول الجنوب عائقاً حقيقيا في الجهود التي تبذلها من اجل تنمية هياكلها الاقتصادية من خلال التحول إلى دول صناعية، وقد كرست دراسة تاريخية حديثة هذا الاعتقاد عند الدول النامية إذ أظهرت هذه الدراسة أو المسح التاريخي ان العامل الرئيسي في تحول بعض الدول النامية كدول الشرق الأقصى إلى دول صناعية كان تمكنها من الحصول على التقنية الحديثة بيسر وبتكلفة منخفضة، وكذلك الحال أيضا بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية في مطلع ثورتها الصناعية حيث كانت تحصل على الاختراعات الصناعية البريطانية بطريقة ميسرة كونها إحدى مستعمراتها الرئيسية في مقابل دفع مبالغ زهيدة، وبالنسبة إلى اليابان فان استيراد التقنية الأمريكية الرخيصة نسبيا كان حجر الأساس في تحولها على ثاني اكبر دول صناعية اليوم وهو ما قامت به كوريا الجنوبية وباقي النمور الآسيوية مؤخراً من نقل للتقنية الأميركية واليابانية عن طريق تقليد سلعها وطرق إنتاجها في مقابل دفع القليل من المال للشركات المالكة لهذه السلع. إن ما يعتبر نقلاً للتكنولوجيا من وجهة نظر الدول النامية والدول حديثة العهد بالاقتصاد الصناعي يعتبر قرصنة تكنولوجية في نظر الدول الصناعية الرائدة وقد تبنت الاتفاقية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية «تربس» وجهة النظر الثانية بإسباغها حماية واسعة ومبالغ فيها حسب اعتقاد العديد من الخبراء وكذلك بتجريمها أي عملية لنقل التكنولوجيا تتم دون موافقة الجهة المالكة والتي غالبا ما تطلب مبالغ طائلة تجعل عملية استخدام هذه التكنولوجيا غير مجدية من الناحية الاقتصادية لشركات الدول النامية الراغبة في استيرادها، وقد أدى هذا التوجه لمنظمة التجارة إلى زيادة القوة الاحتكارية للشركات الغربية عموماً والشركات الأمريكية على وجه الخصوص المالكة للتكنولوجيا المتقدمة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أدت هذه الاتفاقية إلى الحد من ما يسمى بالانتشار التقني الذي كان العامل الأساسي في تطور اقتصاديات العديد من الدول بما فيها الدول المتقدمة ذاتها. إن النتيجة الطبيعية لمثل هذا التوجه هو أن الشركات في الجنوب الفقير ستضطر إلى دفع مبالغ طائلة لمثيلاتها في الشمال الغني وذلك في سبيل استغلال التقنية الحديثة المملوكة لهذه الأخيرة مما سيؤدي في نهاية الأمر إلى تحكم الدول الصناعية الكبرى كالولايات المتحدة في عملية التطور التكنولوجي والصناعي ومن ثم الاقتصادي في الدول الصناعية الصغيرة كدول الشرق الأقصى ودول العالم الثالث عموماً. ثالثاً: إلغاء مبدأ المعاملة الخاصة الذي كانت تتمتع به الدول النامية والذي تبنته الأمم المتحدة من خلال إنشاء ما يعرف بتجمع الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الذي يعتبر اكثر المنظمات الدولية دعماً للدول النامية والذي تم سلب جميع صلاحياته عن طريق إنشاء منظمة التجارة الدولية التي أول ما فعلت هو وضع المعايير للتفرقة بين التجارة والتنمية ومن ثم السعي لتحرير الأولى على حساب الثانية. لتحقيق درجة معقولة ومقبولة من التنمية الاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي فانه لا يجب أن تخضع الدول النامية لنفس القوانين والقواعد التي تحكم التجارة بين الدول الصناعية المتقدمة إذ أن العوامل التاريخية والعوامل المتعلقة بالهياكل الاقتصادية لهذه الدول تقتضي تقديم بعض الدعم لها في سبيل تمكينها من المساهمة بفعالية وعلى قدم المساواة مع الدول المتقدمة في التجارة الدولية، وهذا يجب أن يشمل الاعتراف بحقها في استخدام نظام التعريفة الجمركية لتحقيق أهداف تنموية إضافة إلى تمكين صادراتها من دخول أسواق الدول الصناعية بسهولة ودون الخضوع للقوانين المطبقة على صادرات الدول الصناعية الأخرى. بالرغم من إن اتفاقية الجات 47 لم تكن تهدف إلى تحقيق أهداف تنموية إلا أنها أقرت مبدأ المعاملة الخاصة للدول النامية ويظهر هذا الإقرار جليا في إعلان جولة طوكيو عام 1973 الذي اعترف بأهمية تطبيق قواعد خاصة على الدول في سبيل تشجيعها وتمكينها في الوقت نفسة من المساهمة بفعالية اكبر في التجارة الدولية، وقد حصل تحول جذري في جولة أورجواي التي أنجبت منظمة التجارة الدولية إذ تم التخلي عن السياسات الموجهة لمعالجة الخلل في النظام التجاري الدولي الناتج عن الفرق الكبير في الإمكانيات ونسب المساهمة في التجارة الدولية بين الدول الصناعية الدول النامية لمصلحة سياسات تعنى في المقام الأول بزيادة حجم التبادل التجاري الدولي والتي تعتبر إحدى المشكلات التي تواجه اقتصاديات الدول النامية، ولا يعتبر هذه التحول الجذري مفاجأة خاصة إذا ما عرفنا المذهب الذي اعتنقته منظمة التجارة والذي لا يقر بأي وسيلة أخرى لتحقق التنمية الاقتصادية سوى التحرير الكامل للتجارة والاستثمار. أن اكبر دليل على تجاهل منظمة التجارة الدولية للجانب التنموي هو المصير الذي آلت إليه بعض الإجراءات التي كانت تعتبر استجابة لحاجات الدول النامية التنموية ومن ضمن هذه الإجراءات اتفاقيتان ادعى مروجو منظمة التجارة انهما تم صياغتهما بطريقة تفي باحتياجات دول الجنوب الفقيرة وهما: ـ الاتفاقية المتعلقة بالملابس والمنسوجات التي نصت على إلغاء نظام الحصص المفروض من قبل الدول الصناعية على صادرات الدول النامية من الملابس والمنسوجات خلال فترة لا تتجاوز العشر سنوات. ـ الاتفاقية المتعلقة بالمنتجات الزراعية التي وعدت الدول النامية بتوفير حرية دخول اكبر لمنتجاتها الزراعية إلى الأسواق الغربية بالإضافة إلى الحد من الدعم الحكومي لمنتجات الزراعية في الدول الصناعية. ولكن ما الذي حصل لهاتين الاتفاقيتين؟ نصت اتفاقية المنسوجات على التزام الدول الصناعية المتقدمة بتحرير قطاع المنسوجات وإلغاء نظام الحصص المفروض على واردات الملابس والمنسوجات وذلك على أربع مراحل تمتد إلى شهر يناير من العام 2006، وفي المقابل احتفظت الدول المتقدمة لنفسها بالحق في تحديد ما يتم تحريره من سلع خلال المراحل الأربع، وقد قامت هذه الدول بتطبيق أحكام الاتفاقية على السلع غير الخاضعة أصلاً لأي قيود وتأجيل تطبيق أحكام الاتفاقية على السلع المقيدة لمراحل متأخرة من المراحل الأربع. وفيما يتعلق باتفاقية المنتجات الزراعية التي تعتبر أقل المكاسب للدول النامية والتي تم تسويقها للدول النامية على أنها خطوة كبير على طريق فتح أسواق الدول الغربية للمنتجات الزراعية من الدول النامية وإلغاء الدعم الحكومي المحلي لمزارعي العالم الأول فإنها لم تكن بأفضل حالاً من اتفاقية المنسوجات إذ أدت في المحصلة إلى إغراق أسواق العالم الثالث بمنتجات العالم الأول الزراعية المدعومة من قبل حكوماتها، ولنكون اكثر إقناعا فلنتحدث بالأرقام: حسب إحصائيات منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي فإن المعونات الحكومية المقدمة للمزارعين في الدول المتقدمة قد ارتفعت من 182 مليار دولار في عام 1994 أي العام الذي أنشئت فيه منظمة التجارة العالمية إلى 280 مليار دولار في عام 1997 ومن ثم إلى 362 مليار في العام 1998، ويعتبر انهيار المفاوضات في سياتل خير دليل على صعوبة إجراء أي تعديل على الاتفاقية المتعلقة بالمنتجات الزراعية، ولا اعتقد أن يوافق الاتحاد الأوروبي على أي تعديل حقيقي على نظام الإعانات الحكومية للمزارعين الأوروبيين وقد يختلف الحال بعض الشيء بالنسبة للولايات المتحدة ولكن الموقف النهائي الأمريكي لن يختلف كثيراً عن نظيره الأوروبي، ولا يبقى للدول النامية ومز ارعيها الفقراء في النهاية إلا انتظار الجولات المقبلة من المفاوضات وقبول ما سوف تتمخض عنه سواء كان ذلك في مصلحها أم لم يكن