طوال الربع الأول من العام الحالي، وعلى مدى ثلاثة شهور عاشت سوق الاسهم المحلية افضل فتراتها من حيث مستويات الاسعار وحجم التداول والطلب على الاسهم مقارنة بالفترات السابقة والتي مرت بها السوق منذ أزمة صيف عام 1998. في هذه الفترة جنى المستثمرون ارباحا طائلة خصوصا بعد اسهم المنحة والتوزيعات النقدية التي اقرتها الجمعيات العمومية وان كانت التوزيعات النقدية لم تعد إلى سوق الاسهم بالشكل الذي كان متوقعا لضخ اموال اضافية إلى السوق. لكن ما ان انتهى الربع الاول وبدأ الربع الثاني من العام الحالي حتى دخل السوق في مرحلة من الهدوء مرة اخرى رغم استمرار المعطيات والعوامل التي كانت السبب وراء الانتعاشة التي عاشها السوق في الربع الاول منها استمرار انخفاض الفوائد على الودائع المصرفية، وعودة جزء من الاموال المهاجرة للاستثمار في الداخل اضافة إلى تحسن اداء الشركات والبنوك والنتائج الجيدة التي تحققت في العام الماضي رغم الظروف الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد العالمي منذ احداث 11 سبتمبر. لاحظنا منذ بداية شهر مارس ثمة تراجع في اسعار العديد من الاسهم بما فيها الاسهم القيادية مثل سهم اعمار والذي رغم تراجع سعره الا انه يظل يقود السوق، في المقابل نجد تحسنا بل وطفرة تشهدها سوق الاوراق المالية في دول الخليج المجاورة خصوصا في الكويت وقطر والسعودية في ظل «هدوء» ولن نقل «تراجع» سوق الاسهم المحلية في الامارات رغم تشابه المعطيات والظروف الاقتصادية في كافة دول الخليج وهنا التساؤل: ما هو السبب في هدوء سوق الاسهم المحلية وصعود الاسواق الخليجية؟ ولماذا تراجعت حالة السوق في الربع الثاني عن الربع الاول من العام الحالي رغم توفر واستمرار عوامل التحسن؟ وهل تستمر حالة الهدوء التي بدأت في مارس لتلتحم مع شهور الصيف الهادئة عادة؟ تأخر الافصاح يرى زياد الدباس مدير دائرة الاسهم في بنك أبوظبي الوطني ان العوامل التي تساعد الاسواق الخليجية المجاورة على الانتعاش متوفرة ايضا في سوق الاسهم المحلية، وتتمثل هذه العوامل في انخفاض اسعار الفائدة المصرفية، وتحسن اداء الشركات والبنوك المدرجة اسهمها في السوق وارتفاع اسعار النفط وكلها عوامل من المفترض ان تدعم اسعار الاسهم وهو ما تحقق بالفعل بالنسبة للاسهم الخليجية في الاسواق المجاورة ولم يتحقق في سوقنا المحلية لسبب جوهري ورئيسي هو عدم توفر الشفافية والافصاح لدينا في سوق الاسهم المحلية 60 شركة وبنكا تتداول اسهمها في السوق، والمفترض حسب القواعد والقانون ان تنشر هذه الشركات والبنوك تقاريرها المالية عن الربع الاول للعام الحالي لكن ما حدث هو ان 8 شركات فقط هي التي افصحت عن بياناتها في المقابل لاحظنا في اسواق الخليج المجاورة ان الشركات المدرجة وغير المدرجة سارعت في الافصاح عن بياناتها المالية الامر الذي انعكس بالايجاب على وضعية السوق واسعار اسهم هذه الشركات. ويضيف الدباس ان البنوك والشركات المحلية التي افصحت عن بياناتها حظيت اسهمها باقبال كبير يتناسب مع ادائها مثل اسهم بنك دبي الوطني، بنك أبوظبي الوطني، الاتحاد الوطني، ذلك ان المستثمر لم يعد يعتمد في اتخاذ قراره بالشراء أو البيع على الشائعات في السوق قدر اعتماده على البيانات المالية التي تصدرها الشركات. السبب الثاني في هدوء السوق المحلية مقارنة بالاسواق المجاورة ان الاستثمار المؤسسي المتمثل في صناديق الاستثمار في سوق الاسهم المحلية ضعيف للغاية ويكاد يكون معدوما رغم انه مصدر حركة السوق، وفي المقابل نجد لصناديق الاستثمار دورا محوريا في تحريك سوق المال في الكويت وقطر والبحرين والسعودية، ويضيف الدباس ان السوق المحلية لاتزال تعتمد على الافراد في حين يغيب ايضا دور المؤسسات والاستثمارات الاجنبية في الاوراق المالية المحلية على عكس العديد من اسواق المال الخليجية التي تجيز للاجنبي الاستثمار والتعامل بالاوراق المالية الخليجية وهو ما يساهم في انعاش هذه الاسواق كما نلحظ في سوق مسقط على سبيل المثال. مطلوب اجراءات حاسمة ونتيجة لهذه الوضعية اصبح حجم التداول في كل من سوقي دبي وأبوظبي الماليين لا يتجاوز 10 ملايين درهم في حين ان القيمة السوقية للاسهم تبلغ 108 مليارات درهم، كما ان نسبة ومعدل دوران الاسهم في الامارات يعتبر من اقل معدل دوران الاسهم في العالم. ومن هنا يتعين على الشركات التي تتداول اسهمها في السوق الالتزام الدوري بالافصاح عن بياناتها المالية لانه ليس هناك مبرر للتأخير، كما انه لا معنى ان يتم الافصاح عن نتائج الاداء في الربع الاول خلال الربع الثاني خصوصا وان كافة المؤشرات تدعم تحسن سوق الاسهم المحلية فالعديد من البنوك العاملة تمتلك أموالا زائدة عن حاجتها وتستثمر الجزء الكبير منها في الخارج إلى جانب وجود طلب على التعامل بالاسهم في ضوء تراجع الفائدة على الودائع المصرفية. ويؤكد الدباس ان ادارات البورصات العالمية تفرض غرامات على الشركات التي لا تفصح عن بياناتها بل ان بعض الاسواق المالية توقف التداول على اسهم الشركات التي لا تنشر بياناتها وتتخذ اجراءات حاسمة بحق ادارات هذه الشركات لمطالبتها بالافصاح، لكن الوضع هنا في الاسواق المحلية مختلف تماما حيث لاتزال سوق المال في مرحلة البداية، وتحاول ادارة سوق دبي، وكذلك سوق أبوظبي للاوراق المالية بالتدريج الزام الشركات المدرجة بالالتزام بالافصاح الدوري وفي التوقيت المناسب. لا مبرر منطقي ويرى محمد علي ياسين مدير مركز الامارات التجاري ان مستوى الطلب على الاسهم المحلية بدأ ينخفض مبكرا فقد درجت العادة على ان هدوء السوق في فصل الصيف يبدأ من منتصف شهر يونيو حتى سبتمبر لكن لاحظنا هذا العام ان الطلب انخفض مبكرا وبدأ من شهر ابريل في حين ان اسواق المال في بعض دول الخليج المجاورة مثل السعودية والكويت تشهد ارتفاعا ملحوظا. والحقيقة انه ليس هناك مبرر منطقي لتراجع سوق الاسم المحلية وانخفاض الاسعار فهو ليس نتيجة مؤشرات مالية في السوق أو مرتبطة باداء الشركات لأن اداء كافة الشركات جيد للغاية لكن في تصوري ان عاملا من العوامل التي يمكن ارجاعها لحالة الهدوء في السوق يتمثل في ان نتائج الربع الاول من العام الحالي ظهرت في شهر مايو، وهذا التأخير في الافصاح كان له تأثيره السلبي في السوق. النقطة الاخرى ان الجمعيات العمومية انعقدت في كافة الشركات ووزعت ارباحا على المساهمين وبالتالي ليست هناك بيانات جديدة تشجع المستثمرين على الشراء والبيع وهو ما ادى إلى هدوء السوق بل وتراجع اسعار اسهم عديدة خصوصا اسهم الشركات الحديثة مثل تبريد والواحة ودبي للاستثمار ومصرف أبوظبي الاسلامي، فالمستثمر ينظر إلى الريع الجيد للسهم لذلك لم نر حركة كبيرة خلال الفترة الماضية في السوق طالما ان العديد من الاسهم لا تدر ريعا جيدا للمستثمرين. مدراء المحافظ.. السبب ويلفت محمد علي ياسين النظر في معرض تحليله لما يدور في سوق الاسهم المحلية إلى نقطة هامة ربما تفسر حقيقة ما يجري في السوق وهي ان مدراء المحافظ الاستثمارية اتخذوا قراراتهم بالبيع خلال مارس الماضي وجنوا ارباحا جيدة من وراء ذلك في فترة كانت السوق منتعشة، وهم الان في حالة انتظار لهبوط اسعار الاسهم اكثر كي يدخلوا السوق بالشراء لجني ارباح جيدة ايضا، وهذا يؤكد على ان مدراء المحافظ حركوا السوق في الشهور الستة الاخيرة وهم الآن يريدون هبوطا اكبر للاسعار حتى يدخلوا السوق، وفي اعتقادي ان ذلك لن يتم إلا اذا حدث انخفاض في الاسعار يتراوح بين 10 - 15%. النقطة الاخرى ان الشركات وزعت عن العام المالي 2001 اسهم منحة على المساهمين الذين قاموا بتحويلها إلى ارباح نقدية مما حقق فائدة للمستثمرين لكن في المقابل لاحظنا ان الارباح النقدية التي وزعت على المساهمين لم تعد للسوق بالشكل الذي كان متوقعا ان يتم مما حرم السوق من ضخ اموال في شريانه كان من الممكن ان تساعد في انعاشه، ويضيف محمد علي ياسين ان الشركات والبنوك التي افصحت عن نتائجها المالية عن الربع الاول من 2002 حظيت بحركة جيدة على اسهمها وتحسنت اسعارها لكن لاحظنا في السوق تباينا في وضعية بعض الاسهم، على سبيل المثال هبط سعر سهم اعمار إلى مادون العشرين درهما ثم عاد بعد ذلك ليسجل 21.5 درهما لكن في الحقيقة لاعمار وضعية خاصة لان شراء الشركة لـ 10% من اسهمها لم يأت بالنتائج التي كان يتوقعها الكثيرون الامر الذي دفع المستثمرين إلى البيع ظنا منهم ان السعر قد يهبط اكثر ولذلك باعوا بـ 20 درهما مثلا على امل الشراء غدا بـ 18 درهما مثلا. لكن في المقابل وجدنا سهم بنك دبي الوطني يحقق قفزات كبيرة وصلت به إلى 90 درهما لكن في نظري كان هذا السعر غير منطقي لذلك تراجع السعر واستقر عند 85 درهما وهو سعر عادل ومقنع ويحظى بتوافق من كل من البائع والمشتري. والمؤكد كما يقول ياسين ان حركة السوق تتوقف كثيرا على دور مدراء المحافظ الاستثمارية الذين جنوا ارباحا في الربع الاول وامتنعوا عن الشراء في الربع الثاني، وهم الآن في مرحلة بناء محافظهم الاستثمارية مرة اخرى وفي حالة مارأوا بوادر نسب هبوط جيدة للاسعار سوف يدخلون السوق مرة اخرى. اسباب الصعود.. غير متوفرة سألت شهاب قرقاش مدير محفظة الضمان ابرز المحافظ الاستثمارية في اسواق الاسهم المحلية عن تفسيره لما يجري في السوق وهل بالفعل يمتنع مدراء المحافظ الاستثمارية عن دخول السوق حاليا، يقول شهاب ان العوامل والمعطيات التي ادت إلى تحسن السوق في نهاية العام الماضي وحتى شهر مارس 2002 انتهت بانتهاء تأثير هذه العوامل وهي انخفاض الفائدة على الودائع المصرفية وان كانت لاتزال منخفضة كذلك لم نلمس الصعود في حالة السوق بالشكل الذي لمسناه في بداية العام، لكن في المقابل نجد اسواق المال في بعض دول الخليج المجاورة في حالة صعود افضل من وضعنا في سوق الامارات وهذا يعود إلى الظروف الاقتصادية لكل بلد والتي تختلف إلى حد ما عن الاخرى ففي قطر على سبيل المثال يرجع صعود سوق الاسهم هناك إلى الحالة الاقتصادية العامة والسيولة المتوفرة لسوق الاسهم وهذه حالة استثنائية، وفي الكويت وزعت الشركات توزيعات نقدية افضل بكثير مما وزع عندنا في الامارات علاوة على النتائج الجيدة في اداء الشركات والتي تراوحت بين 15 - 20% في حين ان شركاتنا لم تحقق هذا النمو الكبير. وباختصار كما يقول قرقاش لا تتوفر اسباب الصعود للسوق بشكل كبير لكن في المقابل يظل السوق محافظا على نتائجه الجيدةس وفي اعتقادي ستظل حالة الهدوء موجودة طالما لا توجد مفاجآت أو «شيء عجيب» من الشركات يؤدي إلى تحسن السوق. والنقطة الثانية ان نتائج الربع الاول من العام الحالي جاءت «اعتيادية» وليست «جيدة» حيث بلغت نسبة النمو في بعض الشركات 15% وفي البنوك اقل من 10% وهناك شركات لم تحقق نموا على الاطلاق في الربع الاول الامر الذي يشير إلى ان حالة الهدوء سوف تستمر حتى تتوفر العوامل التي تدفع السوق للامام وهي عوامل لاتزال غائبة منها فقدان الشفافية والافصاح وعدم حصول المستثمرين على المعلومات الضرورية التي تساعدهم في اتخاذ القرار السليم للاستثمار. ويؤكد قرقاش ان السوق حاليا وصل إلى نقطة الانتظار فهو لايزال ايجابيا لكن لا يشهد طفرة كبيرة كما يتوقع الكثيرون وان كنا نعول على الفئة القليلة من المستثمرين الذين يبقون في البلاد خلال الصيف ولا يسافرون كثيرا وهؤلاء احيانا ما يحركون السوق في فترة الصيف التي عادة ما تشهد حالة ركود وهدوء.