على الرغم من النجاح الذي أحرزته الصين، ذلك التنين المتربص للحصول على حصة أكبر حجما من كعكة الاستثمارات الاجنبية المباشرة وخاصة في مجال توسيع نطاق صادراتها، فليس محصنا ذلك البلد من التعرض لذلك النوع من المصاعب التي تعيشها البلدان التي اسرعت بالتحول من الاستعاضة عن الواردات إلى التوجه نحو التصدير. ويتوقع تقرير «التجارة والتنمية 2002» الصادر عن مؤتمر الامم المحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» حديثا ان يكون تحرير التجارة والتوسع فيها وزيادة تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر من بين النواتج التي من المنتظر ان تحققها الصين من انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، ولكن رغم ذلك الانضمام فان التقرير يرى انه من المرجح ان تواجه القطاعات التي تهيمن عليها المشاريع المملوكة للدولة صعوبات رئيسية خاصة في قطاع الزراعة. ويشير التقرير إلى نمو تجارة الصين في السلع والخدمات بمعدل يزيد على ضعف المتوسط العالمي لمدة اكثر من عقد من الزمان، واصبحت صادرات الصين تشكل اليوم اكثر من 4% من اجمالي صادرات العالم، مع تركيزها بشدة على الصناعات القائمة على الاستخدام الكثيف لليد العاملة، وثارت مخاوف في كل من البلدان المتقدمة والنامية من كون انخفاض الاجور في الصين يمنحها ميزة تنافسية كبيرة في التجارة العالمية، وما كان من انضمام الصين مؤخرا إلى منظمة التجارة العالمية الا انه زاد من تلك المخاوف، ولكن التقرير يرى أن وضع فوارق الانتاجية في الاعتبار يقلل من حجم الميزة التي تتمتع بها الصين، وتبين تحليلات الاونكتاد ان الصين ستظل منافسا قويا في بعض السلع التقليدية القائمة على الاستخدام الكثيف لليد العاملة «كالملابس والاحذية» وفي عمليات التجميع في القطاعات العالية التقنية، ويخلص التقرير إلى ان من المرجح ان يشهد الجيل الثاني من اقتصادات شرق آسيا الحديثة العهد بالتصنيع وغيرها من الاسواق المتوسطة الدخل كالمكسيك اعنف المنافسات من المصدرين الصينيين. واوضح التقرير ان انفتاح الصين يعني ايضا اتاحة فرص تجارية جديدة لبلدان اخرى عبر نطاق واسع من السلع يمتد من المنتجات القائمة على استخدام الموارد الطبيعية إلى المنتجات القائمة على الاستخدام الكثيف للتكنولوجيا العالية التقنية، والغالب بالفعل ان الارتفاعات المفاجئة للواردات تتم في مجال المنتجات المتوسطة كالمنسوجات والاجهزة الكهربائية وغير الكهربائية والسيارات، ويرجح التقرير ذهاب اكبر المكاسب إلى البلدان الصناعية المتقدمة والرعيل الاول من الاقتصادات الاسيوية الحديثة العهد بالتصنيع، الا انه يمكن ايضا لبعض الاقتصادات في افريقيا واميركا اللاتينية ان تتوقع الاستفادة من زيادة صادراتها من المواد الاولية. ويعرب التقرير عن القلق من أن تؤدي سرعة تحرير التجارة إلى طرح اشكالية كبيرة على المشاريع المملوكة للدولة، ففي نهاية التسعينيات، كانت هذه المشاريع توظف 83 مليون شخص «أي 12% من اجمالي العمالة»، وكانت توفر 38% من الدخل القومي و50% من الصادرات، غير ان التقرير يلاحظ ان هذه المشاريع «تتسم بوجود عمالة زائدة، وارتفاع في مستويات المخزون، وانخفاض في الانتاجية، واستخدام منخفض للقدرات، وعدم كفاية حجم الانتاج، واستخدام للتكنولوجيا القديمة، ويمكن لأية هزة شديدة تتعرض لها قطاعات كالمنسوجات والسيارات ان تسفر عن خسائر طائلة في الوظائف، يصعب تعويضها بالتوسع في مجالات اخرى، ما لم تعالج هذه الهزة بطريقة سليمة. ومن المتوقع ان يكون للاستثمار الاجنبي المباشر دور كبير في عملية التحول هذه بفضل زيادة الصادرات، فعلى النقيض مما حدث في المناطق النامية الاخرى، زادت الاستثمارات الاجنبية المباشرة الموجهة إلى الصين في السنة الماضية، ويرجع كثير من الفضل في ذلك إلى شبكات الانتاج الدولية، فقد وصلت حصة الشركات الاجنبية من مجموع الصادرات الصينية إلى 48% في عام 2000، بعد ان كانت 2% فقط في عام 1986، غير ان التقرير يحذر من توقع اكثر مما يمكن ان تحققه الشركات عبر الوطنية، فمعظم انشطتها يعتمد اعتمادا كبيرا على الواردات التي تشكل نصف قيمة صادراتها، ومع ارتفاع الارباح المحولة «20 مليار دولار» كثيرا عن الفائض المحقق من التصدير «ملياري دولار» لاتزال الارباح المعاد استثمارها «وتقدر بـ 12 مليار دولار» غير كافية لجعل الشركات الاجنبية مساهما ايجابيا في الحساب الجاري للصين، وعلى أية حال، فمن المستبعد ان تقوم هذه الشركات بسد فجوة العمالة التي قد تسببها أية زيادة مفاجئة في الواردات، ويرى التقرير ان تحقيق ذلك يتطلب زيادة الصادرات إلى أكثر من 40% من الناتج المحلي الاجمالي بحلول عام 2005، ولكن هذا يستدعي اجراء عملية نقل واسعة النطاق للنشاط التجاري من مناطق اخرى من العالم النامي، واغراق الاسواق بمنتجات الملابس وبعض السلع الالكترونية، هما عمليتان يكون فيهما الخطر من «خطأ التعميم» أي الافتراض الخاطيء بأن ما يصح للفرد يصح ايضا للجماعة مرتفعا بالفعل. ويقول التقرير ان رغبة الصين في المضي قدما على جبهتي التصنيع والاندماج ستتطلب نطاقا كاملا من السياسات الرامية إلى تشجيع جزء كبير من قوتها العاملة الماهرة على الانتقال إلى انشطة تصنيع جديدة، واجراء تحديث تكنولوجي سريع وحسن التسلسل، يشمل الاستعاضة عن الاجزاء والمكونات المستوردة بأجزاء ومكونات منتجة محليا، وسيلزم ايضا وضع سياسات للمساعدة في انشاء العديد من الوظائف الجديدة الاضافية في القطاعات الداخلية، بما فيها قطاع الخدمات، وستكون تنمية المهارات امرا ضروريا بمرور الوقت للحفاظ على سرعة عملية التصنيع، ويخلص التقرير إلى ان الصين تستوفي الشروط الاساسية اللازمة للاخذ بهذه الاستراتيجية، ويرى بعض الادلة على تحركها في هذا الاتجاه. ويتمثل التحدي الفوري، اثناء قيام الصين باعادة تشكيل استراتيجيتها الانمائية، في ضمان سهولة التكيف مع الظروف الجديدة، ويقول التقرير في هذا الصدد ان من المهم ان تحتفظ الصين باستقلالها في ادارة سعر صرف عملتها، بل ومنع اصابة قطاعات معينة من اقتصادها بالخلل، متى دعت الحاجة إلى ذلك، فبإمكان الجمع بمهارة بين التسويات النقدية والضرائب المحلية ان يساعد على امتصاص الهزات التي قد تتعرض لها الصناعات الضعيفة، بدون التسبب في اضطرابات في تخصيص الموارد أو بدون انتهاك للتعهدات التي التزم بها البلد عند انضمامه إلى منظمة التجارة العالمية. وكان تقرير الأونكتاد العام الماضي قد أوضح ان تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الوارد في بلدان آسيا الماضية بلغت مستوى قياسيا قدره 143 مليار دولار في عام 2000. وحدثت اكبر زيادة في شرق آسيا، فشهدت هونج كونج (الصين)، على وجه التحديد، ازدهاراً غير مسبوق في الاستثمار الاجنبي المباشر، حيث بلغت التدفقات الوافدة 64 مليار دولار، لتصبح اكبر مستفيد من الاستثمار الاجنبي المباشر في آسيا وكذلك في البلدان النامية. وهذه الطفرة في التدفقات الوافدة لها عدة تفسيرات. فهي اولا تعبر عن انتعاش بعد الاضطراب الاقتصادي في الماضي الحديث. ثانيا، عمد تخطيط الشركات عبر الوطنية للاستثمار في الصين إلى «ترك» اموال في هونج كونج (الصين)، تحسبا لانضمام الصين المتوقع إلى منظمة التجارة العالمية. ثالثا، تعكس الزيادة عملية رئيسية لاندماج وشراء شركات عبر الحدود في قطاع الاتصالات الذي يمثل وحده قرابة ثلث مجموع تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الوارد إلى هذا البلد، رابعا، هناك عنصر «الترحال» المتزايد لتدفقات رأس المال داخل وخارج هونج كونج (الصين). وظلت تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر على الصين مستقرة نسبيا عند 41 مليار دولار. واثناء مفاوضاتها من اجل عضوية منظمة التجارة العالمية، عدلت الصين بعض سياساتها المتعلقة بالاستثمار الاجنبي المباشر. وتقوم الشركات عبر الوطنية بدور متزايد الاهمية في الاقتصاد الصيني، فعلى سبيل المثال، كانت المساهمات الضريبية للشركات الاجنبية المنتسبة تمثل 18% (27 مليار دولار) من مجموع عائدات ضريبة الشركات لهذا البلد في عام 2000. وظلت التدفقات الوافدة إلى جنوب شرق اسيا (رابطة امم جنوب شرق آسيا ـ 10) دون مستوى ما قبل الازمة. واستمر نصيب الاقليم الفرعي من مجموع تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر على بلدان آسيا النامية في التراجع، واستقر في عام 2000 عند 10%، مقابل اكثر من 30% في منتصف التسعينيات. ويعزى هذا بدرجة كبيرة إلى زيادة التدفقات الوافدة إلى بلدان اخرى في المنطقة وتصفية الاستثمارات الضخمة في اندونيسيا منذ بداية الازمة المالية. وشهدت دول جنوب آسيا انخفاضا في تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الوارد بنسبة 1% خلال العام السابق. وحصلت الهند وهي اكبر مستفيد في شبه القارة، على 2 مليار دولار. وبرغم هذه الاتجاهات المختلطة، لا تزال احتمالات الاستثمار في المدى الاطول مشرقة بالنسبة لبلدان آسيا النامية. فبالاضافة إلى نوعية العوامل الكاملة التي تحدد الاستثمار الاجنبي المباشر، يحتمل ان يؤدي الاندماج الاقتصادي الاكبر إلى انتعاش الاستثمار الاجنبي المباشر في المنطقة. وتضاعف الاستثمار الاجنبي المباشر الصادر من بلدان آسيا النامية في عام 2000، ليصل إلى 85 مليار دولار. وكانت هونج كونج (الصين) اهم مصدر (63 مليار دولار)، واتجه اكثر من استثمارها الاجنبي المباشر الصادر إلى الصين. كذلك ارتفع الاستثمار الاجنبي المباشر الصادر من الصين والهند. كتب مصطفى عبدالعظيم: