كنا قد طرحنا في البحث السابق موضوع المشاركة العريضة لشرائح المجتمع المختلفة في مناقشة صياغة وتنفيذ القرار في التخطيط والتنمية وبالتالي تصبح هذه الشرائح هي المرشحة والمستعدة للتنفيذ لانها صاحبة المصلحة الأولى في الاستفادة من النتائج. وفي هذه الصفحات من الممكن العودة للموضوع وادراج مبرراته. إن مهمة صياغة استراتيجية شاملة للتنمية ليس بالأمر السهل إدراكا للنتائج المترتبة على تبني أي هدف محدد، حيث ان الجميع يدركون الصعوبة في صياغة الملامح العامة لاستراتيجية التنمية والمتمثلة في محاولة رسم احدى الصور البديلة للمستقبل الذي يمكن أن تنجم عنه التجارب السابقة ومساهمة عملية في تدعيم التوجيه القومي المعبر عن تطلعات المجتمع في المحافظة على وجوده وصيانة هويته العربية والاعتماد على النفس واشباع الحاجات الأساسية للأفراد في المجتمع. ومن ناحية أخرى فإن تخطيط التنمية يجب أن يستهدف احداث قفزة نوعية كبيرة وشاملة تتضمن التغيرات الهيكلية المطلوبة من أجل اعادة البناء انطلاقا من وجود ميزات نسبية حقيقية ودائمة في المدى البعيد على أن يكون ذلك مصحوبا بعملية تدعيم الاستقلال وزيادة الاعتماد الاجتماعي على الذات لنجاح التنمية في ظروف يمارس فيها النظام الدولي ضغوطا وتحيزات غير مناسبة. إن معظم البلدان النامية أقامت الهيئات التخطيطية ومارست عملية اعداد الخطط التنموية (بغض النظر عن الاسلوب الفكري) بهدف رفع المستوى المعاشي للمجتمع من خلال تحقيق نمو اقتصادي في القطاعات الرئيسية في الاقتصاد القومي ولكنها فشلت في تحقيق هذا الهدف اما لنقص في الموارد أو عدم التكيف مع البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيروقراطية في الأجهزة الحكومية وعدم التنسيق بين مختلف الأجهزة الحكومية وعدم الاهتمام بالبيانات والمعلومات الاحصائية ودقتها مما أعطى تصورات خاطئة عن المسيرة الاقتصادية والاجتماعية لهذه البلدان اضافة الى عدم التكيف مع الظروف الدولية الجديدة مع التأكيد على عدم قدرة المجتمع التفاعل مع الخطة وابداء الرأي في صياغة القرار والعمل على تنفيذه. إن تخطيط التنمية يجب أن ينطلق من الإيمان بأن الاستراتيجية الناجحة هي باستهداف الواقع الذي يجب أن تتسم قيادته بالمبادرة الشجاعة حيث ان الاستراتيجية الناجحة ينبغي أن تنطلق من هذا الواقع الذي يحتاج الى التغيير والمستقبل المنشود الذي يراد الوصول إليه بهدف نجاح عملية التنمية وما يحتاج ذلك من تسخير جميع الموارد المتاحة من أجل الوصول إلى الأهداف وتوظيف كل الامكانات والوسائل والأدوات التي يمكن توفيرها ويجب أن يتم ذلك وفق تخطيط يعبر عن ارادة للتغيير وينطلق من سياسة واضحة المعالم. ويتطلب البدء في عملية التنمية وجود الكيان القابل للتنمية ومثل هذا الكيان يجب أن يتوفر له الزمن والاستقرار وتتاح له الامكانيات البشرية والمادية والحضارية التي تسمح بتعبئة الموارد وتنمية القدرات واطلاق الطاقات الكامنة والتكامل من أجل بدء عملية التنمية الشاملة والاحتفاظ بها مستمرة. إن التنمية المنشودة هي عملية يتكاتف فيها جميع أفراد المجتمع وبشكل واع ودائم ويجب أن تكون موجهة لايجاد تحولات هيكلية تؤدي إلى تكوين قاعدة واطلاق طاقات انتاجية ذاتية يتحقق بموجبها تزايد منتظم في متوسط انتاجية الفرد وقدرات المجتمع وذلك كله لا يتم إلا ضمن اطار من العلاقات الاجتماعية يؤكد الارتباط بين المكافأة والجهد ويعمق أجواء المشاركة ويوفر متطلباتها ويهدف الى توفير الاحتياجات الأساسية وضمانات الأمن الشامل أي وجود الاستقرار السياسي ووضوح الرؤية الاقتصادية وتوفر القابليات السياسية والإدارية لتنفيذ الخطة. إن تشخيص التحديات التي تواجه طموحات التنمية هي في الحقيقة تعبير عن ارادة التغيير الحقيقية اضافة إلى ان فهم هذه التحديات ومعرفة أسبابها يجب أن يكون أساسا بالعزم على مواجهتها وبذلك تكون استراتيجية التنمية هي استراتيجية فكر ودعوة وعمل مما يتيح لها فرصة التطبيق العملي. لقد بذلت محاولات عديدة في مجال التخطيط ولكن يجب التحرك من مفهوم التخطيط بهدف اعداد الخطط الى التخطيط على انها عملية مشاركة فعالة ومتفاعلة من قبل الجميع تحت ظل مفهوم ديمقراطي واسع. إن الدعم الحكومي لعدد من النشاطات الاقتصادية والاجتماعية وصل الى معدلات عالية أدت الى ارتفاع تكاليف الانتاج الحقيقية وتزامنا مع مشكلة انخفاض الانتاجية أدت بشكل مباشر الى تحميل المشاريع خسائر اقتصادية انعكس على تكاليف الانتاج. اضافة الى المواقف الداخلية في تمويل الدعم الحكومي التي واجهتها هذه الدول في انخفاض أسعار النفط الخام عالميا وفي بعض الأحيان الى أسعار متدنية جدا حيث ثبت بأن هذه السلعة لها سوق عالمي من الصعب السيطرة عليه وعلى الأخص في تراجع احتكار منظمة أوبك مما يؤكد ضرورة النظر في بدائل جديدة من أجل توفير مصادر تمويل التنمية. إن هذه الأسباب والعوامل لهي باعتقادنا كافية الى الدعوة الى ايجاد رؤية مستقبلية جديدة بهدف تغيير الأساليب التقليدية لتخطيط التنمية واستبدالها بنظرة واقعية تقوم على أساليب المشاركة الفعالة لجميع الفئات الرسمية وغير الرسمية في عملية تخطيط التنمية في ضوء التحديات المحيطة. وبهذه المشاركة تزداد فعالية البرامج وتعطي فرصة للجهات المشاركة في التأثير في عمل البيئة الاقتصادية. لقد أصبح من غير الممكن تجاهل القضايا العديدة التي تتحدى المنهجية التقليدية لتخطيط التنمية، فهناك التدفق الكبير في المعلومات عن طريق التكنولوجيا الحديثة وتواصل المعرفة بين المجتمعات في العالم، مما يدعو باستمرار الى المشاركة من قبل مختلف مستويات المجتمع في عملية وضع وتنفيذ كافة السياسات الحكومية. إن النظرة الجديدة لمنهجية تخطيط التنمية يجب أن تتضمن اقامة قاعدة دعم اجتماعية قوية وواسعة للتحول عن الطابع التقليدي لمنهجية التخطيط ومحاولة نشر القابليات والقدرات التخطيطية من خلال المجتمع ككل عن طريق نشر أوسع للبيانات والمنهجيات وتدريب كافة الفئات الاجتماعية المهتمة باستكشاف الخيارات والاستراتيجيات البديلة للتنمية. وعلى هذا الأساس فإن الهيكل التنظيمي لتخطيط التنمية يجب أن يتميز بالانفتاح بحيث يعمل على استيعاب أوسع شريحة ممكنة من الفئات الاجتماعية المهتمة بعملية التنمية وهذا يتطلب التخلي عن الطابع الانعزالي والمتعالي الذي يسود الهيئات التخطيطية عادة. إن المشاركة الفعالة لهذه الشرائح الاجتماعية بعملية صياغة السياسات التنموية تتطلب بالضرورة بناء نظام ديمقراطي مؤسسي يعكس العلاقة الايجابية بين تطوير عملية تخطيط التنمية ومفهوم الديمقراطية. إذن يجب تبني صورة جديدة للهيكل التنظيمي يتبنى منهجية جديدة في تخطيط التنمية يتمتع بالمرونة والانفتاح الواسع على جميع القضايا السياسية والاجتماعية. وبناء على ذلك فيجب ابراز الدور الايجابي والفعال للادارة العامة في مجال استقلاليتها في معالجة المشكلات المتعلقة بالتنمية وأن يكون لرجل الادارة العامة القدرة على الابتكار وان تكون نظرته المستقبلية ايجابية نحو التغيير. ويمكن ضمن الهيكل التنظيمي للتخطيط ايجاد وحدة اقتصادية اجتماعية تضم عددا من المتخصصين والفنيين وذوي الخبرة في مجال التخطيط والتنمية تقدم المشورة وتحلل الآراء التي تطرح من قبل الوحدات الأخرى في مجال التنمية الداخلية والمتغيرات الدولية وتكون مرتبطة برئيس الوزراء. ويتبع هذا الهيكل وحدات تخطيطية متخصصة منتشرة في الجهاز الحكومي تكون مهمتها معالجة القضايا ضمن اطارها التنظيمي في الأجل القصير والمتوسط وما يتعلق بتخطيط الموارد والفعاليات التنظيمية ضمن اطارها وبما لا يتعارض مع الاطار العام. وهناك أخيرا لجان التنسيق الفنية والتي تربط كافة الفعاليات في المجتمع بالهيئات التخطيطية الحكومية، فهي تتفاعل مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع وبلورتها بشكل نهائي وبما يمثل رأي القاعدة الاجتماعية والمستفيدة الأولى من عملية التنمية. ويجب ألا يغيب عن الذهن الدور الفعال الذي يجب أن تلعبه المؤسسات الأكاديمية والبحثية في هذا المجال بما فيها الجهاز المركزي للاحصاء والمؤسسات الاحصائية الفرعية ومؤسسات البحث العلمي بما تقدمه من تجارب نظرية وعملية. ويمكن اعتبار النظام التشاركي في عملية اتخاذ القرارات من البدائل التي يمكن النظر اليها في مجال تخطيط التنمية حيث يقوم هذا النظام على أساس المشاركة الفعالة للمجتمعات المحلية في اتخاذ القرارات لتطوير المجتمعات المحلية الخاصة بهم ضمن الأهداف المركزية للدولة. ومن مميزات مثل هذا النظام هو ضمان مشاركة هذه المجتمعات في تطوير مجتمعاتهم مما يدفع الى جني الفوائد العادلة من تنفيذ برامج التطوير