تمر ألمانيا الاتحادية بأسوأ موجة ركود اقتصادي منذ اعادة توحيدها قبل عشر سنوات، كما تشهد أعلى معدلات البطالة منذ الحرب العالمية الثانية. ولم تفلح جهود المستشار الألماني غيرهارد شرويدر في وضع حد للأزمة المتفاقمة في البلاد التي تعتبر ثالث أقوى قوة اقتصادية في العالم بعد أميركا واليابان. ويعتقد العديد من المحللين والخبراء في بافاريا ان الأزمة الراهنة ربما تعصف بالائتلاف الحكومي كله واستبعدوا احتمالات فوز شرويدر في الانتخابات الألمانية المقرر أن تبدأ في سبتمبر 2002 إلا إذا حصلت معجزة. ميخائيل روجوفسكي رئيس الاتحاد الفيدرالي للصناعات الألمانية أعرب عن خيبة أمله في تراجع جاذبية ألمانيا كموقع اقتصادي متميز وقال ان هناك عدة مؤشرات تفيد بأن مكانة ألمانيا بدأت تتراجع عن قمة الاقتصاد لتحتل مكانة متوسطة بين الدول المتقدمة. وكانت ألمانيا تتنافس مع اليابان على المرتبة الاقتصادية الثانية في العالم بناتج اجمالي يصل إلى ثلاثة آلاف مليار مارك سنويا. ويرى روجوفسكي ان من أهم الواجبات التي يجب أن تضطلع بها الحكومة الألمانية المقبلة هو خفض الضرائب من جهة وادخال اصلاحات ملموسة على سوق العمل من جهة أخرى. ويسود انقسام واضح بين الأحزاب المتنافسة في المعركة الانتخابية البرلمانية المقبلة والتي ستجري في 22 سبتمبر المقبل حول مسألة خفض الضرائب والحد من البطالة ويرى غالبية الناخبين الألمان ان المعركة الانتخابية المقبلة يجب أن تتضمن مناقشة طبيعة هذه الاصلاحات وكيفية تحقيقها. وذكر روجوفسكي ان خفض عدد العاطلين عن العمل خلال الدورة التشريعية المقبلة الى ما دون حاجز الثلاثة ملايين يعتبر أمرا ملحا للغاية. ولكي يمكن تحقيق ذلك يجب ادخال اصلاحات أساسية وجوهرية على السياسة المتبعة حاليا في سوق العمل الألماني مع الأخذ في الاعتبار ان الهدف الأساسي ليس هو كيفية التعامل مع البطالة وانما خلق فرص عمل جديدة في الولايات الألمانية. كما انه يشير إلى ضرورة اقتران عملية خفض الضرائب بعملية خفض الحصص الشهرية للضمانات الاجتماعية. ويصر اتحاد الصناعات الألمانية وهو واحد من أقوى الاتحادات النقابية في ألمانيا إلى خفض مستوى أعلى شريحة ضريبية إلى 35% فقط غير ان روجوفسكي يرى ان هذا الهدف لن يتحقق في القريب العاجل. ويفسر أحد الخبراء الاقتصاديين في ميونيخ وهو بيتر ايرفاند رئيس نادي الصادرات الخارجية لمقاطعة بافاريا الألمانية ذلك بأن ألمانيا تعد في مقدمة الدول الصناعية التي تفرض فيها معدلات ضريبية عالية وليس من السهل خفض هذه المعدلات بسرعة خوفا من حدوث تضخم اقتصادي البلاد في غنى عنه في هذه المرحلة الصعبة. تفاقم أزمة البطالة يشير التقرير ربع السنوي الذي أعدته معاهد البحث الاقتصادية الألمانية الرائدة إلى ان الوضع الاقتصادي قد يشهد نوعا من التحسن في العام المقبل 2003 في حين يستمر ارتفاع عدد العاطلين عن العمل الذي من المتوقع أن يزيد بمقدار 105آلاف شخص هذا العام ليصل إلى 3.95 ملايين شخص ـ أي بنسبة 9.3% ـ في حين يصل عددهم في العام المقبل إلى 3.81 ملايين شخص ـ أي بنسبة 8.9%، وبذلك لن يتحقق الهدف الذي كان يسعى إليه المستشار الألماني غيرهارد شرويدر بخفض عدد العاطلين عن العمل في هذا العام وفي العام المقبل إلى 3.5 ملايين شخص. وطبقا لهذه التوقعات فمن المنتظر أن يتراجع عدد العاملين بما يعادل 97 ألف شخص ليصل إلى 38.67 مليون شخص هذا العام، يزيد بعدها في العام المقبل بما يقدر بـ 193 ألف شخص ليصل إلى 38.86 ألف شخص. وتتوقع معاهد البحث الاقتصادية نموا في اجمالي الناتج المحلي يصل هذا العام الى 0.9% فقط. وتعد هذه النسبة تراجعا عن التوقعات التي كانت نفس هذه المعاهد قد أعلنتها في فصل الخريف من العام الماضي والتي كانت تقدر آنذاك بـ 1.3% وينتظر الاقتصاديون أن يحقق اجمالي الناتج المحلي في العام المقبل نموا يصل إلى 2.4%. ويتوقع صندوق النقد الدولي بأن تحتل ألمانيا بهذه النسبة الضئيلة 1.3% المكانة قبل الاخيرة بين الدول الصناعية الكبرى السبع متبوعة فقط من اليابان. وترى هذه المعاهد الاقتصادية ان أسباب التراجع الاقتصادي الذي عانت منه ألمانيا خلال العام الماضي تعود إلى مؤشرات خارجية كان لها تأثير سلبي على الاقتصاد الألماني، ومن بينها ضعف الاقتصاد الأميركي وأحداث الحادي عشر من سبتمبر التي تعرضت لها الولايات الأميركية وما صاحبها من اضطراب في أسعار النفط. وذكرت هيئة الاحصاء الألمانية الاتحادية ان أسعار النفط ومشتقاته ومنتجاته قد ارتفعت في شهر مارس الماضي عن مستواها الذي كان سائدا في شهر ديسمبر 2001 بنسبة تقدر بـ 8.7%، كما ان أسعار المواد الغذائية قد زادت في شهر مارس 2002 بنسبة تقدر بـ 4.3%. ولقد أكدت الهيئة المذكورة ان هذا الارتفاع قد أدى إلى رفع مستوى الأسعار وبالتالي إلى زيادة نسبة غلاء المعيشة للمستهلكين على مستوى ألمانيا بأكملها بما يقدر بـ 1.9% مقارنة بشهر مارس من العام الماضي. ومن ناحية أخرى فإن نسبة التضخم ارتفعت في شهر مارس الماضي بما يقدر بـ 1.8% اذا ما قورنت بنفس النسبة التي كانت عليها في شهر مارس 2001. وتشير توقعات معاهد البحث الاقتصادية الستة الرائدة إلى تراجع نسبة التضخم من 2.5% في العام الماضي لتصل إلى 1.5% في هذا العام والى 1.6% في عام 2003. الشرق يتجاوز الكساد وأشار معهد البحوث الاقتصادية في مدينة هاله «وهو معهد البحوث الاقتصادية الوحيد من بين المعاهد الستة الرائدة الذي تأسس في ألمانيا بعد اعادة توحيد شطريها» الى ان القطاع الاقتصادي في الولايات الألمانية الشرقية لديه فرصة كبيرة في عام 2003 ليتمكن من اللحاق بايقاع النمو السائد في الولايات الألمانية الغربية، حيث يتوقع المعهد أن تحقق الولايات الشرقية نموا يقدر بحوالي 2.5%، في حين ان توقعاته بالنسبة لألمانيا بأكملها تقدر بـ 2.6%. وهذا يعني ان شرق ألمانيا يسير بخطوات أكثر ثباتا من غربها في طريق التخلص من الكساد الاقتصادي. ومن الملاحظ ان معهد البحوث الاقتصادية في هاله قد تراجع عن توقعاته السابقة بالنسبة للوضع الاقتصادي في الولايات الألمانية الشرقية والتي كانت تتضمن عدم تمكن هذه الولايات في عام 2002 من اجتياز حالة الركود الاقتصادي التي تعاني منها، وبأن المانيا بأكملها سوف تحقق نموا اقتصاديا يقدر بـ 0.6%. ويرجع المعهد المذكور أسباب تراجعه عن توقعاته السابقة بالنسبة لهذه الولايات إلى الحالة الجديدة من الانتعاش التي يمر بها في الوقت الحالي كل من القطاع الصناعي وقطاعي البناء والخدمات والتي من شأنها أن تنعش القطاع الاقتصادي ليحقق نموا يصل في هذا العام إلى 0.5%. وعلى الرغم من هذه التوقعات الايجابية إلا ان هناك رأيا آخر سائدا يشير الى ان شرق ألمانيا لا يزال بعيدا كل البعد عن ان يتمكن اقتصاديا من الاعتماد على امكانياته وموارده الخاصة، فثلث مدفوعاته ـ سواء كانت على مستوى الحكومات المحلية أو الشركات أو الافراد ـ هي عبارة عن دعم مقدم اليه من الحكومة الالمانية الاتحادية ومن الولايات الغربية. ومن ناحية اخرى فإن نسبة البطالة في الولايات الالمانية الشرقية تقدر بضعف النسبة السائدة في الولايات الغربية. وتجدر الاشارة هنا الى انه من المتوقع ان يصل عدد العاطلين عن العمل في شرق المانيا هذا العام الى 1.3 مليون شخص وهو يصل بذلك الى أعلى مستوى له منذ اعادة توحيد شطري ألمانيا. وطبقا لاستطلاع للرأي اجراه معهد الاقتصاد الالماني بين عدد من الشركات فان نسبة 30.8% من مديري هذه الشركات تنتظر ان تتراجع الاستثمارات في الولايات الشرقية، في حين تنتظر 46.2% تراجع العمالة فيها، حيث يحاول كثير من الالمان الشرقيين البحث عن فرصة عمل لهم خارج الولايات الشرقية، ومنذ عام 1997 زادت نسبة الهجرة الداخلية الى الولايات الغربية، على الاخص من بين المثقفين. ميونيخ ـ د. جمال المجايدة: