تركت الثورة المصرية التي كان قيامها ايذانا بعهد المد الاشتراكي العربي بصماتها على الاقتصاد بقطاع عام متضخم وتراخ في تنفيذ برنامج الخصخصة وقانون عمل يجعل تسريح العاملين أمرا صعبا. وفي حين تبنت العديد من الدول الشيوعية السابقة في وسط وشرق اوروبا اقتصاد السوق في العقد الماضي يبدو ان حماس مصر في التسعينيات للحد من سيطرة الدولة على الاقتصاد ذهب ادراج الرياح. وقال كارن جابوتشيان المسئول عن اقتصاد الاسواق الناشئة في اي.ان.جي بارينجز بلندن «مازالت هناك بعض مظاهر الاقتصاد المخطط مركزيا والاتجاهات الاشتراكية رغم انه يبدو فعليا وكأنه اقتصاد حر». وقطعت مصر شوطا في العقد الماضي لتغيير الاقتصاد عن طريق بيع بعض شركات القطاع العام وتحرير الاسعار وتحرير جزئي للتجارة الخارجية. لكن الاقتصاديين يقولون ان الطريق مازال طويلا. ويقولون ان اغلب المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد المصري الان يمكن ارجاعها للثورة التي قامت في 23 يوليو عام 1952 عندما استولت مجموعة من صغار الضباط بقيادة جمال عبد الناصر على السلطة واطاحت بالملكية. وفي عهد عبد الناصر الذي تولى الرئاسة عام 1954 شهدت البلاد اصلاحات كاسحة شملت اعادة توزيع الاراضي وتشجيع الدولة للتنمية الصناعية والتأميم والتوسع في خدمات الرعاية الاجتماعية. وحققت هذه السياسات التي نفذت بعد الثورة البيضاء قدرا من العدالة في مجتمع كان يعاني من العديد من المظالم. لكن بعض الاجانب الذين كانوا يشكلون جزءا اساسيا من تكوين الاقتصاد المصري حزموا امتعتهم ورحلوا وبدأ بعض الاغنياء المصريين يحولون اموالهم للخارج بل ورحل بعضهم. وهدأت تماما البورصة التي كانت مزدهرة من قبل. وطرح انور السادات الذي تولى السلطة بعد وفاة عبد الناصر عام 1970 نظاما اقتصاديا متحررا بعض الشيء وهو الاتجاه الذي يستكمل على نطاق واسع منذ تولي الرئيس حسني مبارك السلطة عام 1981. ويقول المحللون ان ميراث الثورة باق لان الاصلاحات الراهنة تفتقر لقوة دفع والتقدم يتحقق على نوبات متقطعة. وبعد الاقبال الكبير للاجانب على سوق الاسهم في التسعينات تراجعت التعاملات مرة اخرى ومازال الاجانب يشكون من صعوبات تحد من الاستثمارات في مصر التي يقطنها 68 مليون نسمة. وقال ايبرهارد كينل في كتابه «الصحوة الكبرى.. الديمقراطية والاصلاح الاقتصادي في مصر» ان برنامج الاصلاح تأثر بشدة بالخطاب السياسي للثورة وبمخاوف من تكرار «مظاهرات الخبز» عام 1977 عندما اندلعت احتجاجات عنيفة بعد ان سعت الدولة لرفع الدعم عن الخبز. وكتب يقول «يرى النظام ان الاصلاحات تشكل مصدر ازعاج محتمل ليس فقط لانها أدت وقد تؤدي لخسائر مادية لقطاع كبير من السكان. فهي تنطوي على خطر محتمل كذلك لان قطاعا كبيرا من «الرأي العام» المتأثر بالخطاب السياسي السابق يعتبرها متناقضة مع الانجازات الاجتماعية والسياسية للثورة ومع مصالحهم الخاصة». وقال كينل ان الخصخصة اعتبرت تهديدا ليس فقط للوظائف بل لاستقلال البلاد لان الاجانب اصبح بامكانهم شراء الشركات المصرية حتى تلك التي اممها عبد الناصر. ومازال القطاع العام المصري الضخم يهيمن على قطاعات رئيسية من الاقتصاد من الاذاعة الى البنوك. وقال الناشر المصري هشام قاسم مشيرا لدراسات اظهرت ان العاملين بالقطاع العام المصري يعملون نصف ساعة في اليوم في المتوسط في قطاع في اشد الحاجة لخفض حجمه «الحكومة مصرة على ان تظل هي صاحب العمل الرئيسي». ورغم انها صاحب العمل الرئيسي الا ان اجور الدولة وحوافزها ضئيلة. فالمحاسب باحدى الوزارات على سبيل المثال قد يحصل على 300 جنيه مصري شهريا (64 دولارا). والعديد من موظفي الحكومة يلجأون لعمل اخر لزيادة دخلهم. ويقول العديد من المحللين ان تحرير السوق بما في ذلك تحرير سعر الصرف وخفض اسعار الفائدة سيدعم النمو عن طريق تشجيع القطاع الخاص بالفوائد المنخفضة وسيساعد ذلك بدوره على خلق فرص عمل جديدة للذين فقدوا وظائفهم في عمليات الخصخصة. لكن 50 عاما من تدخل الدولة والرعاية الاجتماعية القوية خلقت سلوكا يصعب تغييره. وقال محمود محيي الدين رئيس اللجنة الاقتصادية بالحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مقال نشر في الفترة الاخيرة ان تحقيق اصلاح اعمق يتطلب تغيير العقلية السائدة. وكتب يقول «ربما نكون حررنا اجزاء او قطاعات من الاقتصاد عن طريق سياسات التحرير الاقتصادي والخصخصة لكننا لم نحرر عقليات المسئولين عن ادارة الاصلاح في الخدمة العامة والادارة العامة وبعض الهيئات التنظيمية». وتابع ان تعزيز كفاءة الخدمة المدنية المصرية والهيئات التنظيمية ودعمها بموارد بشرية مؤهلة واطلاق يد اصحاب العمل في التعيين والفصل هي جزء من التحدي الاول الذي يواجه الاقتصاد المصري. وقال اقتصادي مقيم في القاهرة طلب عدم نشر اسمه «انهم يتخاذلون عن الاصلاح ويتخاذلون عن ترك الامور تمضي قدما ... الكل يتحرك باتجاه اقتصاد سوق يتسم بمرونة اكبر ونحن مازلنا نجاهد في ظل اقتصاد اشتراكي». ويلقي الاقتصاديون باللوم على القيود البيروقراطية التي طرحتها السياسات التي طبقت بعد الثورة والتي كرست فكرة ان العمل في الدولة او القطاع العام هو الاختيار الافضل للمصريين. واشار مسئول اميركي بارز في زيارة قام بها في الفترة الاخيرة الى ان مصر لديها 52 الف مفتش جمارك بالمقارنة مع 20 الفا فقط في الولايات المتحدة اكبر اقتصاد في العالم. وكثيرا ما تشكو الشركات الاجنبية العاملة في مصر او الساعية للاستثمار فيها من ارتفاع التكاليف وتأخر استيراد المعدات والادوات المطلوبة لعملها. والرسوم الجمركية مازالت مرتفعة اذ تسعى مصر لحماية الصناعة المحلية وبخاصة قطاع الغزل والنسيج. وفي يناير الماضي طرحت الحكومة قيودا جديدة على الملابس التي يشتريها المصريون من الخارج. وقالت جابوتشيان «مصر تبقى على درجة عالية نسبيا من الحماية لكن ذلك مازال يتم في اطار قواعد منظمة التجارة العالمية ومصر عضو فيها». لكنه قال ان اتفاق الشراكة مع الاتحاد الاوروبي ومحادثات بشأن اتفاق للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة تظل دلائل ايجابية على احتمال حدوث تغيير. رويترز