إن الروابط الاقتصادية وعلاقات التبادل التجاري بوجه خاص بين دول مجلس التعاون الخليجي والجماعة الاقتصادية الأوروبية تكاد تعتبر واضحة المعالم، وأن عملية تعزيزها تعتبر رغبة من الجانبين بما يحقق المصالح المتبادلة لهما. وان دول المجلس بفضل الموقع الجغرافي المتميز لها الذي يربط الشرق والغرب اضافة إلى امتلاكها لاحتياطي نفطي يشكل 46% من الاحتياطي النفطي العالمي كذلك تملكها لـ 15% من الاحتياطي العالمي للغاز واللذان يعتبران الطاقة الرئيسية لاستمرار دوران العجلة الصناعية في العالم المتقدم ولا سيما الدول الأوروبية اضافة إلى انتهاج المنطقة لسياسة الاقتصاد الحر واستقرار الأنظمة فيها مما جعل من دول العالم المختلفة والجماعة الأوروبية بوجه خاص أن تنظر إلى هذه الدول بمنظار المستقبل وبالتالي توجه علاقاتها معها إلى ما يرسخها أكثر. وفي المقابل فان دول المجلس وبحكم السياسات المتوازنة والمعتدلة التي تنتهجها تحرص على أن تكون علاقاتها مع دول العالم بوجه عام والمجموعة الأوروبية بوجه خاص علاقات مبنية على مبادئ الاحترام والمصالح المشتركة فهي بحاجة إلى الخبرة والتكنولوجيا المتطورة حيث تشهد مرافقها الاقتصادية وقطاعاتها المختلفة نهضة سريعة وتطورا متواصلا اضافة إلى ان السلع الصناعية المنتجة في هذه الدول تكاد تكون في كثير من الأحيان أقرب إلى رغبات واحتياجات المستهلكين في الدول الخليجية. كل تلك العوامل كانت قديما وحاليا مشجعة لتوطيد العلاقات بينهما والواقع انه لا يكفي أن تكون هذه الحقائق واضحة بل الأهم من ذلك أن تكون قاعدة لكل المباحثات والاجراءات التي يمكن أن تتخذ مستقبلا من قبل الجانبين، ولا نجانب الحقيقة إذا قلنا بأنه وفي كافة المقاييس فان الوضع المستقبلي للمجموعة الأوروبية لن يكون أسهل من الوضع الحالي لها من حيث الاجراءات والتشريعات التي ستلتزم بها دولها، وان التسهيلات التي ستمنح فيما بينها لابد وأن تواجه بها الدول خارج المجموعة كما انه من حق الدول داخل المجموعة أن تستفيد من عملية الانتقال الحر للسلع والخدمات والعمالة ورؤوس الأموال فيما بينها ولا تقبل المنافسة من خارج المجموعة إلا في حدود معينة تضعها ضمن نظام معين واحد يطبق على منافذ دول الجماعة دون استثناء. وإذا كانت دول المجلس حاليا تواجه صعوبات في تصدير المنتجات البتروكيماوية مثلا إلى دول المجموعة الأوروبية. على الرغم من ان المنتجات الأوروبية تدخل الأسواق الخليجية دون قيود، فلنا أن نتصور كيف ستكون الحالة في ظل تطبيق منح الأفضلية لانتقال السلع المنتجة لدول الجماعة الأوروبية بالدرجة الأولى ثم تليها الدول خارج المجموعة ومنها الدول الخليجية. بداية التعاون بين الجانبين ولعل المتتبع للأحداث يجد ان دول المجلس قد خطت خطوات في طريق الاتجاه الصحيح للتعامل مع المجموعة الأوروبية حيث عقدت سابقا اتفاقية التعاون بينها وبين الجماعة الاقتصادية الأوروبية، وعلى الرغم من ان بنود الاتفاقية آنذاك تشير إلى رغبة الطرفين في توطيد أواصر التعاون بين الجانبين إلا انها لم تدخل في تفصيلات اضافية أو محددة مع ذلك فإن وجود نص في الاتفاقية على انشاء مجلس مشترك يضم في عضويته أعضاء من جانب دول المجلس وآخرين من جانب الجماعة الأوروبية يكون له سلطة اتخاذ القرارات وتكون رئاسته بالتناوب بين دول المجلس والجماعة ويكون عمل المجلس بشكل عام في اطار الاتفاقية المشار إليها يعتبر جيدا. ويلاحظ أيضا ان الاتفاقية مثلا أشارت في المادة (5) إلى (دعم جهود دول مجلس التعاون لتنمية انتاجها الصناعي وتنويع وتوسيع قاعدتها الاقتصادية آخذين في الاعتبار المصالح المشتركة للطرفين المتعاقدين)، وان عبارة المصالح المشتركة للطرفين المتعاقدين على الرغم من انها تعتبر عبارة مستساغة إلا انها تخضع لتفسير المصلحة التي يراها الطرف الآخر في ضوء اجراءاته التي ستقررها بعيدا عن الاتفاقية وبالتالي فقد لا تتوافق مصلحته مع مصلحة الطرف المقابل في نقطة معينة تعتبر أساسية للطرف الآخر. وكذلك أشارت المادة (11) من الاتفاقية المذكورة إلى (تهدف هذه الاتفاقية إلى تشجيع وتطوير وتنويع المبادلات التجارية بين الطرفين المتعاقدين إلى أكبر مستوى ممكن، وذلك بدراسة طرق ووسائل التغلب على الحواجز في وجه نفاذ منتجات كل طرف متعاقد إلى أسواق الطرف المتعاقد الآخر). ان هذا البند نعتقد انه يمثل نقطة أساسية لابد من أن تركز عليها دول مجلس التعاون لان الحواجز التجارية التي أشير إليها في البند المذكور تكاد تكون موضوعة من قبل دول المجموعة الأوروبية فقط وانه عمليا لا توجد حواجز تجارية فعلية في دول المجلس أمام السلع والبضائع الواردة من هذه الدول. كما ان دول المجلس بحكم تشريعاتها الاقتصادية تعامل دول المجموعة الأوروبية أصلا بأكثر مما لو نصت عليه أية اتفاقية من تسهيلات لان ليس هناك قيود اجرائية أو حواجز تجارية أو (كوتا) حصة معينة تفرضها دول المجلس على الوارد من السلع من أي طرف كان بما في ذلك دول المجموعة ذاتها، إلا ان ما هو غير مضمون هو الاجراءات الحمائية التي تفرضها دول المجموعة الأوروبية على الحركة التجارية مع الدول خارج المجموعة بما فيها دول المجلس، وان كانت تحظى حاليا بمعاملة الدول الأولى بالرعاية ويعني ذلك في عرف الجماعة الأوروبية وغيرها ان تلك الدول تخضع لاجراءات ولكنها أقل حدة من تلك التي لا تتمتع بتلك المعاملة. وعليه فانه وضمن حسابات المصالح فان دول المجموعة الأوروبية ليس لديها ما يستحق أن تفاوض وتقدم التنازلات من أجله لانها تتمتع بكافة التسهيلات ضمن التشريعات الاقتصادية السائدة في دول المجلس، على عكس دول المجلس التي عليها أن تتفاوض وتتحمل عبء الاجراءات والحواجز التجارية التي تفرضها المجموعة الأوروبية وتحاول التخفيف من حدتها عن طريق المحادثات. بعض أركان القوة التفاوضية الخليجية لابد أن نضع الاطار للأسس التي لابد من الاستناد عليها إذا ما أردنا أن نرسم مستقبلا واضحا تحدده المصالح المشتركة وليست مصلحة طرف على حساب الطرف الآخر. عليه فاننا نرى وضع الحقائق التالية عند وضع السياسة المستقبلية تتعامل مع الجماعة الاقتصادية الأوروبية بعين الاعتبار: علاقات دولية واسعة: ان دول المجلس دول نامية وبالتالي فهي أمام عملية تطوير واسعة تشمل كافة القطاعات الاقتصادية والمرافق الخدمية، فهي بحاجة إلى خبرات العالم الصناعي والتكنولوجيا الحديثة اضافة الى الخدمات الاستشارية والدورات التدريبية في مختلف الاختصاصات. وهي بنفس الوقت تتمتع بعلاقات واسعة ومتميزة مع معظم دول العالم ولا سيما المتقدم منها وهذه تسعى إلى قيام علاقات اقتصادية مع دول المجلس ومستعدة لتلبية كافة احتياجاتها وان ذلك كله يشكل دعما وسندا لها يجعلها تتمتع بقوة تفاوضية كبيرة ترعى فيها مصالحها بالشكل الذي ينبغي أن يكون عليه وان الخبرات التقنية متوفرة في دول داخل الجماعة الأوروبية وخارجها، وبالتالي فان دول المجلس تستطيع أن تطلب ذلك من أية جهة تشعر دول المجلس انها تحقق طموحاتها ومصالحها. وهذه حقيقة لابد وان يؤكد عليها اذا ما تعرضت دول المجلس الى اجراءات وقيود تقف أمام مصالحها. شريك تجاري كبير: ان سوق دول المجلس كانت قديما وحاليا رائجة للمنتجات الأوروبية، وتشكل حالة لا يمكن للمجموعة الأوروبية أن تفرط بها. ويعني ذلك انها من أهم الأوراق الدولية التي تحقق لدول المجموعة الأوروبية انسيابا جيدا لتصريف سلعها المختلفة. وهذا يعني أيضا ان دول المجلس تستطيع من خلال الحقائق أن تفرض ما يحقق الأفضلية لدخول منتجاتها إلى أسواق المجموعة الأوروبية بالأسلوب الذي يحقق مصالحها وان يكون التأكيد عند التفاوض بأن دول المجلس التي شرعت قوانينها الاقتصادية بشكل استفادت منه المجموعة الأوروبية الوجه الذي ذكرناه تستطيع أن تشرع ما يحمي مصالحها وان تفرض الاجراءات الكفيلة بتغيير مصادر السلع الواردة والاتجاه الى دول أخرى تستطيع أن تورد سلعا مماثلة وبنفس المواصفات. وذلك اذا ما تعرضت مصالحها للضرر. وعليه فان الاتفاقية التي توصلت اليها دول المجلس مع الجماعة الأوروبية تعتبر كما ذكرنا رغبة من الجانبين في الحفاظ على التعاون وتعزيز العلاقات الاقتصادية بينهما وهي وان شملت مجالات الاستثمار والصناعة والتجارة والبيئة والطالة ... إلخ إلا انها لا تنص على التزامات محددة بل وضعت في اطار العمل على التنسيق والتعاون فقط. وعليه فان الأفضل في الاجتماعات المقبلة أن تطرح مواضيع محددة وتتفق على نصوص ملزمة تحقق مصالحها. مصدر رئيسي للطاقة: ان دول المجلس تستحوذ على 46% من احتياطي النفط العالمي، كما ان الاحتياطي المقدر للغاز الموجود في دول المجلس يبلغ 15% من مجموع الاحتياطي العالمي ويعتبر ذلك رصيدا مضمونا للمجموعة الأوروبية التي تتمتع بعلاقات جيدة مع دول المجلس وهي دون شك تحرص على توطيدها لان ذلك يمثل الشريان الذي يغذي صناعتها ويضفي عليه الاستمرارية والبقاء، لذلك فان ما تملكه دول المجلس من موارد الطاقة الرئيسية يعتبر دعما وتعزيزا للقوة التفاوضية التي تتمتع به. استثمارات وموجودات أجنبية ضخمة: ان الاستثمارات والموجودات الأجنبية لدول المجلس الموجودة في دول المجموعة الأوروبية ساهمت كثيرا في توسيع أنشطة الشركات والمؤسسات، كما ان حجم الاستثمارات الخليجية يكاد يتركز في دول المجموعة الأوروبية أكثر من أية منطقة أخرى في العالم وان هناك عددا كبيرا من الشركات الأوروبية العاملة في دول مجلس التعاون الخليجي تمارس مختلف الأنشطة من مقاولات وتوريدات وأعمال مصرفية وخدمات طبية ومختبرات وحسابات قانونية، ففي دولة الامارات العربية المتحدة مثلا تشكل الشركات الأوروبية 50% تقريبا من الشركات الأجنبية العاملة فيها والبالغة 1300 شركة تقريبا، لذا فان هناك مصالح متشابكة وقوية تستوجب المحافظة عليها. ـ خبير اقتصادي