أوضح تقرير اقتصادي دولي ان قضية الخصخصة في دولة الامارات لا تتسم بالالحاح الذي تتسم به في سائر بلدان مجلس التعاون الخليجي مشيرا الى ان أبوظبي تتمتع بحالة مالية أفضل من أوضاع باقي دول المجلس وهي لذلك أقل استعدادا لتقبل بعض الآثار السلبية التي سوف تترتب على الخصخصة في حين حجبت أهمية الخصخصة في دبي بمناخ الأعمال التجارية المتزايدة التحرر وبالدور الريادي الذي يؤديه القطاع الخاص في تنمية اقتصاد خدمات دبي، وبالاضافة الى ذلك أصبح كثير من أجهزة دبي الحكومية وبينها قوات الشرطة ذاتي التمويل بينما تدار بعض المؤسسات العامة الرئيسية ومنها مرافق الكهرباء والماء على أساس تجاري. وحسب التقرير الذي أعدته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الاسكوا» فقد باعت أبوظبي في عام 1996 أسهما ناهزت قيمتها 82 مليون دولار في مؤسستين لانتاج الأغذية واعتبرت حينذاك بداية الخصخصة وفي وقت لاحق أعلنت المؤسسة العامة للصناعة عزمها عن بيع 80% من أسهمها في خمسة مصانع أساسية تناهز قيمتها 200 مليون دولار الى القطاع الخاص لكن هذه الخطط لم تتحقق حتى الآن مع ان عددا من عمليات الخصخصة قد أنجز في العامين الماضيين أو أوشك على الانجاز ويشمل ذلك عقود ادارة عدد من المستشفيات والمراكز الطبية وادارة وتشغيل شبكات الصرف الصحي. ووفقا للتقرير فقد أنشأت أبوظبي أيضا، في عام 1996، لجنة «للاشراف على خصخصة خدمات الماء والكهرباء»، حلت محلها في 1997 لجنة دائمة رفيعة المستوى عينت عددا من الخبراء الاستشاريين الدوليين كمستشارين، وكانت أولى نتائج عمل هذه اللجنة صدور قرار في عام 1998، بانشاء «هيئة مياه وكهرباء ابوظبي»، لتحل محل دائرة المياه والكهرباء. وقد أعيد تنظيم القطاع برمته، بتفريعه الى اثني عشر كيانا تابعا لهذه الهيئة. ولكن لم يحرز أي تقدم في هذا المجال حتى أواخر عام 2000، بالرغم من ان الحكومة أشارت الى انه ستجري في نهاية المطاف، خصخصة جزئية لبعض هذه الكيانات مع احتفاظ الدولة بكامل السيطرة على عملية نقل الكهرباء والمياه لاسباب استراتيجية. ورغم ذلك، انتهى في اكتوبر 1998، احتكار القطاع العام لقطاع الكهرباء في أبوظبي بعقد صفقة لأول مشروع شبه مستقل للكهرباء. وسيكون للشركة الاجنبية التي وقع عليها الاختيار 40% من أسهم شركة الكهرباء الجديدة، التي ستقوم ببناء وتملك وتشغيل منشأة جديدة لتوليد الكهرباء وازالة ملوحة المياه، بقدرة 580 ميغاواط، وببيع انتاجها الى شركات نقل الطاقة المملوكة من الحكومة. وكان المشروع المذكور هو ثاني مشروع من هذا النوع في بلدان مجلس التعاون الخليجي، بعد مشروع عمان، كما سيبين، فيما بعد. ويخطط حاليا لمشروع ثان للكهرباء، مستقل وأوسع نطاقا، وكان من المنتظر أن يختار له شريكا أجنبيا قبل نهاية عام 2000. وفي دبي، استمرت الحكومة في تسييرها، بنفسها، لهيئة مياه وكهرباء دبي، وحجتها على ذلك ان الهيئة تدار فعلا بكفاءة، وبأن لا الحكومة ولا المستهلكين سيجنون أي فائدة من خصخصتها. وبالمقابل، أنشئت في دبي شركة مساهمة سميت شركة الامارات للصناعات الاساسية، وهي أول شركة من نوعها في الامارات العربية المتحدة تتيح للافراد من المستثمرين فرصة الاستثمار في المشاريع الفرعية ذات الصلة بالنفط والغاز، وضمنها المشاريع البتروكيميائية، عن طريق حيازة نسبة 55% من الاسهم، معروضة على الجمهور وخطت دبي خطوات واسعة في هذا الاتجاه في العامين المنصرمين. فلأول مرة، أجيز تملك الاجانب للعقارات في مدينة دبي للانترنت، ومن المحتمل السماح، في اطار نظام خاضع للضوابط بتملك الاجانب لبعض المؤسسات بنسبة 100%، ولا سيما بعد رفع القيود، في مطلع عام 2000، عن تملك غير مواطني بلدان الخليج الاخرى، لنسبة الأكثرية من الاسهم. ويوضح التقرير ان الخصخصة وتعزيز الاستثمار الأجنبي تشكل في اطار اقتصادات بلدان مجلس التعاون الخليجي، عناصر هامة في سياسات التنويع الاقتصادي، وهما يوسعان دور القطاع الخاص وتراكم رأس المال الخاص، ويساعدان على تغيير توجه الاقتصادات المعنية من الاعتماد على القطاع العام، محركا أولا للنمو، الى نمو يقوده القطاع الخاص، ويخففان من العبء المالي الملقى على عاتق القطاع العام. ومنذ سنين والخصخصة تشكل سياسة معلنة في خطط بلدان المجلس، يرقى تنفيذها الفعلي الى أواسط التسعينات، على ان هذه العملية كانت اجمالا، ولا تزال، عملية تدريجية، وهي في حالات عديدة، عملية مترددة. وفي السياق نفسه، شهد العامان الماضيان خطوات ملحوظة في طريق الانتقال الى تحرير اقتصادات المجلس وفتحها للاستثمار الاجنبي. وقد أملت هذه الخطوات جزئيا، التي يظهر بعضها تحولات هامة في الاستراتيجية الاقتصادية، مقتضيات الانضمام الى منظمة التجارة العالمية، لكنها تسلط الضوء أيضا على تزايد إدراك الحاجة الى رؤوس الأموال الاجنبية والدور الذي يمكن ان تؤديه في توفير تمويل فعال للمشاريع وتعزيز نمو أسواق رأس المال المحلية. ولم يتسن بعد تحقيق البيانات السياسية بلا عثرات. وتشعر حكومات بلدان المجلس بالقلق ازاء احتمال حرمانها من مصادر دخل هامة نتيجة لخصخصة بعض مؤسسات القطاع العام المربحة. كما كان ثمة دواعي قلق، عبر عنها بمعارضة اجتماعية وسياسية للخصخصة، من احتمال ان يتمخض بيع المشاريع العامة الى القطاع الخاص عن تقليص العمالة في هذه المشاريع، لأنه سيتعين تشغيلها عل أساس تجاري. واحتج البعض كذلك بان تشغيل المؤسسات العامة السابقة على أساس تجاري قد يستلزم، في حالات كثيرة، رفع أسعار السلع والخدمات المنتجة، أي انه، بتعبير آخر، سيفضي الى الحد من السلع والخدمات الاجتماعية المعانة. وبنفس المنحى، فرض عدد من بلدان مجلس التعاون الخليجي قيودا شتى على الاستثمار الاجنبي بسبب القلق من سيطرة الأجانب على المؤسسات وتملكهم للموارد، وكذلك، في حالة أسواق الأسهم في المنطقة وبسبب ضغوط المضاربات التي قد تنشأ من دخول المستثمرين الاجانب الى هذه الأسواق. وربما كان لهذا الموقف من رأس المال الاجنبي جذوره في سيطرة الشركات المتعددة الجنسيات على الموارد الهيدروكربونية في المنطقة قبل ان تضع حكومات بلدان المجلس يدها عليها. على انه بات من الجلي، في نهاية المطاف، ان الخصخصة الجدية شرط مسبق اساسي للتغيير الهيكلي الذي له أهمية حيوية للتنويع الاقتصادي، وأنه لا مفر من تحرير الاقتصاد اذا كانت بلدان المجلس تريد ان تضطلع بالدور الذي يعود لها في الاقتصاد العالمي المتنامي. وفضلا عن ذلك، تزايد الاقرار بأن من شأن بيع موجودات الحكومة الى القطاع الخاص ان: ـ يرفد حكومات بلدان مجلس التعاون الخليجي بخيرات كثيرة يمكن ان تساعد على سد أوجه عجز الميزانية الكبير،الذي واجهته هذه الحكومات قبل آخر ارتفاع حاد لأسعار النفط. ـ يحد من نفقات القطاع العام بإتاحة اجراء تخفيض في الاعلانات ورؤوس الأموال الممنوحة والقروض المسلفة الى المؤسسات العامة. ـ تساعد على ان يعاد الى الوطن جزء، على الأقل، من رؤوس الأموال الكبيرة التي تستثمرها بلدان المجلس في أصول أجنبية. ـ يتيح استخدام رأسمال القطاع الخاص بطريقة أكفأ وأكثر إنتاجا داخل منطقة المجلس. ـ يوسع قاعدة ملكية المؤسسات في المنطقة ويعزز الادخار والاستثمار الخاصين. ـ يعزز نمو أسواق الأسهم في المنطقة و/أو يوسع هذه الاسواق من حيث عدد الشركات المسجلة، وحجم التداول، والسيولة اجمالا. أبوظبي ـ مكتب «البيان»: