اذا كانت الامارات الرئيسية الثلاث «أبوظبي ودبي والشارقة» قد حققت انطلاقة اقتصادية قوية خلال العقدين الماضيين قياساً بامكانياتها الطبيعية والبشرية والمالية، واذا كانت مساهمتها في الناتج المحلي الاجمالي قد وصلت الى نحو 93%، واذا كانت بموجب هذا قد امتلكت قدرة تحديد ملامح الاقتصاد الاماراتي فان هذا النجاح الذي هو نجاح لكافة امارات الدولة ومناطقها وشعبها والمقيمين فيها يعود لعوامل أساسية كانت سبباً في تحقيق ذلك وأهمها الارادة السياسية في تحقيق نجاح اقتصادي وتنموي وتجسدت تلك الارادة في توظيف مختلف الامكانيات المالية والطبيعية في خدمة هذا الهدف، ولأن هذه الامارات الثلاث تمتلك انتاجاً نفطياً وغازياً وتصدره الى الأسواق العالمية فان عوائدها قد تم توظيفها في احداث بنية اساسية متطورة وهياكل تحتية حديثة وبنية تعليمية وتشريعية ومؤسسية ناجحة أهلت تلك الامارات لان تتبوء الريادة في مجالات مختلفة وتحقق قفزات سريعة وكبيرة، ثم تمخض عن تلك الارادة السياسية رؤية تنموية تستشرق المستقبل وتعمل من اجله، وتدرس المتغيرات العالمية وتعمل على مواكبتها. ان التطور السريع والقفزات الكبيرة التي حققتها الامارات الثلاث قد اظهرت حجم التباين الكبير بينها وبين باقي الامارات قاطبة ولاسيما رأس الخيمة التي رغم امتلاكها مقومات النجاح الاقتصادي من موارد مالية جيدة ومشجعة، وطبيعية ضخمة وواعدة، وبشرية قادرة ومؤهلة إلا انها لم تحقق النجاح أو التطور الذي حققته الامارات الثلاث حيث لم تتجاوز مساهمتها في الناتج المحلي الاجمالي عن 2.8% في عام 1998 وفقاً لما جاء في رؤية استراتيجية التنمية للامارة (2000 ـ 2009)، ومن خلال قراءتنا للخريطة الاقتصادية للامارة نجد ان هناك تبايناً واضحاً وكبيراً بين امكانيات هذه الامارة المالية والطبيعية والبشرية المتوفرة وبين واقعها الاقتصادي من حيث تخلف البنية التحتية وغياب المؤسسات الاقتصادية الفاعلة رغم وجود قاعدة صناعية متميزة. ثم غياب التشريعات الاقتصادية ووجود معوقات عديدة امام حركة النشاط الاقتصادي والتجاري وتحد من انطلاقة هذا النشاط!! واذا كانت أبوظبي قد سجلت طفرة اقتصادية ناجحة وسجلت تفوقاً واضحاً في اطار المنافسة التجارية والاقتصادية في الامارات فلأنها تملك امكانيات نفطية ضخمة حيث تشكل احتياطياتها النفطية 90% من اجمالي الاحتياطي للدولة.، واعتمدت على القطاع النفطي ولاسيما تصدير النفط الخام في تجارتها الخارجية وتمكنت هذه الامارة بحكم الارادة السياسية والقيادة التامة بتطوير الامارة ان تقلب الموازين من خلال توظيف امكانياتها المالية في تحقيق بنية اساسية متطورة تفوق البنى الاساسية في دول عربية وأجنبية اخرى. أما دبي فقد استطاعت ان تستثمر موقعها الاستراتيجي لتضع سياسة تجارية تعتمد على الانفتاح على أسواق العالم وخلال العقود الماضية تمكنت ان تتبوء الريادة في قطاع التجارة ومنها اعادة التصدير، ثم قطاع الخدمات ودعم هذا النجاح سياسة اقتصادية تتسم بالمرونة العالية وتكثيف رؤوس اموال واستثمارات حكومية، الأمر الذي شجع القطاع الخاص ان يستثمر في هذه الامارة لتصبح دبي مركزاً تجارياً وخدمياً وسوقاً مالية عالمية. أما الشارقة فقد استفادت من توفر احتياطيات اقتصادية في الغاز الطبيعي لتعمد رؤيتها التنموية على تطوير قطاعات الخدمات والتجارة مستفيدة في الوقت ذاته من موقعها الوسط، وكذلك من قربها من دبي، ثم وجود رؤية تنموية تعتمد على تنمية العنصر البشري كأساس لتنمية مستدامة ولتصبح احدى الامارات الرئيسية الثلاث من حيث الاهمية التجارية. من هنا فانه من الطبيعي ان تكون مساهمة الامارات الثلاث في الناتج المحلي الاجمالي تتجاوز نسبة 93% فيما لم تتجاوز مساهمة باقي الامارات عن 7% ان لم تكن أقل ومنها رأس الخيمة، وذلك بسبب غياب رؤى التنمية وازدواجية القرارات الاقتصادية وغياب الارادة في احداث تنمية اقتصادية وحتى الاجتماعية تحقق الأهداف العامة للدولة. ان رأس الخيمة ومن خلال تحليلنا للواقع الاقتصادي فيها يتأكد لنا انها تملك فرصاً استثمارية مبشرة وواعدة وفي مختلف القطاعات زراعية وصناعية، سياحية وتجارية ولكن ورغم ان رؤية استراتيجية التنمية للامارة (2000 ـ 2009) والتي وضعها خبراء من الأمم المتحدة بموجب الاتفاق الذي ابرم بين حكومة رأس الخيمة وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي في مارس 1998 قد استندت ـ كما جاء فيها ـ على أهمية اطلاق القدرات الكامنة للامارة تطلعاً الى الخلق والابداع والمواكبة ودخولاً الى رحاب الآفاق المستقبلية، إلا انه وحتى الان لم نلمس ترجمة حقيقية لهذه الرؤية التي تتطلب إحداث تغييرات كمية ونوعية محسوسة في الهيكل الاقتصادي وثورة حقيقية في البنى التحتية التي تعاني من التخلف، ثم تتطلب وجود انتقال فعلي في التفكير التنموي من التفكير «التقليدي» الى التفكير العلمي والمستقبلي، ناهيك عن أهمية وجود موارد مالية واستثمارات رأسمالية حكومية يتم توظيفها لتحقيق أهداف الرؤية التنموية هذه حيث دوماً ما تجد هذه الموارد طريقها الى الخارج رغم حاجة الامارة واقتصادها لها. واذا كانت الامارات العربية المتحدة تملك مقومات استثمارية جيدة ومناخات استثمارية مشجعة رغم كل التحديات الطبيعية والبشرية فان امارة رأس الخيمة تمتلك بذاتها مقومات استثمارية كبيرة يمكنها ان تشكل عناصر جاذبة ومشجعة لرأس المال الوطني من داخل الامارة أو من الامارات الاخرى وذلك دون حاجة لاستثمارات أو رؤوس اموال اجنبية ربما تكون لها آثارها السلبية على الوضع الاقتصادي في الامارة وفي الدولة عامة. وحتى يمكن استثمار تلك الفرص فانه يتطلب تذليل المعوقات التي ربما لو تم تجاوزها لأصبحت هذه الامارة تملك اقتصاداً حقيقياً ومبشراً ربما يكون الاقوى على صعيد الامارات، لما تتميز قاعدته الانتاجية بالتنوع ووفرة الامكانيات فيها. ان دراسة مقومات الاستثمار والقيام بتحديد الفرص الاستثمارية المتوافرة في اقتصاد الامارة ومعالجة المعوقات غير الطبيعية تعتبر في غاية الأهمية في ظل التوجه نحو ترجمة رؤية التنمية في الامارة، وفي ضوء الرغبة في تغيير الأوضاع الاقتصادية وبالتالي الاجتماعية والبشرية ومواكبة التطور الذي تشهده الامارات الاخرى، كما ان منافسة الامارات الاخرى وحتى الدول الاخرى على حصص الاستثمار الاجنبي لايمكن ان تتم إلا بعد مراجعة الواقع الاقتصادي وتحفيز مقومات الاستثمار وتطوير الهياكل الاقتصادية والانتاجية وتسويق الفرص الاستثمارية وتحديد أهداف الاستثمار الاجنبي هذا وقنواته وضوابطه. ان امارة رأس الخيمة بما تمتلكه من موارد طبيعية وامكانيات مالية وقدرات بشرية قادرة تماماً على تحقيق انتفاضة تنموية حقيقية شريطة توفر الارادة والرغبة في ذلك، وبامكان هذه الامارة فيما اذا حدث ذلك ان تتبوء المكانة الريادية في الاقتصاد الوطني وتساهم بدور حقيقي وفعلي فيه وترفع مساهمتها في الناتج المحلي الاجمالي للدولة وتسجل حضورها ليس المحلي فحسب وانما الخليجي والعربي ايضا، وسوف نتناول في الحلقات المقبلة المقومات المتوافرة والمعوقات وكيفية معالجتها ومواجهتها وصولاً الى تحقيق رؤية واقعية للاقتصاد المحلي متسقة مع الرؤية العامة للاقتصاد الوطني للدولة ومتوافقة مع الاهداف والسياسات العامة للدولة باعتبار ان الاقتصاد الوطني كل لا يتجزأ