ساد الاعتقاد منذ انهيار محادثات الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في سياتل بان المنظمة في حاجة ملحة إلى إجراء إصلاحات جذرية تطال ليس فقط هياكلها التنظيمية ، وإجراءات العمل فيها بل حتى أهدافها والمبادئ التي قامت على أساسها، ومنذ ذلك الحين أصبحت المنظمة الشغل الشاغل للكثير من المنظمات غير الحكومية ونشطاء السلام والبيئة والمنظمات المناهضة للعولمة والحكومات بل وحتى المواطنين العاديين خاصة في دول الغرب لدرجة حدت بالبعض إلى القول بان المنظمة لن يكتب لها البقاء إذا ما استمر الوضع القائم وما لم تكن هناك تغييرات جذرية وجوهرية تمكنها من الإيفاء باحتياجات وتحقيق طموحات وآمال جميع أعضائها بصرف النظر عن وضعهم الاقتصادي ونسبة مساهمتهم في التجارة الدولية. إن إنشاء منظمة التجارة العالمية في عام 1994 لم يكن لمنع حدوث انهيار أو أزمة تتعلق بالتجارة الدولية كما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي إذ إن التجارة بين الدول لم تحتج إلى منظمة دولية على شاكلة منظمة التجارة كي تتضاعف سبع عشرة مرة بين عامي 1948 و1998 من 124 مليار دولار إلى ما يناهز أحد عشر تريليون دولار كما ان المنظمة لم تكن ضرورية للحفاظ على السلام والأمن الدوليين ومنع اندلاع الحروب وذلك لعدم قيام حرب عالمية أو حرب إقليمية ذات طابع اقتصادي وثيق الصلة بالتجارة الدولية خلال الفترة الماضية وذلك بالطبع بفضل توازن القوى بين معسكري حقبة الحرب الباردة، هذا عدا عن أن اتفاقية (الجات) المبرمة عام 1947 وما طرأ عليها من تعديلات والتي قامت على أنقاضها منظمة التجارة الدولية حيث كانت تعمل بشكل مقبول كإطار عام لتحرير التجارة الدولية، و حيث أن آلية حل النزاعات التجارية فيها كانت على درجة عالية من المرونة إضافة إلى أخذها بعين الاعتبار الوضعية الخاصة للدول النامية والدول الأقل نموا، بمعنى أن اتفاقية (الجات) 47 قد وفرت لما يعرف بدول العالم الثالث الفرصة من خلال الاقتصاد العالمي لاستخدام سياساتها التجارية للنمو والتطور ومن ثم التحول إلى دول صناعية. إ ذاً لماذا تم إنشاء منظمة التجارة العالمية؟ من بين القوى التجارية الكبرى كاليابان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية كانت اليابان أكثرها تردداً في دعم فكرة إنشاء منظمة تعنى بالتجارة الدولية وذلك بسبب التزامها بحماية قطاعها الزراعي بالإضافة إلى حماية نظامها الصناعي المتميز الذي يعطي المنتجين الوطنيين عن طريق آليات رسمية وغير رسمية الحق في الاستغلال الحصري للسوق المحلية، كما أن الاتحاد الأوروبي الذي وصل إلى مرحلة متقدمة جدا في أن يصبح كيانا اقتصاديا يتمتع باكتفاء تجارى ذاتي لم يكن اكثر حماسا من اليابانيين في دعم قيام منظمة التجارة الدولية وذلك لعدم رغبته في رفع الدعم الحكومي عن المزارعين الأوروبيين وفتح أسواق دوله أمام المنتجات الزراعية القادمة من الدول النامية التي تتمتع بأفضلية في الأسعار بفضل رخص الأيدي العاملة في القطاع الزراعي في تلك الدول في مقابل فتح هذه الدول أسواقها للمنتجات الصناعية الأوروبية. في الواقع إن إنشاء منظمة التجارة العالمية كان ولا يزال يخدم بالدرجة الأولى المصالح التجارية للولايات المتحدة وهذا ليس تطبيقا آخر لنظرية المؤامرة بل هو حقيقة لا تحتاج إلى تبيان بقدر ما تحتاج إلى مجرد نظرة تاريخية متفحصة واليكم بعض الحقائق التاريخية، في العام 1948 سعت الولايات المتحدة إلى عرقلة إنشاء ما كان يعرف بمنظمة التجارة العالمية لأنها شعرت آنذاك بان إنشاء مثل تلك المنظمة لن يخدم مصالحها في تحقيق سيطرة اقتصادية على العالم بعد خروجها من الحرب العالمية الثانية منتصرة على جبهتي أوروبا والمحيط الهادئ في حين قامت خلال الفترة الممتدة بين أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي بتشكيل مجموعة ضغط على المستوى الدولي للدفع في اتجاه إقامة منظمة التجارة العالمية وقد نجحت في ذلك خلال جولة أوروجواي عام 1994 وذلك بعد أن استشعرت بان ظروف المنافسة الاقتصادية الدولية قد جعلت من مصلحة الشركات الأمريكية الكبرى استحداث نظام تجاري دولي يعمل تحت مظلة منظمة دولية لها القدرة على الحد من قدرة الدول على وضع العوائق الجمركية والضريبية والقانونية أمام دخول السلع الأمريكية إلى أسواقها، كما هددت الولايات المتحدة في الخمسينيات بالانسحاب من معاهدة جات 47 إذا لم يتم السماح لها بالإبقاء على بعض الإجراءات لحماية قطاع منتجات الألبان وبعض القطاعات الزراعية الأخرى وكانت النتيجة هي استبعاد القطاع الزراعي ككل من المعاهدة، بينما في عام 1996 كانت الولايات المتحدة نفسها الداعم الرئيسي والوحيد بين الدول الصناعية لجعل قطاع الزراعة في من ضمن القطاعات الخاضعة لأحكام منظمة التجارة العالمية، وقد ساقت الولايات المتحدة العديد من المبررات والأسباب لهذا التغيير الجذري في موقفها من تحرير قطاع الزراعة، ومن بين المبررات التي حاولت الولايات المتحدة تسويقها لشركائها التجاريين وخاصة الدول النامية هو أن هاجس الأمن الغذائي وفكرة اعتماد هذه الدول على إمكانياتها الذاتية في توفير الغذاء لشعوبها قد أصبحت من الماضي خاصة بعد فشل الفكر الاشتراكي وانهيار المعسكر الشرقي وانه من الأفضل لهذه الدول الاعتماد على المنتجات الزراعية الأمريكية المتوفرة في الأسواق وبأسعار اقل، وربما تكون الولايات المتحدة قد نسيت أو تناست سياسة العقوبات الاقتصادية التي تفرضها على من تسميهم بالدول المارقة أو القانون رقم 301 الذي يجيز للرئيس بان يفرض عقوبات اقتصادية على أي دولة تتبع سياسات تجارية غير عادلة أو ضارة بالولايات المتحدة على حد تعبير القانون مما يجعلها الدولة الوحيدة التي تستعمل سياساتها التجارية كقانون عقوبات تفرض على كل من يعارض أو يقاوم سياساتها الخارجية ويكفي أن نعلم بان الولايات المتحدة تفرض في الوقت الراهن عقوبات اقتصادية أحادية الجانب على كل من العراق، إيران، كوريا الشمالية، كوبا وليبيا كما كانت الهند وباكستان ويوغسلافيا على قائمتها حتى وقت قريب، كما دفعت الولايات المتحدة أيضا في اتجاه شمول أحكام منظمة التجارة العالمية لقطاع الخدمات عن طريق اتفاقية تعنى بتنظيم عملية تحرير هذا القطاع المهم لكل من الدول الصناعية والنامية على حد سواء وذلك بعد أن رأت بأن شركات الخدمات الأميركية تتمتع بحضور قوي وبأفضلية مطلقة وخاصة في قطاع الخدمات المالية خلال الحقبة الجديدة لقطاع الخدمات الدولية وقد توجت جهودها بتوقيع اتفاقية التجارة في قطاع الخدمات والمعروفة باسم (جاتس). كما كان للولايات المتحدة الدور الأكبر في توسيع نطاق اختصاص منظمة التجارة لتشمل قطاعي الاستثمار والملكية الفكرية وذلك بتوقيع اتفاقية إجراءات الاستثمار المتعلقة بالتجارة والمعروفة بإسم (ترمس) واتفاقية حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة والمعروقة بإسم (تربس)، وقد هدفت الولايات المتحدة من الاتفاقية الأولى إزالة جميع أشكال العوائق أمام حركة عوامل الإنتاج التي تستخدمها الشركات الأمريكية العابرة للحدود أو ما يسمى بالشركات متعددة الجنسيات وهو مصطلح غير دقيق من الناحية القانونية ولكنه يستخدم بشكل واسع حتى من قبل المختصين للدلالة على الشركات التي تعمل في اكثر من دولة وهي في الغالب الأعم شركات أميركية من خلال شركات إقليمية تابعة لها والتي تستعين بها الدول النامية عادة لتطوير صناعاتها المحلية، أما الاتفاقية الثانية فقد ابتغت من خلالها الولايات المتحدة الأميركية تحقيق الاستغلال الأمثل لما يعرف بالتكنولوجيا المتقدمة التي تمتلكها الشركات الأميركية عن طريق إسباغ الحماية القانونية لحق الملكية ومن ثم منع الحق في الاستفادة منها من قبل الشركات الأخرى دون إجازة الشركة المالكة. وأخيراً فقد أجبرت الولايات المتحدة منظمة التجارة على تبني آلية للتنفيذ وحل المنازعات تتسم بدرجة عالية من الإلزام وذلك بعد يأسها من الآلية الضعيفة للجات 47 والتي لم تمكن الولايات المتحدة من تنفيذ الأحكام الصادرة لمصلحيها بشكل مرض. إذًا وبعد سرد هذه الحقائق التاريخية يتبين لنا أن تغير مصالح الشركات الأميركية الكبرى وتبني الحكومة الأميركية لهذه المصالح هو السبب الرئيسي والحقيقي وراء تغير نظام التجارة الدولية من خلال إقامة منظمة دولية تتمتع بسلطة حقيقية وليس ضرورة اقتصادية كما تردد الولايات المتحدة وهو ما أعتبره من اكبر أكاذيب العصر وسبب قبول وتصديق هذه الكذبة من قبل العديد من الدول هو المبدأ الأول الذي تقوم عليه الحرب الدعائية وهو أن ترديد أية كذبة بصوره مستمرة يحولها إلى حقيقة مقبولة.