خلال العقود الثلاثة الماضية.. نما قطاع التمويل الاسلامي من مجرد قطاع ذات تخصص دقيق الى صناعة متكاملة تعمل بشكل وثيق مع القطاع المصرفي التقليدي وبموجودات، تقدر بأكثر من 230 مليار دولار. وتشير التوقعات الى معدلات نمو كبيرة للقطاع خلال العقود المقبلة، حيث تتوفر عمليات التمويل الاسلامي في اكثر من 75 دولة تقدم مختلف الخدمات والمنتجات التي تناسب احتياجات الجالية الاسلامية. وتقدم البنوك الاسلامية حالياً مجموعة واسعة من الخدمات الممتدة من منتجات التمويل الشخصية والمتطابقة مع مبادئ الشريعة الاسلامية الى عمليات تمويل مشاريع البنية التحتية كبيرة الحجم ومعقدة التركيب. فباستطاعة المسلمين ولغير المسلمين حاليا من اقتناء بطاقات ائتمان اسلامية، وبإمكانهم التأمين على انفسهم وعلى ممتلكاتهم إسلامياً.. كما بوسعهم الاستثمار عبر الانترنت من خلال صناديق محللة اسلاميا والحصول على تمويل لعقاراتهم تتوافق مع متطلبات الشريعة. واصبحت المصارف الاسلامية مهيأة بشكل افضل من أي وقت مضى للمساهمة ليس في عمليات تمويل الشركات الكبرى فحسب وانما لعمليات التمويل الاكثر تعقيداً كترتيب الاسنادات والقروض المشتركة. ومن ابرز عمليات التمويل في الفترة الاخيرة، هي عملية تمويل محطة (هيد) في البحرين، حيث بلغ حجم المشروع الكلي 255 مليون دولار والذي مول من قبل مؤسسات المال العالمية مثل بي ان بي باريبا ـ اتش اس بي سي امانه ـ بنك البحرين و بنك متسوبيشي اليباني. فقد تضمنت المساهمات التمويلية الاسلامية في هذا المشروع ما قيمته 55 مليون دولار من خلال مشاركة بنك التنمية الاسلامي وبيت التمويل الكويتي والذي سبق وان قام بعملية ادارة تمويل مشروع البتروكيماويات (اكويات) في الكويت في عام 1995 والذي بلغ حجمه 1.2 مليار دولار وتضمنت 200 مليون دولار منه حصة التمويل الاسلامي. وأدركت المؤسسات الاسلامية والتقليدية على السواء ضرورة العمل المشترك ليس على مستوى تمويل المشروعات فحسب وانما لخلق وتقديم منتجات وخدمات جديدة. ففي عام 1999 قامت المؤسسة الكويتية (المستثمر الدولي) وبالتعاون مع الداو جونز لإنشاء مؤشر الداو جونز الاسلامي.. وفي نفس العام اطلق (المستثمر الدولي)مؤشر الفوتسي العالمي وبالتعاون مع فوتسي انترناشيونال. أما في الولايات المتحدة، فقد عمل بيت التمويل الاسلامي (لاريبا) بشكل وثيق مع شركة «يونايتد رسيدنشيل جارنتي انشورينس» لتقديم خدمات في قطاع التأمين. وقام اتش.اس.بي.اس بإطلاق اول منتج اسلامي للتمويل العقاري في الولايات المتحدة، وكذلك (فريدي ماك) و(فاتي ماي) قاما بتوفير التسنيد الاسلامي لعقود التمويل العقارية. والأحدث في هذا المجال، هو قيام بنك الاستثمار الاسلامي الاول (البحرين) بإنشاء مشروع مشترك مع المؤسسة الاميركية (صن رايز اسيستد ليفنج)لتملك فوائد الايجارات للمدى البعيد للعقارات السكنية. العمل المشترك يعتمد المستثمرون الاسلاميون والمهتمون في القطاع على قاعدة تشريعات مفصلة معدة لهذا القطاع.. وتعمل البحرين وماليزيا بشكل وثيق لإنشاء السوق المالي العالمي الاسلامي وانشاء مؤسسة الخدمات المالية الاسلامية.. وقامت سلطة نقد البحرين مؤخراً بوضع اطر معلوماتية وتشريعية خاصة للبنوك الاسلامية. والتي تواكب المعايير المعمول بها حالياً لدى منظمة المحاسبة والتدقيق للمؤسسات المالية والاسلامية من اجل وضع اطار تشريعي وقانوني متكامل. وتعمل حالياً بعض البنوك المركزية في دول ماليزيا، السودان، الأردن، البحرين، اندونيسيا، الكويت، ايران وسوريا مع صندوق النقد الدولي لإنشاء مجلس الخدمات المالية الاسلامية. ومن اجل الحفاظ على المنجزات التي حققها القطاع المالي الاسلامي، فكان لابد من قيام المحافظ المركزية بتقوية التشريعات والقوانين لهذا القطاع وأخذ الاجراءات والاحتياطات اللازمة لإسناد القطاع في حالة حدوث أي ازمة فيه، خاصة مع تزايد الخدمات المالية الاسلامية المقدمة للافراد والمؤسسات. فقد طرحت مؤسسة نقد البحرين سنداتها الحكومية المتوافقة مع الشريعة الاسلامية على شكل اوراق صكوك السلام المالية التي مدتها ثلاثة اشهر في محاولة لمواجهة متطلبات سيولة البنوك الاسلامية قصيرة الامد، وهي خطوة مماثلة لما فعله بنك نيغارا (البنك المركزي الاسلامي الماليزي) من قبل. وفي السعودية، يستعد البنك الاسلامي للتنمية لطرح سندات مماثلة قيمتها 500 مليون دولار لفترة متوسطة الاجل، وقام بتعيين المؤسسة المالية العالمية (سيتي جروب) لتسعير عملية الاصدار. كما قامت البنوك الاسلامية نفسها بالتحرك لمواجهة مخاطر السيولة المحتملة.. فقد وقع بنك دبي الاسلامي مؤخراً اتفاقية مع بنك البحرين الاسلامي وبيت التمويل الكويتي لتأسيس مركز ادارة السيولة بالبحرين برأسمال مدفوع يبلغ 15 مليون دولار. وهو امر يمكن تفسيره باهتمام اعمدة المصارف المالية الاسلامية بالحفاظ وتقوية القطاع لعدم السماح لأية حادثة محتملة من زعزعة ثقة العملاء بالقطاع المالي الاسلامي. ولم يتوقف نمو القطاع المالي الاسلامي ضمن حدود المنطقة العربية فحسب، وانما امتدت العمليات الى مناطق عالمية اخرى ومنها منطقة اوروبا الشرقية والذي تجسد بإعلان البنك الاسلامي للتنمية وبالتعاون مع بنكي ابوظبي الاسلامي ودبي الاسلامي بالاتفاق المبدئي على قيامهم بتملك حصة في بنك البوسنة الدولي تقدر قيمتها بنحو 22 مليون دولار. وفي القارة الآسيوية، فقد قررت تايلند بالمشاركة في هذه الصناعة بتأسيس قسم عمليات التمويل الاسلامي في بنك كرانغ التايلندي على الرغم من ان انشاء قوانين جديدة لفتح بنوك اسلامية كاملة جديدة ما زال قيد الدراسة. كما دخل القطاع المصرفي الاسلامي مرحلة جديدة مع دخول صندوق (انجازات) في عمليات شراء الحصص الخاصة لشركات التكنولوجيا في المنطقة ومتفقاً مع مبادئ الشريعة الاسلامية، وهو صندوق مشترك بين بنك التنمية الاسلامية في جدة وبين بيت التمويل الخليجي في البحرين، وكذلك نجد مفهوم المشاركة مع المشروعات الناشئة الجديدة في الأردن من خلال البنك الاسلامي الأردني. واظهر قطاع التمويل الاسلامي مرونة وقدرة في التعامل مع متغيرات السوق بعد احداث 11 سبتمبر ومن امثلتها قيام بيت التمويل الكويتي بإطلاق شركة تأجير طائرات مع موزان ليمتد بارتنر بقيمة 800 مليون دولار لسد احتياجات شركات النقل الجوي رغم التغيرات الجارية التي عصفت بهذا القطاع بعد اعتداءات 11 سبتمبر. كما قد نجد ان العمل المشترك لن ينحصر على مستوى التمويل فقط فالصناعات المتعلقة وبالأخص الاستشارات القانونية بدأت تعمل لعملية دمج النظام القانوني العلماني مع نظام الشريعة الاسلامية. شركات الاستشارة القانونية مثل (كينج اند سبلاودنج) في الولايات المتحدة و(ستيفنس هارود) في المملكة المتحدة تقدم الاستشارات القانونية في مجال الاستثمار العقاري الإسلامي، شراء الشركات، تمويل الايجارات بعيدة المدى وغيرها من النشاطات. ملاقاة التحديات بالرغم من كل هذه المنجزات، الا ان مستقبل نمو وتطوير قطاع التمويل الاسلامي يواجه سلسلة من التحديات على مستوى الشركات وعلى مستوى القطاع، فبالرغم من الارقام الجذابة بالنسبة لقطاع متخصص متمثلة بمعدلات النمو الكبيرة وموجودات تتجاوز 230 مليار دولار، الا ان القطاع يظل صغيرا قياسا الى القطاع المصرفي التقليدي. واذا لم يتم الارتقاء بالمنتجات والخدمات المتوفرة على الصعيد الداخلي في المصارف الاسلامية، فان الحصة ستنتقل الى الاذرع الاسلامية للمؤسسات المالية العالمية ومنها سيتي بنك التي تعتبر رائدة في هذا المجال منذ عملياتها في تمويل مشاريع الطاقة وفق الشريعة الاسلامية والتي ترجع الى عام 1983 كما ان معظم البنوك الاستثمارية العالمية قد ساهمت بعمليات تمويل اسلامية في مرحلة ما حتى لو بقبولها الودائع. المنتقدين لهذا القطاع يقولون انه لا يزال قطاعاً غير ناضج وهش ومجزأ وهذا ما يؤدي في النهاية الى تقديم خدمات ومنتجات لاترقى الى المستوى الذي يتوقعه العملاء، بعض المؤسسات كانت سباقة لادراكها لاهمية الاندماج لتكوين لاعب دولي مهم ومنها محاولة اندماج دلة البركة والمستثمر الدولي التي انتهت فيما بعد، الا ان الكثير من الممولين الاسلاميين لديهم اهداف مشتركة تتضمن تحسين عوائد الاداء، تقليل الكلفة ورفع كفاءة السوق وتبني المهارات المملكة والتي تشكل امور مهمة لنمو القطاع في المستقبل. قسم اخر يركز على اهمية تطوير القدرات الداخلية، شمولية المنتج والتركيز الاستراتيجي على الرقع الجغرافية. ورغم الجهود المبذولة لمعالجة ادارة مخاطر السيولة، فإن عدم نضوج الاسواق الثانوية للاوراق المالية الاسلامية سيستمر في تشكيل عائق لنمو القطاع. في الوقت الحالي فإن الممولين الاسلاميين اجبروا على التحول للنظر لشئون خدمة العملاء وخدمة المؤسسات خاصة بعد احداث 11 سبتمبر والتي ضربت السوق ولاعبي القطاع على السواء، ويجد بعض محللي المؤسسات المالية الغربية من تخوفهم لاي شيء تحت مسمى «اسلامي» والذي سيؤدي الى ترددهم بالدخول والتوسع في العمليات الاسلامية حيث من الممكن ان يجدوا ان تدفقات الاعمال غير مضمونة، مع زيادة الضغوط التشريعية ومخاطر السمعة، ومن جهة اخرى، فإن المصرفيين الاسلاميين متخوفون من اهتمام المؤسسات الغربية بالقطاع الاسلامي على انه دور رقابي على تحركات اموال القطاع اكثر مما هو اهتمام تجاري فعلي. جزء من هذا التدهور تم استيعابه ليس من خلال اعادة المسلمين لبعض اموالهم الى الاسواق المحلية بعد تداعيات احداث 11 سبتمبر فحسب وانما لان نوع القطاع يتلاءم مع البيئة، حيث ان المؤسسات الاسلامية تدير منتجات اسلامية لعملاء مسلمين في دول اسلامية يكون فيها المستثمر اقل حساسية لتدقيق ونقد المؤسسات الغربية للمؤسسات الاسلامية ويكون ولاء العميل فيها قويا. ولكن حتى بدون احداث 11 سبتمبر، فإن جميع المؤسسات المالية باتت معرضة للضغوط لتبني معايير شفافية اكثر وضوحا، ليس لتفادي قصة انهيار شركة «انرون» فحسب وانما لتطبيق نهج عالمي لادارة المخاطر بشكل اكثر فاعلية من خلال شفافية اكبر. اما المستثمرون المسلمون والذين طغت استثماراتهم بشركات تقنية المعلومات لتلاءمها مع متطلبات الشريعة الاسلامية، وجدوا استثماراتهم تنخفض بحدة نتيجة انخفاض في قيم الاسهم عالميا، حيث هبط مؤشر الداو جونز الاسلامي بمقدار33% في غضون ستين مقارنة بمؤشر مورغان ستانلي العالمي والذي انخفض 29.1% لنفس الفترة فالمؤسسات الاسلامية التي تتفهم هذه التطورات هي التي ستكون الاكثر نجاحا في المستقبل. ما هو مؤكد ان التمويل الاسلامي لا يمكن اعتباره كلاعب ثانوي خاصة مع تزايد الاهتمام به كقطاع مكمل لعمليات التمويل التقليدية وعنصر مهم لتطوير العالم الاسلامي. التحدي الكبير الذي يواجه مستقبل القطاع وحسب ما يقوله متخصصو السوق هو القدرات الذاتية لمؤسسات التمويل الاسلامية لقيادة وادارة التغيرات في قطاع حيوي مع التمسك بمباديء الشريعة الاسلامية والاستمرار بتقديم خدمات عالية المستوى للزبائن. مديرة المحتويات شركة زاوية. كوم