اكد تقرير اقتصادي لبنك أبوظبي الوطني أن على الدول العربية المنتجة للنفط التفكير وبصورة حقيقية وموضوعية باعادة الاستثمارات في الخارج نحو بيئات استثمارية امنة، بحيث لا تتعرض هذه الاستثمارات الى ما تعرضت له في الاعوام الماضية خاصة في العامين الماضيين نتيجة تراجع اسواق رأس المال. ويشير التقرير الى أن النفط يعتبر بلا منازع السلعة الاولى عالميا والتي يختلط التعامل بهاوصناعاتها واداء اسواقها بالسياسة والاقتصاد معا، وربما تطغى السياسة احيانا وهذه الحقيقة لا تتواجد في اية سلعة اولية اخرى. ومنطقة الاوبك قامت لتجمع الدول المنتجة للنفط من اجل حماية مصالحها وثرواتها في مواجهة سيطرة شركات النفط في منتصف هذا القرن حيث انشئت عام 1960. ولم يكن هدف المنظمة ابدا المساس او الاضرار بمصالح شركات النفط الكبرى او بمصالح الدول المستهلكة له وانما كان هدفها تحقيق التعاون بين الدول الاعضاء في المنظمة وتوحيد السياسة النفطية لهذه الدول واتباع افضل الطرق لحماية مصالحها الفردية والجماعية والعمل على الحد من التخفيضات غير الضرورية في الاسعار والتي لجأت اليها احياناً شركات النفط حماية لمصالحها الخاصة بصرف النظر عن مصالح الدول المنتجة للنفط. كما تهدف الى تأمين وتجهيز النفط للدول المستهلكة له بطريقة اقتصادية ومنظمة. ولم تلبث هذه المنظمة أن وجدت عليها هجوما كبيرا حينما قامت بعض الدول العربية بقطع امدادات النفط عن اميركا وهولندا في الاشهر الاخيرة من عام 1973 اثر حرب «اكتوبر» الامر الذي تبعه ازمة للطاقة عرفت باسم «الصدقة البترولية الاولى» ووجهت اصابع الاتهام في ذلك الوقت الى دول الاوبك في رفع اسعار النفط ارتفاعا كبيرا. الا أن السبب الحقيقي في ارتفاع اسعار النفط عام 1973 يرجع الى عام 1970 حينما حدث اختلال مؤقت بين الطلب على النفط والمعروض منه والى انتقال صناعة النفط مما عرفته بظاهرة النفقات المتناقصة الى ظاهرة النفقات المتزايدة، وذلك نتيجة للتحول الى مناطق الاسكا وخليج المكسيك وبحر الشمال في بريطانيا والنرويج وذلك في محاولة للتخلص من الاعتماد على النفط العربي الامر الذي ضخم من فاتورة الطاقة لدى الدول الغربية وبالذات اميركا الامر الذي جعل صناعتها تتأثر بصورة جعلتها عاجزة عن المنافسة في الاسواق الخارجية. ثم عاشت السوق النفطية صدمة اخرى عام 1980 كان اختلال وضع الطاقة في اميركا وراءها بالاضافة الى النمو الاقتصادي العالمي وحاجته المستمرة الى الطاقة في ظل قصور بدائل الطاقة الاخرى الامر الذي رفع سعر النفط بصورة كبيرة. ويوضح التقرير انه على الرغم من أن الدول العربية ليست هي الدول الوحيدة التي تراكمت لديها فوائض مالية ضخمة في التاريخ الحديث نتيجة للصادرات النفطية، فلقد تمتعت الولايات المتحدة بفائض كبير بعد الحرب العالمية الثانية حتى نهاية الخمسينيات وكذلك حققت المانيا الغربية واليابان فوائض مالية في الفترة (1970- 1974) الا أن النظرة الدولية للفوائض العربية في مطلع السبعينات القت عليها مسئولية حدوث تذبذب في اسواق النقد العالمية، واعتبرت الدول ذات الفوائض مسئولة تجاه المجتمع الدولي للعمل على زيادة الاحتياطيات الدولية والمساهمة في اعادة تدوير تلك الفوائض وزيادة المساعدات الانمائية والقروض منها لمساعدة عجز موازين المدفوعات. ولقد عرفت الفوائض المالية بانها تدفق نقدي من الدول العربية المنتجة للنفط يفوق ما تحتاجه هذه الدول مقابل سداد احتياجاتها من السلع المستوردة. وحسب التقرير فقد تحول جزء كبير من هذه الفوائض النفطية العربية الى استثمارات في الخارج، وبعد سنوات طويلة نلاحظ أن هذه الاستثمارات قد تعرضت لمخاطر عديدة وذلك نتيجة لما يلي: معدلات التضخم التي تتعايش معها المجتمعات الرأسمالية والتي تؤثر على القيمة الحقيقية للعوائد والفوائض النفطية، انخفاض سعر العملة وتخفيض قوتها الشرائية وخاصة الدولار وهي العملة التي تشكل معظم الارصدة الاجنبية المملوكة للدول العربية سواء تلك المستخدمة كاحتياطيات او تلك الموظفة في الاسواق المالية والنقدية، تقييد حرية انتقال الاستثمارات الاجنبية بالاضافة الى ما يمكن أن تتعرضه له الاستثمارات العربية في الخارج من مخاطر التجميد والمصادرة. بالاضافة الى العبء الضريبي على الايرادات الناجمة من الاستثمارات الاجنبية يعتبر مرتفعا جدا في الدول الغربية وقد تتعدى قيمة الضرائب في بعض الدول نصف ارباح الاستثمارات. وعما اذا كانت الفوائض النفطية قد حققت تنمية حقيقة شاملة في الدول العربية يقول التقرير لابد أن نقسم الدول العربية الى مجموعتين الاولى المنتجة للنفط والثانية الدول غير المنتجة للنفط. وعلى الرغم من هذا التقسيم نجد أن اقتصادات المجموعتين قد تعرضت لاختلالات هيكلية. فمن ناحية نجد حدوث ارتفاع كبير في نصيب قطاعات التعدين ومساهمته في الناتج المحلي الاجمالي للدول العربية على الرغم من أن زيادة مساهمة القطاع النفطي تتمثل في استنزاف الاحتياطي النفطي. كذلك ارتفعت مساهمة قطاع التجارة والمال، اما قطاع الزراعة فقد تراجع نصيبه في جميع الدول العربية بلا استثناء. اما قطاع الصناعة باستثناء الصناعات البترولية، فمازالت مساهمته متواضعة للان. ومن الجدير بالذكر أن النفط تفرض عليه ضرائب مرتفعة من قبل الدول المستهلكة في العالم الغربي، ففي العام 1967 كان متوسط السعر النهائي لبرميل المنتجات النفطية في اوروبا الغربية يبلغ نحو 10.74 دولارات منها 4.79 لتغطية نفقات الانتاج والتكرير والنقل والتوزيع والارباح للشركات بينما وزع الفائض المسمى اصطلاحا «الريع النفطي» بحيث حصلت الدول المنتجة للنفط على 85 سنتا اي 14% وحصلت حكومات الدول الغربية المستوردة على 5.1 دولارات اي 86% في صورة ضرائب ورسوم نفطية. وفي عام 1981 كانت الدول المنتجة للنفط تحصل على 57% من سعر البرميل في حين تحصل الدول المستوردة على 43% كضرائب ورسوم. وبينما ظلت الضرائب على النفط ثابتة، انهارت اسعار النفط عام 1986 وعام 1998 نتيجة لزيادة المعروض من النفط بصورة مفرطة بحيث اصبح سعر البرميل 13 دولاراً. واذ تعتبر المجموعة الصناعية الغربية والولايات المتحدة الشريك التجاري الرئيسي في مبادلة النفط بالسلع التي تصدرها الى دول الاوبك فان تطور الاسعار في الجانبين يمكن أن يعبر عن القيمة الحقيقية لسعر النفط، بعبارة اخرى فان استبعاد اثر التضخم معبرا عنه بالرقم القياسي لاسعار صادرات المجموعة الصناعية الغربية واميركا والذي ارتفع من 100 الى 384 تقريبا خلال الفترة من 1973- 2000 يوضح أن اسعار النفط مقومة بدولارات عام 1973 قد وصلت الى 8 دولارات او اقل في المتوسط خلال الفترة من 1986- 2000 اي أن الاسعار الحقيقية للنفط تآكلت بصورة كبيرة. وعما اذا كان يتعين على الدول العربية المنتجة للنفط أن تعمل للتخلص من اعتمادها الكامل على الايرادات النفطية المتذبذبة يوضح التقرير أن الاجابة تتمثل بتحول حقيقي قوي وسريع نحو قطاعات اقتصادية منتجة اخرى غير النفط وذلك للاعتماد عليه في تحقيق التنمية الاقتصادية الحقيقية والحصول على الايرادات الاكثر استقرارا ولنا في تجربة دولة الامارات نموذج يحتذى به حيث ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الاجمالي بصورة واضحة ويشير انه على مدى الاعوام من 1999 وحتى 2001 كانت مساهمة قطاع النفط في الناتج المحلي الاجمالي تدور حول 27%، في حين نجد أن مساهمة القطاعات غير النفطية خلال نفس الفترة قد استقرت حول 72%. وحسب التوقعات فان هذه النسبة سوف تصل إلى 73% في نهاية العام الحالي. وهكذا نجد أن التنويع في مصادر الدخل يحمي الاقتصاد الاماراتي من الانكشاف الكامل لتذبذب اسعار النفط ويجعل المؤشرات الاقتصادية الكلية تستقر حول ارقام مقبولة نسبيا. كذلك يتعين على هذه الدول التفكير وبصورة حقيقية وموضوعية باعادة الاستثمارات في الخارج نحو بيئات استثمارية امنة بحيث لا تتعرض هذه الاستثمارات الى ما تعرضت له استثمارات هذه الدول في الاعوام الماضية خاصة في السنتين الاخيرتين نتيجة تراجع اسواق المال.
