يمكن أن نفهم التخطيط على أساس انه مجموعة معينة من الأهداف التي ينبغي تحقيقها خلال فترة معينة من الزمن بحيث تتضمن دراسة الموارد المتاحة ومحاولة استغلالها الاستغلال الأمثل، وعلى هذا الأساس فإن الخطة هنا تعني مجموعة المؤشرات التي تضعها جهة مركزية لفترة مستقبلية والتي يستهدف تحقيقها بعد تحديد مجموعة الوسائل والسياسات المختلفة اللازمة وكذلك الظروف التي يفترض سوادها خلال تلك الفترة. وهنا يمكن ان نفهم الحل الأمثل أو الاستغلال الأمثل على انه مجموعة من القيم التي تتخذها متغيرات السياسات بحيث تحقق الأهداف الموضوعة ولا تتجاول القيود المحددة لها سلفا. إن وجود التخطيط كفكرة لدى المجتمع لا يعني بأن هذا المجتمع يزاول عملية التخطيط بحكمة بين جميع أفراده ومؤسساته كما لا يعني تغطيته لكل شئون المجتمع أو استمراريته لآجال طويلة. لذلك فإن نجاح التخطيط يتوقف على استناده الى بيانات ومعلومات دقيقة وقدرة على استخلاص أفضل الاستنتاجات ويضاف الى ذلك تكامله واتساقه على مستوى الفرد والمجتمع في الدولة. لذلك هناك شروط أساسية لانجاح التخطيط الشامل وهي: ـ تحديد الأهداف. ـ الشمول الزمني. ـ الشمول الموضوعي. ـ وجود قاعدة من البيانات والخبرة والمعرفة. ـ وضع السياسات والقرارات وقابليتها للتنفيذ. وما دمنا قد أشرنا بأن الخطة هي مجموعة من المؤشرات التي تضعها جهة مركزية فهذا يعني بأن التخطيط يجب أن يستند على معلومات وبيانات تشمل كافة العناصر المتعلقة به وأن تكون هذه البيانات دقيقة وكاملة، فعجز البيانات أو عدم دقتها سوف تؤثر على دقة النتائج وبالتالي على مصداقية الاستنتاجات. ومن هنا يأتي دور المحاسبة القومية بعرضها للبيانات والاحصاءات الخاصة بالمجتمع حيث انها تمثل البيانات الاحصائية التي تتعلق بمجموعة من الظواهر الاقتصادية الكلية والتي تعرض في مجموعة من الحسابات الاقتصادية المتكاملة والتي هي عبارة عن وسيلة واطار منهجي مصمم خصيصا لقياس مجمل النشاط الاقتصادي في مجتمع معين وعرضها في صورة رقمية متكاملة تصلح أساسا لتحليل الأوضاع الاقتصادية القائمة وترشيد عملية رسم السياسة الاقتصادية واتخاذ القرارات اللازمة لمعالجة المسارات الاقتصادية. إن الاقتصاد القومي لأي مجتمع في الواقع يجمع ملايين الوحدات الاقتصادية حيث تقوم هذه الوحدات فيما بينها باجراء الملايين من العمليات الاقتصادية مما يدفع الى الحاجة الشديدة لاعداد حسابات منسقة ومنظمة لها للقيام بمهمة حصر وتبويب هذه الوحدات ورصد هذه العمليات التي تقوم بها بهدف قياس نشاط المجتمع ككل ولتكون أداة من أدوات التحليل الاقتصادي للمجتمع بهدف التعرف على تركيب ومساهمة هذه الوحدات وما تقوم به من عمليات في تكوين المتغيرات الكلية من استهلاك وادخار واستثمار اضافة الى اجراء المقارنات الاقليمية والدولية وقياس مدى التقدم والنمو في المجتمع. إن منظومة الحسابات القومية يمكن أن تمثل اطارا مناسبا لفهم عملية وضع المؤشرات الكلية لخطة التنمية الاقتصادية وكذلك عملية اختبار الاتساق بينها. لذلك فان فهم منظومة الحسابات الاقتصادية القومية والاحصاءات المترابطة معها هي من المتطلبات الأساسية لفهم عملية وضع ورسم مؤشرات خطة التنمية الاقتصادية والاطار الاجمالي لها. من هنا يتبين بأن التخطيط الاقتصادي يتطلب توفر بيانات ومؤشرات على درجة كبيرة من الشمول والتفصيل في كافة مراحل وضع الخطة الاقتصادية وتنفيذها ومتابعتها، أي ان التخطيط الاقتصادي يجب أن يبنى على معلومات وبيانات وعدم دقتها تؤثر على دقة النتائج والاستنتاجات وهذا الدور الهام تقوم به منظومة الحسابات الاقتصادية القومية في جميع مراحل الخطة بدءا بوضع الاهداف الاجمالية وحتى متابعة النتائج. إن المخطط يتعامل مع البيانات الاقتصادية باعتبارها بيانات مترابطة تقع ضمن منظومة متكاملة من الحسابات على المستوى الاجمالي والمستوى القطاعي والمستوى الجزئي، لهذا فإن الاسلوب الملائم للبحث في احتياجات التخطيط من البيانات الاقتصادية هو ذلك الذي يستند على نظام الحسابات القومية فهو النظام الأكثر استخداما على النطاق الدولي كما وانه مصمم اساسا بالشكل الذي يخدم اهداف التخطيط الاقتصادي. ومن اجل الاستفادة من هذا النظام وبالتالي استخدامه في اعداد مؤشرات خطة التنمية الاقتصادية، لابد من توفير بيانات ومعلومات دقيقة وتفصيلية عن واقع حال النشاط الاقتصادي والاجتماعي في البلد وهنا يأتي دور الاجهزة والمؤسسات الاحصائية. ان وجود العديد من المسوحات التي لها اهداف خاصة بوزارة معينة أو مؤسسة معينة لابد وان يخضع وعلى كل المستويات الى معايير احصائية قياسية مقرة دوليا، وفي هذا المجال لابد وان تكون هناك دائرة احصاء مركزية على مستوى الدولة تكون مسئولة عن اعداد وتعميم هذه المعايير القياسية والاشراف بشكل مباشر على كافة الاحصاءات على مستوى الدولة. وفي غياب ذلك فلابد من تأليف لجنة وطنية عليا للاحصاءات لتنسيق العمل الاحصائى بين كافة مرافق الدولة ولضمان تطبيق المعايير الدولية اضافة إلى اعتماد آلية محددة لتدفق البيانات إلى الجهات المستخدمة داخل الدولة وإلى الجهات الاقليمية والدولية. وعلى هذا الاساس لابد من التأكيد على ضرورة توفير قاعدة معلومات احصائية من خلال خطة مركزية للمسوحات الاحصائية الدورية تمتد إلى كافة مرافق الدولة وبتوقيتات زمنية محددة حتى يمكن الاستفادة من الدلالات الاحصائية لهذه المسوحات من حيث التعبير عن حجم وقيم الظواهر على المستوى الكلي. ان ذلك يجب ان يعطي الاولوية حيث ان ذلك وبالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة سيؤدي إلى وضع خطة وطنية متكاملة للمسوحات الاحصائية وحسب ما يتوفر من موارد واولويات لخدمة السياسات الحكومية على المستوى الاتحادي والمحلي. ان للمحاسب القومي دورا مهما في تطوير النظم الاحصائية، اي ان مشاركته في اعداد البرامج الاحصائية يعتبر مهما جدا في ضمان اتساقها مع المعايير الدولية وفي جعلها قابلة للمقارنات الدولية فضلا عن ملاءمتها لاغراض التحليل الاقتصادي باعتبار ان الحسابات الاقتصادية القومية هي المستهلك الاساسي لكافة البيانات والاحصاءات الاساسية التي تعدها الاجهزة المركزية وغير المركزية للاحصاء. لذلك فإن مفاهيم وتصانيف ورموز ومعايير تقييم كافة الاحصاءات الاقتصادية والمالية والاجتماعية تستمد بل وتتطابق مع تلك الواردة في نظام الحسابات القومية وهذا يعني بأن الاخير يمثل المرجعية المفاهيمية لكافة الانظمة الاحصائية. ان الحسابات الاقتصادية القومية تكتسب دقتها وموضوعيتها من دقة وموضوعية البيانات الاحصائية الاساسية، حيث ان اهمية الموضوعية والحياد في اعداد الاحصاءات الاساسية والاحصاءات المشتقة منها لابد ان ينظر له بشكل خاص حيث يجب ان يكون العاملين في هذا المجال من غير العاملين في اجهزة التخطيط المعنية باعداد الخطة لأن هذه الاجهزة تستخدم الاحصاءات ولا تصنعها ولا يجوز ان تصنعها حفاظاً على موضوعيتها وحيادها واستقلاليتها، ولذلك من الضروري ان تكون الاجهزة المسئولة عن اعداد الحسابات الاقتصادية القومية مستقلة على ان تقوم باداء دور تنسيقي مهم لها ما بين جهات ثلاثة هي: ـ مصادر البيانات. ـ اجهزة التخطيط. ـ الدوائر الاحصائية الاخرى. لما تقدم اعلاه فإن أي نظام للحسابات الاقتصادية القومية لابد وان يؤدي ثلاث وظائف اساسية، فهناك الوظيفة التي تقوم على تسجيل وتصوير حركة التدفقات الاقتصادية في المجتمع وهناك ايضاً دورها في تحليل اتجاهات النشاط الاقتصادي في المجتمع وهي عملية تقييم اداء الاقتصاد القومي واخيرا الدور المتعلق بعملية التنبؤ بحركة ومسارات المتغيرات الاقتصادية الكلية في الاجلين القصير والمتوسط. ان ذلك يرتبط بشكل اساسي بمفهوم التخطيط الاقتصادي رغم الاختلاف في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمرتبطة بدورها بمفاهيم مختلفة مثل مفهوم التخطيط الشامل او التخطيط المركزي، او الاتجاه لتبني التخطيط التوجيهي او التأشيري والذي يعني التخطيط العام وفق اهداف عامة رئيسية دون اللجوء إلى تفاصيل محددة.