نعرف أن الأثقال توزن بالكيلو جرامات والجرامات، وأن المسافات تقاس بالكيلو مترات والأمتار، أما العملات فيوجد لها أكثر من ميزان منذ أن انتهى العمل بعصر، الذهب في القرن التاسع عشر وبعد قيام الحربين العالميتين الأولى والثانية وانتشار الفوضى النقدية في العالم خلالها. فعندما انعقد مؤتمر «بريتون وودز» عام 1944 تحت إشراف الأمم المتحدة انبثق عنه إنشاء منظمتين عالميتين: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، وكانت الفكرة الأساسية لإنشاء الصندوق هو العمل على ثبات أسعار الصرف مع إحتفاظ كل دولة بحق تعديلها وفقا لمقتضيات الظروف والإتفاق مع الصندوق. وقد فرض الصندوق على كل عضو من أعضائه أن يحدد سعر تعادل لعملته على أساس الذهب كمقياس عام أو على أساس الدولار الأميركي بوزنه وعياره في أول يوليو 1944 35 دولارا للأوقية من الذهب الخالص، وكانت الفكرة من مطالبة الصندوق لأعضائه في ذلك الوقت باعتبار الدولار الأميركي مثبتا مشتركا لكافة دول العالم، هو أن الولايات المتحدة الأميركية كانت تصنف أقوى اقتصاد في العالم، وأن الدولار الأميركي هو العملة الثابتة التي لا تتذبذب مثله كالذهب تماما. وبعد إنتهاء عصر الذهب، فإن الدولار الأميركي أصبح المقياس الوحيد الذي تقاس به كافة عملات العالم، ومن أولها الجنيه الاسترليني بعد أن وافق الكونجرس الأميركي على الإتفاقية المالية مع بريطانيا ومنحها قرضا قدره 740 مليون دولار أميركي لاعانتها على إزالة قيود الرقابة على النقد واعتبار الجنيه الاسترليني قابلا للتحول إلى الدولار الأميركي، وتوالت بعد ذلك إعلانات الدول الأخرى لقابلية عملتها للتحول إلى الدولار الأميركي وتحديد سعر ثابت به، بعد أن استعادت حالتها الاقتصادية الطبيعية وحققت التوازن النسبي في ميزان المدفوعات وفقا لإتفاقية الصندوق. ولكن ليس دائما تأتي الرياح بما تشتهى السفن، ففي مايو عام 1971 حدثت الأزمة النقدية وأعلنت أغلب الدول الأوروبية الخروج عن قاعدة قابلية عملاتها للتحول إلى الدولار الأميركي، وفرضت قيودا نقدية على تعاملاتها مع الولايات المتحدة الأميركية بعد أن تحقق لها أرصدة نقدية ضخمة طرف هذه الدولة، ولم تستطع الحصول عليها حينئذ، وبادرت كل من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا بالإمتناع عن قبول الدولار الأميركي في كل متحصلاتها النقدية الأمر الذي أدى إلى إرتباك كبير في المعاملات النقدية مع الولايات المتحدة الأميركية وسبب ضربة قوية للدولار الأميركي إنتهت بالإعلان عن تخفيض الدولار الأميركي بنسبة 7.9% في 19 ديسمبر 1971 وهو ما يعني رفع قيمة الذهب بنسبة 8.57% (إرتفعت الأوقية من الذهب الصافي من 35 دولارا إلى 38 دولارا). ولم يقتصر الأمر على تخفيض قيمة الدولار الأميركي وإنما إمتد إلى خروج معظم دول العالم عن قاعدة الثبات مع الدولار الأميركي، وخرج كثير منها عن الإرتباط به كمثبت مشترك، ثم قامت بتغييره إلى عمله أخرى قوية كالجنيه الاسترليني أو الفرنك الفرنسي أو بعملات أخرى كوحدة حقوق السحب الخاصة، أو اعتمدت أسساً جديدة رأت أنها أكثر ثباتا لعملاتها كعملات الدول التي تعظم معاملاتها التجارية والنقدية معها، خاصة وأن الإرتباط بعملة دولة يصل التعامل معها أكثر من النصف يساعد على عدم تحقيق خسائر نقدية إذا ما تغيرت أسعار صرف هذه العملة. ومن هنا فإن دول العالم اليوم تأخذ مثبتا مشتركا يتناسب مع معاملاتها الخارجية التجارية والنقدية وتمنع عنها الخسائر النقدية بقدر الإمكان، فكثير من دول العالم على سبيل المثال تأخذ بوحدة حقوق السحب الخاصة كمثبت مشترك وهي التي تتكون من الدولار الأميركي وعملات دول أوروبا الغربية، التي أعلنت حرية التحول، كما يشكل الدولار الأميركي في سلة وحدة حقوق السحب الخاصة حوالي الثلث، فإذا انخفض الدولار الأميركي على سبيل المثال بنسبة الربع، وهو ما حدث في الربع الثالث من القرن الماضي فإن الدول التي تأخذ وحدة حقوق السحب الخاصة مثبتا مشتركا لا تتأثر إلا بثلث ربع قيمة التحفيز بالدولار الأميركي. ولزيادة الإيضاح أقول أن دول الخليج العربية تأخذ حاليا بالدولار الأميركي كمثبت مشترك (بعضها تسترشد به وبعضها يثبت السعر) فإذا فرضنا أن الدولار الأميركي يساوي ثلاثة ريالات سعودي وأن الدولار الأميركي انخفض بربع قيمته تدريجيا في أسواق الصرف الخارجية فإن الوحدة السلعية في السعودية التي تباع في إنجلترا بدولار واحد أي تعادل ثلاثة ريالات، تؤدي إلى خسارة نقدية للمملكة العربية السعودية قدرها ربع المبلغ الذي يتم تحويله إلى السعودية والذي يمثل دولارا أميركيا واحدا لأن التاجر الإنجليزي يدفع جنيهات إسترلينية أقل بنسبة الإنخفاض في الدولار الأميركي ويصل التحويل لنفس المبلغ بالريالات السعودية ويكون الكاسب هو التاجر الإنجليزي. أما إذا كانت المملكة العربية السعودية تأخذ بوحدة حقوق السحب الخاصة كمثبت مشترك، فإن إنجلترا تقوم بتحويل مبالغ أكثر بثلثين من الربع الذي يمثل تحفيز الدولار الأميركي، أي يقوم بتحويل 1.16 دولار أميركي، ويفرض أن حجم صادرات المملكة العربية السعودية سنويا إلى إنجلترا من الدولارات الأميركية يصل إلى خمسة مليارات دولار أميركي فتكون الخسارة الإجمالية السنوية حوالي 80 مليون دولار أميركي بدلا من 250 مليون دولار أميركي (الخسارة في حالة اعتماد الدولار الأميركي مثبتا مشتركا)، وهو ما يوضح الفرق الكبير في الخسارة النقدية بين الأخذ بالدولار الأميركي مثبتا مشتركا وبسعر محدد للريال السعودي وبين الأخذ بوحدة حقوق السحب الخاصة مثبتا مشتركا له. وهناك إتجاهات دولية جديدة ظهرت في أبحاث المثبت المشارك للعملات، بعد أن سقطت قاعدة الذهب وقاعدة الصرف بالذهب وقاعدة الدولار الاميركي، ومن أهم هذه الإتجاهات هو الأخذ بسلة جديدة للعملات تحتوي على ثلاث عملات رئيسية وبواقع الثلث لكل منها، وهي الدولار الأميركي واليورو الأوروبي والين الياباني خاصة وأن دول هذه العملات اصبحت مؤهله للفوز بأكبر اقتصاد عالمي في المستقبل. وهناك أيضا مؤشرات توضح هذه التغييرات من بينها أن اليابان تحاول تكوين تكتل اقتصادي آسيوي يقف أمام الإتحاد الأوروبي ومنطقة التجارة الحرة لأميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك) ومن الممكن أن تسبق اليابان بتكتلها الجديد كل دول ومناطق العالم اقتصاديا إذا أخذنا في الاعتبار أنها تعمل على ضم دول جنوب شرق آسيا لهذا التكتل الجديد كما أن هناك مفاوضات تجارية تدور حاليا مع الصين في هذا الموضوع وإذا أخذنا في الاعتبار أيضا أن أداء العامل الياباني هو أعظم وأكبر أداء علمي في العالم، وأن العامل الياباني يعتبر الأجازة الأسبوعية والسنوية التي يسعى إليها جميع العمال في كافة دول العالم بمثابة أيام تكدر وشقاء، وأما أيام العمل فهي المحببة لنفسه، وهو ما يخالف فكر وشعور جميع العاملين في كل الدول. ويهمني أن أوضح في النهاية أن اختيار مثبت مشترك مناسب للعملة الخليجية الموحدة والتي سيبدأ التعامل بها خلال سنوات قريبة إن شاء الله وستكون دعما قويا للوحدة الاقتصادية الخليجية، يمكن أن يؤدي إلى الخسائر التالية: - خسائر نقدية (سبق الإشارة إليها أعلى المقال) كما يمكن إعادة حسابها عن طريق لجنة محافظي مؤسسات النقد التي أوصى المجلس الأعلى للدول الخليجية بتشكيلها لاستكمال تطبيق وتنفيذ قرار اعتماد الدولار الأميركي كمثبت مشترك للعملات الخليجية في موعد أقصاه نهاية العام الجاري. - خسائر تجارية نتيجة إنخفاض أو إرتفاع أسعار السلع الخليجية المصدرة للخارج كلما تغير سعر صرف المثبت المشترك، حيث تتحرك هذه الأسعار في الأسواق الخارجية نتيجة تغيير هذا السعر وبعيدا عن إتجاهات الأسعار المحلية التي قد تبقى ثابتة بينما يتحرك السعر في الخارج مما يؤدي إلى زيادة أو إنخفاض في قيمة الصادرات السلعية حسب سعر الصرف. - كما أن تغير سعر صرف المثبت المشترك في الأسواق الخارجية يؤثر أيضا على حركة الواردات، فكلما إرتفع السعر انخفضت الواردات إذا لم تكن ضرورية، أما إذا كانت ضرورية كسلع وسيطة أو رأسمالية، فإن استيراد نفس الكمية سيؤدي إلى تحمل المستوردين السعوديين لنفقات أكبر لاستيراد نفس الكميات، مما يشكل أعباء إضافية على ميزان المدفوعات كزيادة في العجز أو إنخفاض في الفائض ان وجد، كما يؤدي أيضا إلى استنزاف أكبر من احتياطيات الدولة النقدية. - أقول أن الظروف التي تجتازها الأمة العربية حاليا تحتاج إلى الاستفادة بكل مبلغ نقدي يكون من حقها دون النظر إلى أية اعتبارات أخرى، لأن العالم اليوم يتسابق اقتصاديا ومن يتفوق ستكون السيطرة السياسية له، كما أن السباق العسكري الحالي الذي يؤدي إلى ضحايا بالآلاف وقد تصل إلى الملايين، هذا السباق يركز أولا وأخيرا أيضا على عوامل اقتصادية والحصول على المزيد من الثروة الاقتصادية التي أصبحت محددة عالميا، وأقرب مثل لذلك هو ما تقوم به إسرائيل ضد الفلسطينيين علنا وضد كافة الشعوب العربية في الخفاء. - ان الدراسات النقدية المتعمقة في موضوع المثبتات المشتركة وعلى أن يقوم بها فنيون وخبراء عرب منتمون إلى أمتهم العربية، ويتصفون بالكفاءة والأمانة الفنية والإنتماء القومي، ولا ضرر من الاستعانة بالخبراء الأجانب الدوليين أو الاسترشاد بآرائهم، لأن مثل هذا الموضوع النقدي الصرف، إذا لم يكن محسوبا بدقة، فإنه يمكن أن يؤدي إلى خسائر نقدية ضخمة قد لا تظهر فورا أمام المجلس أو أية دولة عضو فيه ولكنها تتحقق وبشكل كبير بمرور السنوات