بعد أربعة أعوام من توليه قمة السلطة في أكبر اقتصاد أوروبي، أصبح التدخل في قطاع الاعمال من السمات المميزة للاسلوب السياسي للمستشار الالماني جيرهارد شرويدر الذي كثيرا ما يحاول إبراز نفسه نصير القضايا الشعبية. وكانت شركة التليفونات الالمانية العملاقة دويتشه تيليكوم هي آخر شركة تجد نفسها وسط بؤرة الضوء السياسي حيث استقال رئيسها التنفيذي رون سومر يوم الثلاثاء بعد حملة استغرقت أسبوعين واستهدفت إزاحته من منصبه في هذه المؤسسة العامة التي كانت تحتكر سابقا قطاع الاتصالات التليفونية. وبعد بداية مهتزة لولايته كمستشار، كانت خطوة شرويدر المثيرة بإلقاء حبل نجاة لمؤسسة فيليب هولتسمان للبناء المحاصرة بالمشاكل في نوفمبر من عام 1999، هي التي كان لها الفضل في المساعدة على تحول المد السياسي خلفه وأبعدت عنه النقاد اليساريين داخل حزبه الاشتراكي الديمقراطي. وقد تمثلت خطوة شرويدر آنذاك في منح الشركة 125 مليون يورو (8.125 ملايين دولار) لانقاذها من الافلاس. والان وبنفس الاسلوب إلى حد بعيد، استغلت حكومة شرويدر سلطتها باعتبارها أكبر مالك لاسهم دويتشه تيليكوم، في المساعدة على إحداث تغيير في قمة أكبر شركة تليفونات أوروبية وبالتالي دعم أصواتها بين ثلاثة ملايين من حملة أسهم الشركة قبل الانتخابات العامة في سبتمبر المقبل. ومع فقدان أسهم تيليكوم لحوالي 90% من قيمتها منذ موجة الازدهار التي شهدها قطاع التكنولوجيا العالية في مارس من عام 2000، تأمل حكومة شرويدر في أن يؤدي التغيير في إدارة تيليكوم إلى المساعدة على ارتفاع سعر السهم لصالح الساخطين من صغار حملة أسهم الشركة. وبرغم انتعاش أسهم تيليكوم وارتفاع سعرها بنسبة تزيد على سبعة بالمائة في التعاملات في أول يوم بعد استقالة سومر، ليصل إلى 78.10 يورو، إلا أن هذا السعر مازال أقل كثيرا من سعر الاصدار عندما تمت خصخصة الشركة السابقة التي كانت تحتكرها الحكومة في نوفمبر من عام 1996، وهو 50.28 ماركا أو 60.14 يورو. وفي نفس الوقت فإن مرشح المعارضة ادموند شتويبر الذي يأمل في انتزاع المستشارية من شرويدر في سبتمبر، يسعى جاهدا لربط حكومة برلين الحالية بالاداء الضعيف الاخير لاسهم تيليكوم. غير أن رئيس اتحاد الصناعة الالماني مايكل روجوفسكي هاجم بعنف كلا من الحكومة والمعارضة حول ما وصفه بتدخلهما'' في تيليكوم، قائلا ان سياسة شرويدر وآخرين - وعلى سبيل المثال - السيد شتويبر - لم تلعب دورا جيدا. وكان شرويدر قبل عدة أسابيع فقط قد تدخل في محاولة لصياغة صفقة إنقاذ لمجموعة بابكوك بورسيج الهندسية التي تعاني ماليا والواقعة في أحد معاقل الحزب الاشتراكي الديمقراطي بأكبر ولاية ألمانية وهي ولاية شمال الراين-وستفاليا. وفي وقت سابق هذا العام، ومع بروز مؤشرات على تعرض إمبراطورية الاعلام القوية في ميونيخ التي يمتلكها رجل الاعمال ليو كيرش لخطر التفسخ، دعا شرويدر إلى عقد اجتماع لرؤساء البنوك الرائدة والمؤسسات الاعلامية في ألمانيا للنظر في إيجاد ما يسمي بحل وطني لازمة كيرش. وفي الوقت الذي قد تؤدي فيه تدخلات شرويدر إلى مساعدته على الظهور كنصير ومدافع عن المواطن الالماني العادي في مواجهة القوي التي أطلقت العولمة لها العنان، إلا أن تدخله في الشئون المؤسساتية إنما يحمل أيضا بعض الخطر. فبعد عامين ونصف العام من استطاعة شرويدر إقناع البنوك بالانضمام إلى خطة إنقاذ لشركة هولتسمان، لم تفلح هذه الخطة في النهاية من انتشال هذه الشركة التي يرجع تاريخها إلى 152 عاما مضت من مصيرها المحتوم أمام إحدى محاكم الافلاس. ونفس الوضع انطبق تماما على مجموعة كيرش وبابكوك بورسيج. وقد يستمر شرويدر في الاستمتاع بمعدلات التأييد القوية لشخصه في استطلاعات الرأي، إلا أن إفلاس كيرش وبابكوك بورسيج وهولتسمان تؤكد حدود سلطته. وبطريقة مماثلة فإنه باستبدال سومر برئيس تنفيذي مؤقت فقط على رأس تيليكوم، يكون هناك خطر في أن تتزايد حالة التبرم والضيق في الاسواق من الحلول المؤقتة لمشاكل الشركة، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض سعر السهم ثانية. د.ب.ا