يقوم العديد من العمال الوافدين من ذوي الدخل المحدود في دول الخليج ودول غرب آسيا بارسال معظم الأجور التي يحصلون عليها الى عائلاتهم في البلدان الاسيوية عن طريق ما يعرف بالحوالة غير المصرفية، ومع انه ليس لمثل هذه الحوالة سجلات تعامل رسمية، إلا انها جاءت وليدة الحاجة وهي تستعمل لأغراض مبررة، اذ ان الاموال المحولة تم اكتسابها بطرق مشروعة، كما انه يتم ارسالها الى عائلات العمال حيث يعيش الكثير منهم في قرى ومناطق نائية لا تتوفر فيها مصارف أو خدمات مصرفية. ويستخدم العمال الوافدون الحوالة غير المصرفية نظراً لتكلفتها المنخفضة وسرعة توصيلها للمبالغ المحولة. فالعامل الذي يحول 100 دولار شهرياً على سبيل المثال الى عائلته، تكون الحوالة غير المصرفية أرخص بكثير من ارسال المبلغ بالطرق الرسمية بواسطة البنك، فتكلفة الحوالة لا تزيد في الغالب عن 1% من المبلغ المحول، ويكون سعر صرف العملة المحولة في كثير من الاحيان أفضل من سعر الصرف الرسمي الذي تستخدمه البنوك. ويتسلم سماسرة الحوالة النقود في بلد ما بدون اسئلة تطرح عن مصادر هذه الاموال، ويقوم الوكيل في البلد المرسل اليه بتسليم المبلغ الى الطرف المتلقي بعد خصم عمولة زهيدة. تطورت الحوالة غير المصرفية خلال السنوات الأخيرة الى خدمة سريعة ومتكاملة، ولا تستطيع البنوك ان تنافسها حيث التكلفة ونوعية الخدمة المقدمة. وفعلياً أصبحت الحوالة غير المصرفية بمثابة الخدمات المصرفية الشخصية (هَيًَف مفيْذ) للفقراء. وهي تضاهي الخدمات المصرفية الشخصية التي تقدمها البنوك لعملائها من أصحاب رؤوس الاموال والتي تشمل كافة الخدمات المصرفية والتي يتم توفيرها بسرية كاملة وأمان. كما ان نظام الحوالة غيرالمصرفية يعطي العمال المغتربين نوعاً من الثقة والاطمئنان بأن الاموال التي يرسلونها الى عائلاتهم سوف تصل دون تأخير. قدرت تحويلات العمال الوافدين في دول الخليج لعام 2001 بحوالي 22.7 مليار دولار، منها 15.7 مليار دولار تم تحويلها من السعودية وحوالي 3 مليارات دولار من الامارات، وملياري دولار من الكويت والباقي من دول الخليج الاخرى، وأما الاموال التي يتم تحويلها عن طريق وسطاء وسماسرة الحوالات فتقدر بحوالي 1 مليار دولار في السنة. وأظهرت دراسة لنظام الحوالة غير المصرفية والتي قام بها صندوق النقد الدولي بعد أحداث 11 سبتمبر ان باكستان لوحدها تلقت نحو خمسة مليارات دولار، عن طريق الحوالات غير المصرفية من الباكستانيين المغتربين عام 2001. وفي الفترة التي تلت أحداث 11 سبتمبر 2001، نتج تخوف كبير من قيام أطراف معينة بسوء استغلال نظام الحوالة غير المصرفية في ممارسات غير مشروعة بما في ذلك غسيل الاموال والتهرب من الضرائب، والمتاجرة بالمخدرات وتمويل الارهاب وغيرها. وقد استوجب هذا ادخال المزيد من الرقابة والسيطرة على نظام الحوالة غير المصرفية في دول المنطقة وفي العالم أجمع. وقد استغل غاسلو الاموال نظام الحوالة هذا مثلما استغلوا النظام المصرفي من قبل، ومن المحتمل ان يستمروا في استغلال هذا النظام حتى لو تم الالغاء الكامل للحوالة غير المصرفية. وقد اشار موظفو الخزانة في الولايات المتحدة الى ان تمويل حوادث 11 سبتمبر لم يتم عن طريق الحوالات غير المصرفية، بل جاء من خلال النظام المصرفي العالمي، كما ان الكثير من عناصر الحوالة هي بالفعل نتاج الحاجة التي شعر بها المغتربون من ذوي الدخول المتدنية، واذا منع استعمال الحوالة دون وجود البديل المطلوب لها، فان هذا سوف يدفع السماسرة الى توفير مثل هذه الخدمات للذين يحتاجون اليها عن طريق السوق السوداء. وما يجب عمله بدلاً من ذلك هو دراسة امكانية ترخيص هذا النظام أو تسجيله حتى يستمر في تقديم الخدمة للعمال الوافدين، وفي نفس الوقت يضمن عدم استغلال الحوالة في انشطة غير مشروعة. وقد أوصى المشاركون في المؤتمر الذي عقد في ابوظبي في 16 مايو 2002 بضرورة اقامة نظام شفاف يسمح بالرقابة على وكلاء ووسطاء وسماسرة الحوالات مع ضمان تسجيل بيانات كافية عن الحوالات غير المصرفية والجهات التي تستلم هذه الحوالات ضماناً لمنع تسرب الاموال الى نشاطات غير مشروعة أو إجرامية. كما دعا المؤتمر الحكومات الى ترخيص وتنظيم عمل مكاتب الحوالة غير المصرفية بنفس الطريقة التي نظمت بها مكاتب الصرافة ووسطاء التأمين العاملين لحسابهم، واتفق المشاركون ان وضع آلية رقابة على الحوالات هو أفضل من منعها بالكامل، حيث ان الحوالة توفر للعمال الاميين الفقراء وسيلة سريعة ورخيصة لتحويل الامولا من دخولهم المشروعة الى عائلاتهم في أوطانهم حيث لا تتوفر دائماً الخدمات البنكية المطلوبة. واشترط المشاركون ان يحدد أي نظام للحوالة هوية العملاء وكذلك الاحتفاظ بسجلات المعاملات كما اشترط المراقبة الفعالة وإخطار السلطات النقدية بشأن المعاملات المشبوهة. ان جوهر المشكلة لا يكمن في الحوالة، ولكن في عدم تمكن السلطات النقدية في عدد من الأقطار الآسيوية بما فيها الهند والباكستان وبنغلادش من تنظيم بنوكها بشكل فعال. ففي هذه الاقطار تقوم السلطات النقدية بتقييد اعمال البنوك وشركات الصرافة، ولا تساعد على خلق جو من المنافسة التي غالباً ما ينتج عنها خدمات جديدة، كما انها تعرض مدخرات الناس للخطر عن طريق الحد من حرية انتقال رؤوس الاموال واتباع سياسات أسعار صرف مبالغ فيها. وربما لو كانت البنوك في تلك الاقطار أكثر مرونة وأكثر تجاوباً مع احتياجات العملاء، لما ازدهر نظام الحوالة ولما استغله المحتالون. لقد ابتدأت عدة شركات صرافة في مصر والاردن ولبنان ودول الخليج بتقديم خدمة توصيل الاموال الى الأشخاص المرسلة اليهم بطريقة سريعة وفعالة، وهي خدمة كانت البنوك في الفلبين قد ادخلتها وطبقتها بنجاح للقضاء على المتعاملين غير الرسميين في السوق، والذين أخذوا ينافسونها في هذا المجال. وفي الهند قامت بعض المؤسسات باستخدام خدمة الطرود الرسمية ذات التكلفة المنخفضة لتوصيل الحوالات الشخصية، وهذا من شأنه ان يعوض عن النقص في وجود فروع للبنوك الهندية في بعض انحاء البلاد، وحالياً، يقوم العديد من شركات الصرافة بالمنافسة في نظام توصيل الحوالات بالسرعة المطلوبة وقد تكون كافة هذه العوامل هي بداية النهاية بالنسبة لنظام الحوالة غير المصرفية الذي أصبح عرضة للأخطاء والتزوير والوقوع في حبائل المحتالين، ومن الموظف ان تكون عناصر الاجرام قد نجحت في اختطاف هذا النظام الذي كان يوفر نوعاً من الخدمات المصرفية الخاصة للفقراء. ـ الرئيس التنفيذي ـ جوردانفست