أكدت الأمانة العامة لاتحاد غرف مجلس التعاون الخليجي ضرورة تنسيق الجهود بين دول مجلس التعاون في مجال تحرير الخدمات المالية وجعلها في المستوى المطلوب والمؤمل منها لتمكين مؤسساتها المالية من المساهمة بإيجابية في صنع التنمية الخليجية المنشودة والعمل على تسخير الموارد المالية والمحلية والمهاجرة في خدمة هذه التنمية. وأوضح تقرير للأمانة العامة تلقته الجهات المالية بالدولة ان العالم يشهد إتجاهاً متسارعاً نحو انتشار ظاهرة التكتلات الاقتصادية الاقليمية والدولية ونحو تدويل الاقتصاد من خلال العمل بكل جدية وسرعة على ازالة كافة الحواجز بين الأسواق والتخلص تدريجيا من المعوقات التي تحد من حرية حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال عبر الحدود في اطار دولي جديد تنظم حركته من خلال مجموعة من الاتفاقيات المتعددة الاطراف والتي كان من أهمها الاتفاقيات التي تقع ضمن اطار منظمة التجارة العالمية. وأشار الى ان تحرير تجارة الخدمات كان أحد أهم الموضوعات الجديدة التي أدرجت ضمن اطار آلية النظام التجاري متعدد الاطراف بعد فترة طويلة من الخلاف والتنازع بين الدول النامية والمتقدمة، فقد رأت الدول النامية ان اخضاع التجارة الدولية في الخدمات لآليات المنظمة يمثل تهديداً مباشرا لمصالحها الوطنية وتقليصا لسيطرة الاجهزة الوطنية على القطاعات التي يشملها التحرير فيما ترى الدول المتقدمة انه من الضروري تحرير تجارة الخدمات نظراً لما تتمتع به من ميزة نسبية عالية في هذا القطاع وما ستجنيه من فوائد وأرباح كبيرة من تحرير تجارة الخدمات، وقد نجحت الدول المتقدمة بعد مساومات عسيرة في فرض توجهاتها، فتم إدراج تجارة الخدمات ضمن اطار منظمة التجارة العالمية بعد ان تم الأخذ ببعض التحفظات التي أبدتها الدول النامية في مجال تقديم الالتزامات المحددة لكل دولة، حيث جرى تسهيل الشروط الخاصة باختيار القطاعات التي على هذه الدول النامية إدراجها في جداولها الوطنية، فلم تسجل بعض من هذه الدول إلا التزامات في عدد محدود من القطاعات الخدمية. وذكر التقرير ان دراسة أجرتها الامانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي حول التزامات دول المجلس التي وقعت على اتفاقية انشاء منظمة التجارة العالمية تبين بان هذه الدول تبنت سياسة الحد الادنى بخصوص تحرير تجارة الخدمات، حيث منحت بصفة عامة امتيازات لموردي الخدمات الاجانب في القطاعات الخدمية التي ترى ان فتح الأسواق فيها يعد ضروريا للتنمية الاقتصادية واكتساب المزيد من المعرفة والكفاءة مثل خدمات البحث والتطوير والهندسة وبعض أنواع خدمات الاعمال المتخصصة. كما انها استطاعت ان تبقي على الضوابط المعمول بها في هذه الدول قبل الانضمام الى منظمة التجارة العالمية والمبينة في القوانين والانظمة المحلية الخاصة بها دون ان تحدث عليها تغييراً جوهرياً، وروعي فيها عدم التأثير بدرجة كبيرة على موردي الخدمة المحليين. وأشار الى ان التوجه الجديد في منظمة التجارة العالمية بالنسبة للدول التي تريد الانضمام الى المنظمة بعد العام 1995م يقضي بالتشدد في مطالبتها بإدراج أكبر عدد ممكن من القطاعات الخدمية في جداولها الوطنية، بحيث يمكن القول بأنه لم يعد مقبولاً منها إدراج عدد محدد من القطاعات الخدمية، واختيار قطاعات لا تحظى بأهمية كبيرة في اقتصادياتها الوطنية، فقد لوحظ لدى تفحص جداول الالتزامات التي تقدمت بها سلطنة عمان التي انضمت الى منظمة التجارة العالمية حديثا ان القطاعات الخدمية التي ادرجت في جداولها الوطنية كانت أكثر شمولا من حيث عدد القطاعات الخدمية المدرجة، وأقل من حيث الضوابط والقيود على تجارة الخدمات في هذه القطاعات وذلك بالمقارنة مع بقية دول المجلس التي وقعت على اتفاقية مراكش عام 1995. كما كانت أكثر شمولا من حيث الالتزام بتخفيض القيود أمام حرية التجارة وفق جداول زمنية محددة ومثبتة في هذه الجداول. وذكر ان الدول الاعضاء في منظمة التجارة العالمية تعمل جاهدة على إحداث مزيد من التحرير في مجال تجارة الخدمات من خلال وسيلتين اساسيتين: الأولى، تتضمن التشدد في مطالبة الدول التي تريد الانضمام الى تقديم تنازلات حقيقية وواسعة في العديد من القطاعات الخدمية، ولاتخضع النتيجة النهائية للمفاوضات التي تجريها هذه الدول الى المباديء والأسس العامة المحددة في اتفاقية الخدمات بقدر ما تخضع الى اعتبارات عديدة اخرى منها: المقدرة التفاوضية للبلد المعني ومدى تمكنه من فهم متطلبات الاتفاقية، وأهميتها الاقتصادية الدولية، وأهمية القطاعات التي يتم التفاوض بشأنها للبلد المعني وللدول الاعضاء التي تفاوضه، أما الوسيلة الثانية فهي من خلال اطلاق جولة جديدة للمفاوضات متعددة الأطراف لتحرير الخدمات التي بدأت فعليا في بداية العام 2000م وتم إقرارها في المؤتمر الوزاري للمنظمة الذي عقد في الدوحة مؤخراً.، وتتم هذه المفاوضات ضمن اطار مجلس تجارة الخدمات بهدف اعادة النظر في الالتزامات التي قدمت من الدول الاعضاء والنظر في استحداث التزامات أوسع وأشمل. وأضافت ان القطاع المالي والمصرفي الذي يتكون بصفة اساسية من خدمات المصارف والتأمين والأوراق المالية يأتي على رأس القطاعات الخدمية التي تركز الدول الاعضاء على إحداث مزيد من التحرير فيها من خلال السعي الى فتح الأسواق المحلية أمام المؤسسات المالية العالمية وتقليل القيود التي تعمل بها داخل هذه الاسواق وذلك نظرا لما تشكله التجارة العالمية في مثل هذه الخدمات من أهمية كبيرة على الصعيد العالمي خاصة بالنسبة للدول المتقدمة، مما يعد مؤشراً قوياً على ان رياح المنافسة ستهب على المؤسسات المالية والمصرفية الخليجية وبقوة وستكون لهذه المنافسة آثار جوهرية وحقيقية كبيرة على هذه المؤسسات في المدى القصير والمتوسط، فمن المتوقع ان تواجه هذه المؤسسات صعوبات وخسائر جمة تتجسد في تراجع الحصة السوقية لها والضغط على مستويات ربحيتها نظرا لتواضع قدرات وإمكانات بعضها بالمقارنة مع المؤسسات المالية في الدول الغربية التي تتمتع بميزة نسبية كبيرة، أما الآثار في المدى الطويل فهي ستعتمد في النهاية على مقدرة المؤسسات المالية الخليجية على إعادة هيكلة اعمالها وتطوير وتطويع قدراتها الذاتية لتصبح قادرة على الصمود والتفاعل بإيجابية مع متطلبات المرحلة الراهنة والمستقبلية. وأكد التقرير انه لكي تتمكن المؤسسات المالية الخليجية من الاستفادة من الجوانب الايجابية لاتفاقيات تحرير التجارة الدولية في الخدمات التي تتجسد في تعزيز مقدرتها التنافسية وتطوير الخدمات المالية التي تقدمها بما يتلاءم مع المعايير العالمية لابد للدول الخليجية من المبادرة الى وضع استراتيجية لتطوير بنية وهياكل الأسواق المالية الخليجية وتحسين ادائها لتواجه المنافسة الشرسة والقوية مع أسواق المال الدولية الاخرى، ويجب وضع هذه الاستراتيجية بأسرع ما يمكن فالعالم لن ينتظرنا وعلينا العمل على استيعاب متطلبات العولمة بالطاقة القصوى والسرعة الممكنة فالسرعة عامل حاسم في هذا السياق. ويجب ان تستند هذه الاستراتيجية الى العناصر الرئيسية التالية: أولا: العمل على تعميق درجة التكامل الاقتصادي بين الدول الخليجية في المجالات المالية والمصرفية: ولابد هنا من ضرورة الاسراع بالعمل على فتح الاسواق المالية المحلية وتحريرها من القيود والعراقيل بحيث يمكن التحرك باتجاه خلق سوق مالي عربي حقيقي يتيح حرية التواجد التجاري على أساس المعاملة بالمثل وتكون فيه اجراءات الاستثمار المرتبطة بالتواجد التجاري سهلة، ويعمل على تحقيق التكامل بين الأسواق المالية ويسمح لمواطني الدول الخليجية بتملك الأوراق المالية المطروحة في الأسواق المالية الخليجية. ثانيا: إعادة هيكلة عمل المؤسسات المالية الخليجية لتصبح أكثر كفاءة وفاعلية وذلك من خلال: ـ العمل على تشجيع وتسريع عمليات الاندماج بين المؤسسات المالية لخلق كيانات قوية للاستفادة من اقتصاديات الحجم الكبير. ـ دخول المؤسسات المالية والمصرفية الخليجية مجالات عمل جديدة ومتنوعة كالوساطة في الأسواق المالية وخدمات التأمين وهذا التنوع في الخدمات يحمي المؤسسات من التعرض الى مخاطر التركيز في الخدمات. ـ الاستفادة من تقنيات المعلومات والاتصالات الحديثة للتوسع في تقديم الخدمات وتوسيع الانتشار. ـ ضرورة زيادة الاستثمار في العنصر البشري وفي التقنيات المالية الحديثة. ثالثا: النظر الى تحرير قطاع الخدمات المالية والمصرفية كخيار استراتيجي لا رجعة عنه، وفق أسس منهجية وعملية مدروسة ووفق ضوابط تراعي المصالح الخليجية المحلية خاصة في مجال الانفتاح على الاستثمارات الاجنبية في المؤسسات المالية. رابعا: تدعيم وتطوير الأطر التشريعية التي تحكم عمل المؤسسات المالية والأساليب الرقابية والاشرافية، عليها لضمان سلامة العمل المالي لهذه المؤسسات وضمان استمرارية مساهمتها في التنمية الاقتصادية دون التعرض لهزات عنيفة ومفاجئة نتيجة المستجدات والأحداث العالمية. خامسا: الاستفادة من الاستثناءات وفترات السماح التي تتيحها اتفاقيات منظمة التجارة العالمية للدول النامية في مجالات تجارة الخدمات، الأمر الذي يتطلب بالضرورة تعميق درجة الفهم لنصوص هذه الاتفاقيات وتشكيل الفرق الخليجية المتخصصة القادرة على مساعدة الدول الخليجية التي تسعى الى الانضمام لمنظمة التجارة العالمية. سادسا: ضرورة تنسيق الجهود بين الدول الخليجية في منظمة التجارة العالمية، والعمل ككتلة واحدة داخل هذه المنظمة من خلال التنسيق التام فيما بين جميع الدول الخليجية في جولات المفاوضات المقبلة من اجل العمل على بلورة الآراء والمواقف الخليجية بصورة فاعلة فيما يؤخذ من قرارات جوهرية قد تؤثر على المسيرة الاقتصادية لهذه عموما وعلى المؤسسات المالية والمصرفية خصوصا. أبوظبي ـ عبدالفتاح منتصر: