حينما نتناول اقتصاديات الامارات بالنقد والتحليل والمعالجة سواء على صعيد التوزيع القطاعي الانتاجي أو على صعيد التوزيع الجغرافي، أو على صعيد المجملات الاقتصادية، انما نسعى من خلال ذلك الوصول إلى الصيغة المناسبة، لعلاج الاختلالات وأوجه الضعف الذي يعاني منه هذا القطاع أو ذاك، ونحدد ماهية المعوقات التي تواجه مساهمته في الاقتصاد لنعمل على معالجتها وصولا نحو تحقيق تنمية اقتصادية جيدة، وحضور اماراتي متميز في الساحة الاقتصادية الدولية. وحينما نفعل هذا فاننا على يقين بأن اصحاب القرار الاقتصادي والمعنيين بالشأن الاقتصادي في الامارات حريصون على الوقوف على ما نطرحه وتبني الافكار التي يمكن تنفيذها في هذه المرحلة فنحن جميعا في خندق واحد ونعيش في وطن واحد ويهمنا ان يكون وطننا حاضرا دوما في الساحة الاقتصادية الاقليمية والدولية. ومن هنا فان رأس الخيمة الغنية بثرواتها الطبيعية والبشرية والمالية ايضا يمكنها ان يكون لها حضور قوي في الساحة الاقتصادية المحلية والاقليمية، وان تلعب دورها الفاعل والحقيقي في الاقتصاد الوطني من خلال المساهمة في الناتج المحلي الاجمالي للدولة ولكن هذا مرهون بمدى توفر القناعات والارادة والترجمة الحقيقية لاهداف رؤية استراتيجية التنمية، ولعل قضية الاستثمار في الامارة وهي قضية محورية في تحقيق الرؤية تستحق ان نحدد مقوماتها ونشخص معوقاتها. أولاً: مقومات الاستثمار في الامارة يتميز اقتصاد الامارة بأنه يمتلك مقومات استثمارية جيدة وواعدة يمكنها لو تمت ازالة أو معالجة المعوقات ان تشكل مناخا استثماريا هاما ومشجعا وان تصبح رأس الخيمة احدى مناطق الجذب الاستثماري لرؤوس الاموال الوطنية والخليجية والعربية وحتى الاجنبية، ولكن تحقيق ذلك مشروط كما اشرنا بازالة معوقات الاستثمار غير الطبيعية وشريطة وجود عقلية تنموية ورؤية ذات بعد مستقبلي تتحدد من خلالها اهداف الاستثمار وأولوياته ومناخاته وضوابطه وقنواته والقطاعات ذات الاولوية في الاستثمار، ثم تكلفة الاستثمار، وفيما يلي اهم تلك المقومات: ـ الموقع الجغرافي والطبيعي: لقد حبا الله هذه الامارة بموقع جغرافي فريد فهي تقع على ساحل الخليج العربي بطول يبلغ 64 كم وفي الجزء الشمالي الشرقي من الجزيرة العربية، وتعتبر اقصى جزء من الشرق العربي وتبلغ مساحتها نحو 1684 كيلومترا مربعا، وتتوغل حدود الامارة نحو الداخل لمسافة تزيد عن 128 كيلومترا ويتبعها عدد من الجزر في مياه الخليج، ذات موقع استراتيجي حساس واهمها جزيرة طنب الكبرى وطنب الصغرى، ويتميز هذا الموقع بأنه يأتي قرب مضيق هرمز «بوابة الخليج العربية» ان هذا الموقع الاستراتيجي قد اعطى للامارة اهمية اقتصادية واستراتيجية عبر العصور الماضية، حيث كانت اقدم الاسواق التجارية في الامارات ومن اقدمها خليجيا، وشهدت الامارة رواجا تجاريا كبيرا خلال القرن التاسع عشر حيث انطلقت منها اسفار ابناء الامارات شرقا وغربا بغرض المتاجرة، وكانت هذه الامارة قبل الانتداب البريطاني لها مركزا بحريا مهما إذ يقدر عدد السفن الراسية في مينائها بنحو ستين سفينة يعمل عليها حوالي 20000 بحار ولكن الانجليز قد قضوا على هذا الاسطول. اما الموقع الطبيعي للامارة فقد جسد تقسيمات طبيعية وبيئات طبيعية متميزة ذات اهمية في الاستثمار فهناك سلسلة من الجبال التي تحد الامارة شرقا وتمتد إلى منطقة شعم حيث تلتقي الجبال مع البحر ثم يبدأ الساحل المكسو بالرمال الممتد إلى نحو 40 ميلا نحو امارة أم القيوين، ان سلسلة الجبال بالامارة اصبحت مناجم للصخور والاحجار حيث تكثر الكسارات والمشاريع الصناعية والتي تصدر إلى اسواق دول الخليج، ثم الصناعات الاسمنتية الناجحة التي جعلت من الامارة قاعدة صناعية متميزة وقد كان موقع الجبال المتاخم للبحر قد اعطى الامارة ميزة نسبية عالية في نجاح تلك المشاريع الاستثمارية حيث انخفاض تكلفة النقل من مواقع الانتاج إلى موانيء التصدير بميناء صقر، وهذا القرب يجعل من هذه المنطقة ذات اهمية اقتصادية واستثمارية. اما الساحل على امتداد البحر وبهذا الطول يمكن ان يمثل منتجعات سياحية مهمة لاسيما في اعالي الكثبان الرملية المطلة على البحر، ثم ان هناك فرصا لاقامة مشاريع استثمارية تعتمد على البحر وخاصة الثروة السمكية المتوفرة بكثافة في المياه الاقليمية للامارة وكذلك السياحة البحرية، أما السهول والمناطق الريفية فهي ارض خصبة للزراعة المتنوعة في حال معالجة مشكلة المياه من خلال تقنين الاستهلاك وعمل مسوحات لمعرفة مكامن المياه في باطن الارض، اما الصحراء فهي بيئة مشجعة لاقامة مشاريع سياحية حيث يعشق الكثير من السواح الاجانب هذه الصحراء والاقامة فيها في فصل الشتاء في فنادق ومنتجعات سياحية. ـ الفرص الاستثمارية المشجعة: إذا كانت هناك امارات قد حققت نجاحات جيدة من خلال الاستثمار في القطاع التجاري والخدمي فان ذلك ما كان ليحدث الا في ظل وجود عقلية تجارية وتنموية والاعتماد على التخطيط والاعتماد على كوادر مواطنة مؤهلة وخبرات فنية منتقاة بعناية، اما رأس الخيمة وهي الامارة الواعدة بالفرص الاستثمارية المتنوعة والكبيرة فقد ظلت حبيسة لعقلية تفتقر إلى الفكر التنموي، وهذه الامارة يمكن ومن خلال هذه الفرص العديدة ان تحقق تميزا وحضورا قويا في الساحة الاقتصادية الاماراتية والخليجية، فهي مازالت ارضا بكرا للكثير من المشاريع الاستثمارية والتنموية الناجحة والتي يمكن ان تحقق عائدا جيدا للمستثمرين الاماراتيين والاجانب على السواء وخاصة حينما يكون الاستثمار طويل المدى وموجها نحو القطاعات الانتاجية كالصناعة، ثم الزراعة، ثم مشاريع قائمة على الثروة السمكية سواء لتصنيع وتعليب الاسماك أو لتصدير وتسويق الاسماك على صعيد اسواق الامارات أو اسواق الخليج وحتى اسواق اوروبية على غرار ما فعلته سلطنة عمان. ثم ان هناك فرصا جيدة ومؤكدة في القطاع السياحي حيث يمكن ان تقوم صناعة سياحية ناجحة فيما اذا تم استثمار المواقع السياحية والتاريخية في الامارة لاسيما وان السائح الاجنبي لا يرغب في مشاهدة الاسواق التجارية أو المراكز التجارية أو الشوارع والعمارات الشاهقة بقدر ما يبحث عن مناظر طبيعية ومواقع سياحية كالجبال والسهول والصحراء ومواقع تاريخية كالابراج والحصون حيث التاريخ الموغل في اعماق الحضارة. ثم ان الطلب المحلي على مختلف المنتجات التي يمكن ان يقدمها الاستثمار الخاص يعتبر طلبا كبيرا كما ان تكثيف الاستثمارات ذات الآجال الطويلة وفي القطاعات الانتاجية من شأنه ان يعزز التوجه نحو وجود قاعدة انتاجية في الاقتصاد الوطني للدولة ثم التقليل من الاعتماد على الخارج، والانتاج المحلي من شأنه ان يغطي جزءا من متطلبات المجتمع الاستهلاكية، ثم يوفر سلعا وسيطة ونهائية للمجتمع الاقتصادي، فضلا عن ان الاستثمار طويل المدى في القطاعات الانتاجية يخلق فرصا للعمالة المواطنة التي اصبحت تعاني من ظاهرة البطالة، وحينما يتوفر الانتاج المحلي فاننا نستطيع نحد من تسرب السيولة من الاقتصاد الوطني ونقلل من العجز في الميزان التجاري للدولة والذي سوف يحدث حينما يتم استبعاد الصادرات النفطية.