العدل اساس الملك، والقضاة مستقلون ولا سلطان عليهم في اداء واجباتهم لغير احكام الشريعة الاسلامية والقوانين المرعية وضمائرهم، ولا يجوز لأي شخص أو سلطة المساس باستقلال القضاء أو التدخل في شئون العدالة. هذا ما نصت عليه المادة الثالثة من قانون تنظيم القضاء لسنة 2002 والذي اصدره صاحب السمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم رأس الخيمة في الثامن عشر من شهر مايو 2002 والذي اعلن عنه سمو ولي عهد رأس الخيمة في الاول من يونيو الجاري. هذا القانون الذي جاء في (88) مادة يعد خطوة مهمة واساسية في اطار الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والامنية التي تحتاج إليها الامارة وبشدة كي تستطيع مواكبة التطور الذي تشهده امارات الدولة الاخرى.واذا ما تعرضنا لهذا القانون من زاوية اقتصادية من حيث تأثيراته وايجابياته على الساحة الاقتصادية والاستثمارية والتجارية في الامارة فإننا نؤكد على مدى اهمية هذه الخطوة في دعم مسيرة الاصلاحات الاقتصادية وترجمة اهداف رؤية استراتيجية التنمية في امارة رأس الخيمة 2000 - 2009، والتي عكف على اعدادها نخبة من خبراء الامم المتحدة خلال السنوات الاخيرة من عقد التسعينيات لتؤكد هذه الرؤية على مدى اهمية اتخاذ خطوات جادة في ارساء اصلاحات اقتصادية وتشريعية وادارية واجتماعية، واحداث تغيير كلي في انماط التفكير التقليدي الذي يحكم التنمية في الامارة. ان صدور هذا القانون بما شمله من مواد مهمة انما يشكل تصحيحا لسلك القضاء في الامارة وان استقلالية القضاء وانشاء مجلس اعلى للقضاء ، كما جاء في الباب الثاني من القانون نفسه انما يعد خطوة مهمة في اعادة هيكلة القضاء وارساء دعائم العدل والمساواة في المجتمع وذلك بعد سنوات من المعاناة قد أثرت سلبا وبشكل واضح على النشاط التجاري والاقتصادي والاستثماري في الامارة ولعل هجرة رؤوس الاموال الوطنية واستقرارها في امارات اخرى، وكذلك الادخارات الشخصية في هيئة ودائع لدى الجهاز المصرفي وعدم الاستثمار في الامارة لهما دليلان على عمق الاثر السلبي لغياب القانون الذي يحمي الاموال والمستثمرين وحقوق الاخرين. واذا كان التنافس يحتدم اليوم بين الدول على الصعيد الخارجي والامارات على الصعيد الداخلي على استقطاب رؤوس الاموال الاجنبية ويؤكد هذا التنافس المحموم التسهيلات والمزايا التي تقدمها الدول، ثم حكومات الامارات من اجل استقطاب المزيد من رؤوس الاموال وخاصة في قطاع التجارة والمناطق الحرة في الامارات، فانه حري بكل امارة وخاصة رأس الخيمة ان تعمل جاهدة لتوطين رؤوس الاموال الوطنية للاستثمار في القطاعات الاقتصادية، ثم رؤوس أموال المقيمين فيها، ثم العمل على استقطاب رؤوس اموال خليجية وعربية واجنبية، وهذا لا يمكن ان يحدث الا في ظل وجود شروط معينة اهمها البنية الاساسية المتطورة بما فيها التشريعات والقوانين ذات الصلة بالمشاريع الاقتصادية والاستثمارية والتي تضمن وجود بيئة اقتصادية ومناخا استثماريا يتسم بالشفافية، وضمان وصيانة حقوق المستثمرين سواء مواطنين أم مقيمين، وفي هذا الاطار وفي الوقت الذي نؤكد على ترحيبنا بصدور هذا القانون فاننا لابد وان نؤكد على اهمية الخطوات التالية التي تعتبر مسلمات اساسية في تحقيق اصلاحات اقتصادية وتشريعية وهي: ـ ان وجود قوانين وتشريعات ترسي دعائم العدالة وتحفظ وتصون الحقوق لا يمكن ان تعطي ثمارها، ولا تحقق الهدف الاقتصادي والاستثماري دون وجود بنية اساسية وهياكل تحتية متطورة في امارة رأس الخيمة ذات الفرص الاستثمارية الكبيرة. ـ ان وجود قانون لتنظيم القضاء في الامارة يعد خطوة مهمة ولكن يجب ان يصاحب هذا القانون نقلة فعلية ونوعية في التفكير الانمائي والوعي الكامل باهمية القضاء في تحريك النشاط الاقتصادي وترجمة اهداف رؤية التنمية للامارة، بحيث ان تكون العقلية التي تعمل على تنفيذ هذا القانون تتسم بالمرونة العالية والشفافية المطلقة، والامانة العلمية، والالتزام بتطبيق روح القانون لا حرفيته ولاسيما في القضايا ذات العلاقة بالنشاط التجاري والاقتصادي، وللحق فان محاكم رأس الخيمة ظلت ومازالت تعاني من اشكاليات التفكير التقليدي والعقلية الجامدة وغياب الوعي لدى شريحة لمن يعمل في سلك القضاء. ـ ان وجود قانون لتنظيم القضاء وتطبيقه في الامارة يتطلب اعادة نظر كاملة في الهياكل الادارية والمالية والفنية في هذه المحاكم، فمازالت العقليات العقيمة تعشعش في هذه المحاكم وتحد من أي تطور اداري، ومازالت البيروقراطية والروتين يشكلان عقبة اساسية في تطوير المحاكم، ومازالت الآليات الفنية تشكل معوقات كبرى في سبيل تقدم القضاء والنشاط التجاري والاقتصادي وضمان حقوق الناس يتطلب سرعة البت في القضايا وسرعة التنفيذ، كما ان اهداف رؤية التنمية الاقتصادية في الامارة تتطلب وجود هياكل ادارية وفنية ومالية تسرع من حركة النشاط والتنمية في الامارة فيما اذا رغبت الحكومة في تحقيق ذلك. ـ ان انشاء مجلس أعلى للقضاء حسبما نص عليه هذا القانون خطوة ايجابية تعجل من فعل التصحيح وتخدم تطبيق القانون والعدل وتعمل على معالجة الترهل المتزايد، والاختلالات الكبيرة، والتشوهات المزمنة التي يعاني منها سلك القضاء في الامارة وحتى نضمن فاعلية هذا المجلس ودوره الرقابي خاصة فإنه يتعين أن يتم تشكيل هذا المجلس وفق أسس موضوعية ودراية علمية صحيحة بحيث يتم اختيار أعضاء هذا المجلس من بين أهل العلم والمعرفة والدراية وبحيث يتسمون بالمرونة والمصداقية والحرص لا أن يتم اختيارهم وفق مزاجية معينة أو اعتبارات شخصية وإذا ما حدث ذلك فإن انتكاسة العدل وتعطيل القانون سوف يكون أمرا حتميا. كما ان مشاريع التنمية وخطط الامارة ورؤيتها الاقتصادية سوف تتعرقل. إننا نؤكد على أهمية هذه الخطوة، ولا شك ان هناك شعورا ايجابيا قد خالج المواطنين والمقيمين ليس في الامارة فحسب وانما في الدولة. فهناك العديد من المستثمرين يودون الاستثمار في هذه الامارة لما فيها من فرص استثمارية وامكانيات تجارية وزراعية وصناعية وسياحية ولكن كان لغياب القانون والعدالة السبب في احجامهم عن تلك الخطوة. إن هذه الخطوة والخطوات المنتظرة سوف تحقق أهداف الاصلاحات وسوف تحقق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقق الاستقرار النفسي والأمني لمواطني الامارة والمقيمين فيها وذلك إذا ما تم اتخاذها على النحو الأمثل