قدرت الاستثمارات اللازمة لتحلية المياه في الدول العربية بنحو 10 مليارات دولار خلال الثماني سنوات المقبلة ونحو 23 مليار دولار في العقد الثاني من القرن الحالي، وتقفز الى 40 مليار دولار، خلال العقد الثالث متوقعا أن تستثمر معظم هذه الموارد في مشروعات تحلية المياه في دول الخليج العربية وليبيا علما أنها تستحوذ على حوالي 90% من الطاقة الانتاجية في المنطقة العربية، وتعتبر تحلية المياه خيارا رئيسيا فيها لمقابلة الطلب المتنامي على المياه للأغراض المنزلية والصناعية. وذكر الدكتور عبدالكريم صادق من الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية أن اعتماد الدول الرئيسية المنتجة للمياه المحلاة في الماضي سيكون على تمويل الاستثمارات اللازمة لتحلية المياه من مصادرها الذاتية المتمثلة في مخصصات الاستثمار في الموازنات العامة، معربا أن الايرادات النفطية لعبت دورا رئيسيا في توفير التمويل اللازم بينما اعتمدت الدول العربية غير المقترضة على مصادرها الذاتية في تمويل مشروعاتها وبرامجها الانمائية. وخلصت دراسة سترشيد استهلاك الطاقة في مجال تحلية المياهس الى أن الدول العربية الأخرى اعتمدت على الاقتراض وبصورة خاصة المساعدات الانمائية الرسمية لتمويل جزء من عملياتها الانمائية لافتة الى أن سبع دول عربية تضم الجزائر، ومصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس واليمن استثمرت مجتمعة نحو 1.5 مليار دولار سنويا لتطوير مصادر مائية خلال ثلاث سنوات من النصف الأول من التسعينيات واسهمت المساعدات الانمائية الرسمية بحوالي 67% من تلك الاستثمارات. وبينت الدراسة أن التغيرات التي شهدها العالم خلال العقدين الاخيرين بشأن استراتيجيات التنمية ومنطلقاتها المستندة الى الاصلاحات الاقتصادية الشاملة الى الاعتماد المتزايد على مصادر التمويل التجارية، خاصة في ظل تقلص حجم المساعدات الرسمية، وأخذا في الاعتبار حجم الموارد المالية اللازمة للاستثمار في مشروعات المياه بما في ذلك مشروعات تحلية المياه، ومحدودية الموارد الممكن تخصيصها من خلال الموازنات العامة علما أن ذلك يتطلب البحث عن مصادر تمويل اضافية واتجهت الأنظار في الدول النامية بما في ذلك الدول العربية الى القطاع الخاص كأحد المصادر الهامة للمساهمة في تمويل الاستثمارات اللازمة للتنمية. وأشار صادق الى أن الدلائل المتعلقة بمشاركة القطاع الخاص في قطاع المياه تشير الى بعض التجارب الناجحة التي تراوحت ما بين عقود انحصرت في تأدية خدمات بسيطة الى عقود شملت الامتيازات إلا أنها على أية حال تصل الى حد الخصخصة (نقل الملكية من القطاع العام الى القطاع الخاص) إلا في حالات نادرة علاوة على أن قطاع المياه والصرف الصحي لم يكن بمقدوره جذب الاستثمارات الخاصة بالقدر الذي حظيت به مشروعات البنية الأساسية الأخرى كالاتصالات، والطاقة، والنقل. وسجلت الدراسة أنه لم يتجاوز نصيب مشروعات المياه، والصرف الصحي حوالي 23 مليار دولار من أصل حوالي 497 مليار دولار لمشروعات البنية الأساسية في الفترة من 1990 الى 1999 أي بنسبة لا تتعدى نحو 7.4% من مجمل مساهمات القطاع الخاص في الدول النامية ولم يتجاوز نصيب منطقة الشرق الأوسط، وشمال افريقيا 6.2% من اجمالي مساهمة القطاع الخاص في تمويل البنية الأساسية في التسعينيات. واعترف صادق أنه بالرغم من تواضع مساهمة القطاع الخاص في تمويل الاستثمارات المائية حتى الآن إلا أن الجهود المبذولة في اطار الاصلاحات الاقتصادية المستمرة، وخلق البيئة الاقتصادية المناسبة للاستثمار من شأنها أن تعزز دور القطاع الخاص في تمويل التنمية بما في ذلك المشروعات المائية. وأشار أنه في ظل ضخامة الموارد المالية اللازمة للاستثمار في قطاع المياه فقد أدركت الدول العربية الحاجة الى مشاركة القطاع الخاص للاستفادة من امكانياته المالية، والادارية، والفنية لتحسين الاداء من خلال ترتيبات تعاقدية متنوعة شملت عقود الادارة في الاردن (مياه وصرف صحي مدينة عمان) وعقود امتياز في المغرب (لادارة شبكات المياه في الدار البيضاء والرباط) ودولة الامارات العربية المتحدة لإنشاء محطة تحلية (محطة الطويل)، والكويت لإنشاء محطات معالجة مياه الصرف الصحي (الصليبية). وذكرت الدراسة أن مساهمة القطاع الخاص تعكس بشكل أو بآخر تقليص دور الدولة المباشر في توفير الخدمات العامة في اطار الاصلاحات الاقتصادية التي تقوم بها بدرجات متفاوتة في شموليتها مشيرة الى سعي بعض الدول العربية اللجوء الى القطاع الخاص لتمويل مشروعات في قطاع المياه من خلال ما سبق علما أنها مازالت متواضعة أخذا في الاعتبار حجم الاستثمارات المطلوبة، والتمويل اللازم لها. وأكدت الدراسة انه لكي تحقق الدول العربية نتائج ملموسة وتحرز تقدما في هذا المجال يستلزم مزيدا من الاصلاحات في قطاع المياه تشمل النواحي الادارية والاقتصادية والسياسات المائية علما أن القطاع الخاص يعتبر أحد المصادر الهامة للتمويل إلا أن اجتذابه للاضطلاع بالاستثمار في قطاع المياه يتطلب إرادة سياسية أكيدة وعزما على وضع الأطر المناسبة لمساهمة القطاع الخاص، واتخاذ الاجراءات الكفيلة بتوفير المناخ المناسب لتشجيع الاستثمار على أسس من القوانين الواضحة والمستقرة والمستندة الى الأنظمة التشريعية والقضائية اللازمة لتنفيذ الالتزامات التعاقدية بشفافية لاشاعة الثقة والطمأنينة لدى المستثمرين. ونصحت الدراسة بادخال اصلاحات لازمة وأكثرها صعوبة ما يتعلق بتسعيرة المياه نظرا لجوانبها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية ولذا فإن الاستمرار في توفير الامدادات المائية بتعريفة متدنية جدا سيظل حائلا أمام الحد من الاسراف في استهلاك المياه من جهة وكذلك عقبة تحول دون بلوغ الهدف المنشود في توفير مصادر لتمويل الاستثمارات اللازمة سواء من المصادر الذاتية أو تلك المتعلقة بالقطاع الخاص. وحض صادق على أن الأمر يتطلب تطبيق سياسة لتسعير المياه تأخذ في الاعتبار التكاليف الحدية في اطار هيكل يراعي استهلاك الفئات الفقيرة، ويحقق ايرادات تقلل من الاعتماد على الموازنات العامة، وتوفر فرصا أفضل لتمويل تلك الاستثمارات علما أن أهمية رفع تسعيرة المياه تكمن في أنها تمثل الوسيلة الرئيسية لتوفير موارد مالية اضافية بما في ذلك جذب استثمارات القطاع الخاص في ظل عجز الموازنات العامة، واستبعاد المساعدات الرسمية لبعض الدول العربية أو تقلصها بالنسبة للدول العربية المقترضة. وذكرت الدراسة أن الاستثمارات اللازمة لتحلية المياه فقط تقدر بحوالي 70 مليار دولار خلال الثلاثة عقود القادمة ويمكن من خلال تطبيق تسعيرة للمياه على أساس مبدأ استرداد التكاليف أن تتوافر موارد مالية اضافية للجهات المسئولة عن امدادات المياه (الوزارات والهيئات العامة) بما لا يقل عن السابق علما أن المجال يفسح أمام القطاع الخاص لأنه يلعب دورا أكبر في تمويل الاستثمارات اللازمة علما أن عدم حل مشكلة تسعير المياه ستظل عائقا رئيسيا أمام ضمان مصادر تمويل الاستثمارات المائية سواء من مصادر القطاع العام أو مصادر القطاع الخاص وخاصة في ظل تنامي حجم تلك الاستثمارات. وذكرت الدراسة أن الطاقة الانتاجية الحالية في الدول العربية تبلغ نحو 12.5 مليون متر مكعب يوميا من تحلية المياه منها حوالي90% في ست دول (دول الخليج العربي)، وبلغت التكاليف الرأسمالية لإنشاء محطات التحلية ما بين 1000 الى 3000 مليون دولار في التسعينيات اضافة الى أن المشروعات المتعاقد عليها والتي سيتم انجازها حتى عام 2006 تبين أن معدل نمو الطاقة الانتاجية يقدر بـ 5% سنويا وانه من المتوقع زيادة الطاقة الانتاجية بنحو 4.56 ملايين متر مكعب يوميا. ونوه أنه لترشيد استهلاك المياه أهمية خاصة بالنسبة لترشيد استهلاك الطاقة في تحلية المياه على حجم انتاج المياه المحلاة التي تعتمد بدورها على معدل استهلاك الفرد، وأن معدل استهلاك الفرد من مياه الشرب يعتبر مرتفعا نسبيا في العديد من الدول العربية خاصة في دول الخليج العربية إذ يبلغ متوسط استهلاك الفرد 403 لترات في اليوم بالبحرين مقابل 417 لترا في السعودية، و476 لترا في قطر، و575 لترا في الكويت علما أن معدل الاستهلاك المرتفعة تدل على استهلاك مفرط وهدر في استخدامات المياه. وأرجع صادق ذلك الى تعرفة المياه المنخفضة في معظم الدول العربية التي تقدم دعما مباشر وغير مباشر لأسعار المياه حيث يقدر سعر مياه الشرب 57 سنتا للمتر المكعب في الكويت، ونسبة الدعم ما يزيد عن 80% من تكلفة انتاج وتوزيع المياه في عدد من الدول العربية. وتتحمل السياسة المائية المتمثلة في تدني تعرفة المياه في عدم توفر حوافز للاقتصاد في استهلاك المياه كما أنها لا تغطي في كثير من الأحيان تكاليف التشغيل والصيانة موضحة أن مبدأ استرداد التكاليف عن طريق التعرفة يحقق هدفا مزدوجا إذ أنه بالاضافة الى تمكين الهيئات المائية من الحصول على الموارد المالية اللازمة لعملياتها يشكل حافزا هاما للمستهلكين للاقتصاد في استخدام المياه في ظل ظروف يشتد فيها شح المياه، ويتنامى الطلب على المياه للأغراض المختلفة. وأوضح صادق أن لترشيد استهلاك المياه أهمية خاصة بالنسبة لترشيد استهلاك الطاقة في تحلية المياه إذ يمكن من خلال تخفيض معدلات الاستهلاك المرتفعة من مياه الشرب تحقيق وفر في الطاقة في الدول التي تعتمد على تحلية المياه للأغراض المنزلية، والصناعية. وبينت الدراسة أن التجارب تشير الى أن تقليص الدعم للمياه المنزلية وتسعيرها على أسس تخدم الأهداف الاقتصادية والاجتماعية من شأنه دعم هدف ترشيد استهلاك المياه وتلعب التسعيرة الصناعية دورا اما في ادارة الطلب على المياه كما تدل عليه تجربة تونس التي طبقت تلك التسعيرة منذ عام 1974 أخذة في الاعتبار تمكين الشريحة الاجتماعية ذات الدخل المنخفض من تلبية احتياجاتها الضرورية بسعر منخفض علما أن ترشيد استهلاك المياه عن طريق زيادة التعرفة ليس من شأنه أن يؤدي الى توفير موارد مائية فقط بل أنه سيوفر أيضا موارد مالية اضافية لهيئات المياه، ويقلل الاعتماد على الدعم الحكومي على أن الجهات المسئولة عن المياه أن تقوم بصيانة وتشغيل المنشآت بكفاءة أفضل ويوفر لها الامكانات لتزويد مياه الشرب لأكبر عدد من السكان الذين لا تتوفر لهم المياه الصالحة للشرب وعددهم 70 مليون نسمة في الوطن العربي بينما تهدر كميات كبيرة من المياه بسبب الفاقد المرتفع في شبكات التوزيع والذي يتراوح بين 40 الى 60% من كميات المياه المنتجة. ولفت أنه نظرا لعلاقة تحلية المياه بالطلب على المياه واستهلاك الطاقة فإن حسن ادارة الطلب على المياه من خلال السياسات الملائمة من شأنه أن يعزز من فعالية سياسات، واجراءات ترشيد استهلاك الطاقة كما أن العمل على ترشيد استهلاك الطاقة في مجال تحلية المياه في اطار استراتيجية متكاملة لترشيد الطاقة على الصعيد الوطني سيوفر مناخا أفضل لسياسات الطاقة وانسجام تطبيقاتها. وقدرت الدراسة أن الموارد المائية المتاحة من خلال التحلية في الدول العربية نحو 2.100 مليون متر مكعب سنويا للاستخدامات المنزلية، والصناعية أي حوالي 1% من اجمالي الاستهلاك بما في ذلك الاستهلاك الزراعي مقدرا حجم العجز المتوقع في المياه بما يفوق نحو 350 مليار متر مكعب في الثلاثة عقود القادمة مشيرا الى أن هناك عدة خيارات لتوفير مياه اضافية وأن هناك عدة خيارات لتوفير مياه اضافية سابقة بما في ذلك التركيز على جانب ادارة الطلب على المياه في اطار استراتيجية متكاملة بكل ما تتضمنه من سياسات واجراءات وقوانين للمحافظة على المياه وترشيد استخداماتها، والمحافظة على نوعيتها إلا أنه نظرا لشح المياه الطبيعية في الدول العربية فقد اقتضى الأمر قيام عدد من الدول العربية خاصة الخليجية الى توفير موارد مائية عن طريق التحلية خاصة تحلية مياه البحر للاستخدامات المنزلية والصناعية. وأشار صادق إلى أنه لترشيد استهلاك الطاقة في مجال تحلية المياه منافع يمكن تحقيقها من خلال الوسائل الفنية، وتنويع مصادر الطاقة، وإدارة الطلب على المياه ويحتاج تطبيق سياسات مناسبة لتوفير الطاقة اللازمة لتحلية المياه على أسس اقتصادية لتشجيع استخدامات التقنيات الأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وتوفير الكفاءات الفنية اللازمة لتشغيل وصيانة محطات التحلية، وتوفير الكفاءات لاعداد المواصفات التقنية لمحطات التحلية على ضوء الخبرات المكتسبة وتقييم العروض المقدمة، واجراء المقارنة بينها على أسس فنية، واقتصادية، وبيئية فضلا عن ضرورة دعم البحوث لتطوير تقنيات تحلية أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة وتوفير الموارد المالية اللازمة لذلك. ودعت الدراسة الى أهمية التعاون العربي في مجال البحوث التطبيقية لحل المشاكل الفنية المتعلقة بتقنيات التحلية والتي من شأنها تخفيض تكاليف التحلية بما في ذلك تكاليف الطاقة، وذلك على ضوء الخبرة المكتسبة في تحلية المياه وبصورة خاصة في المنطقة العربية والتوسع في استخدام مصادر الطاقة النظيفة والأقل تكلفة كالغاز الطبيعي وخاصة في مجال توفره على الصعيد المحلي أو من خلال التعاون العربي في امدادات الطاقة، وتكثيف الجهود في مجال البحوث المتعلقة بامدادات الطاقة المتجددة لتحلية المياه خاصة في المناطق النائية، كالطاقة الشمسية والرياح والعمل على تصنيع المعدات اللازمة لها محليا. وحضت الدراسة على ادارة الطلب على المياه للأغراض المختلفة واتخاذ كافة الاجراءات اللازمة لهدف المحافظة على الموارد المائية المتحددة كما ونوعا وتخفيض الحاجة الى تحلية المياه لمقابلة الطلب، وتطبيق سياسات لخلق حوافز للحد من الاسراف في استهلاك المياه بما في ذلك تطبيق أسعار استهلاك المياه على مبدأ استرداد التكاليف تراعي الحاجات الرأسمالية لمستهلكي المياه من ذوي الدخول المحدودة اضافة الى القيام باجراء الاصلاحات اللازمة في قطاع المياه بما يمكن من تعزيز مساهمة القطاع الخاص في امدادات المياه من خلال الترتيبات المختلفة وبصورة خاصة المساهمة في تمويل الاستثمارات اللازمة بما في ذلك لتحلية المياه.
