كيف أصبحت السياحة ثاني أكبر مصدر للدخل في ماليزيا؟ سؤال يطرح نفسه بقوة عند زيارة هذا البلد صغير الحجم الذي نجح في تحقيق قفزات تنموية هائلة وأصبح أقوى النمور الآسيوية. هذا البلد الذي ما لبث أن تماسك ووقف من جديد على قدميه بعد الأزمة المالية التي عصفت بدول جنوب شرق آسيا أواسط التسعينيات ليكون بذلك أول وأقوى دول هذه المجموعة ويقودها للتعافي من آثار أزمتها. الجميع يعرف ماليزيا كاحدى البلدان المتقدمة في صناعة الالكترونيات. وتقدر نسبة المنتجات الالكترونية التي يتم تصديرها سنويا من ماليزيا أكثر من 58% من اجمالي حجم الصادرات الماليزية. ولكن الجديد الذي تسجله ماليزيا حاليا هو أن تصبح صناعة السياحة المصدر الثاني للدخل في البلاد رغم ان لديها العديد من المنتجات الأخرى التي تحتل فيها مكانة عالمية والتي كانت حتى وقت قريب مصدرا للدخل أقوى من السياحة مثل زيت النخيل والصناعات المطاطية وغيرهما. كما نجحت ماليزيا في تحقيق هذه القفزة السياحية التي تفوقت فيها على كثير من الدول التي تمتلك امكانيات وموارد سياحية تفوق ماليزيا بكثير وذلك لانها حولت السياحة الى صناعة ضخمة. ورغم ما حققته السياحة الماليزية فإن خططها المستقبلية تضع أهدافا كبيرة تجعل ما تحقق لا يمثل إلا نسبة ضئيلة مما هو مطلوب. كل هذا كان وراء هذا الحوار الذي أجرته «البيان» مع المسئول الأول عن القطاع السياحي في ماليزيا على هامش الزيارة التي نظمتها القنصلية الماليزية بدبي لوفد اعلامي من الامارات إلى كوالالمبور. وكما يؤكد داتو عبدالله جنيد مدير عام السياحة الماليزية فإنه إلى جانب الموارد السياحية الهائلة في ماليزيا فإن الحكومة تتعامل مع السياحة كصناعة لابد لها من تنظيم واعداد للكوادر البشرية. كما لابد من ابتكار موارد سياحية وابتكار وسائل للجذب السياحي. ومن هذه النقطة كانت بداية الحوار. الطائرة الورقية ـ ما هي الوسائل التي تم ابتكارها لجذب السياح أو ما هي الموارد السياحية التي يتم اضافتها؟ ـ أولا وقبل كل شيء فإن ماليزيا لديها موارد وامكانات سياحية هائلة. وبالتالي فنحن لا ننطلق من فراغ وإنما نبني على أساس متين. ماليزيا بموقعها الجغرافي بمثابة جنة استوائية ذات جمال خلاب. الخضرة تكسو كل مكان حتى الجبال. وتتكون البلاد من شبه جزيرة ماليزيا إلى جانب ولايتي صباح وساراواك في جزيرة أخرى هي بورنيو. وإلى جانب هذا تتمتع ماليزيا بالثقافات المتنوعة حيث انها تضم جنسيات تمثل كل شعوب آسيا من الصينية إلى الهندية إلى المالايوية وتتمتع بشبكات واسعة من الطرق السهلة والمريحة إلى جانب أبراجها العالية التي تضم أعلى أبراج العالم حاليا وهو «بتروناس توين تاور» وبرج كوالالمبور وغيرها من فنون العمارة الإسلامية والحديثة. ورغم كل هذا تعمل الحكومة على ابتكار موارد جديدة تشكل عناصر جذب مثل مهرجان السياحة الذي تنظمه دائرة السياحة بوزارة الثقافة والفنون والسياحة الماليزية لمدة شهر من كل عام. وقد انطلقت فعاليات هذا المهرجان بالفعل في احتفال ضخم أقيم مساء الأحد الماضي 26 مايو وتستمر حتى الثالث والعشرين من يونيو. هذا المهرجان يضم فعاليات عديدة ومتنوعة تنتشر في كل شوارع مدن وأقاليم ماليزيا لاستعراض الفنون الشعبية الماليزية المتنوعة وتقدم هذه العروض فرق فنية من أشهر الفرق في البلاد والتي تمثل كل مناطق وأقاليم البلاد. 5200 فنان ـ وماذا يمثل هذا المهرجان؟ ـ هذا حدث سنوي هام ويحظى باهتمام الحكومة في أعلى مستوياتها ويحضر حفل الافتتاح الملك ورئيس الوزراء الدكتور مهاتير محمد وحشد من كبار الشخصيات الحكومية والدبلوماسية الموجودة بالبلاد. وفي الحفل يقدم 14 عرضا فنيا يشهدها أكثر من 100 ألف فقط بخلاف الجمهور يحتشدون في ميدان الاستقلال «داتاران مارديكا» في كوالالمبور. ويشارك بالحفل أكثر من 5200 فنان يمثلون كافة الفرق الشعبية بالبلاد. وبعد حفل الافتتاح تنتشر هذه الفرق في كافة المدن والشوارع تقدم عروضها. وإلى جانب هذا تشارك الفنادق وشركات الطيران بعروض خاصة خلال المهرجان وتستمر هذه العروض حتى بعد انتهاء المهرجان طوال شهور الصيف من يونيو وحتى سبتمبر. ورغم ان مناخ ماليزيا يتميز بالثبات على مدار العام حيث الأمطار المتواصلة والخضرة إلا اننا نركز العروض الخاصة على فصل الصيف نظرا لانها شهور مفضلة للسياح. ليس الهدف ـ ما هو الدخل الذي تتوقعونه من وراء مثل هذا المهرجان؟ ـ نحن لا ننظر إلى المردود المادي السريع من وراء هذا الحدث أو غيره من الأحداث المشابهة التي ننظمها. نحن بدأنا تنظيم هذا الحدث الذي يتخذ لنفسه شعارا شعبيا شهيرا في ماليزيا هو «الطائرات الورقية» لكي يشاهد العالم ويتعرف على الثقافات الماليزية والتراث الشعبي الماليزي. ومن خلال هذه المعرفة سيحب ماليزيا وسيتخذ القرار بزيارتها سواء الآن أو غدا. وإذا كنت تتحدث عن أرقام محددة فنحن نتوقع أن نجذب خلال فترة المهرجان وحدها نحو مليون زائر. وهذا بناء على انجازاتنا خلال الدورتين السابقتين للمهرجان الذي انطلق لأول مرة في 2000 ثم استمر 2001 وهذا هو العام الثالث له. ونحن نقيس على نتائج عام 2000 لان ما شهده العام الماضي من أحداث يجعلنا لا نستطيع القياس عليه. يفوق الخطة ـ كيف أصبحت السياحة المصدر الثاني للدخل بالبلاد بعد الالكترونيات؟ ـ تم هذا بناء على تخطيط مسبق. والأرقام تشير إلى معدلات نمو ممتازة وثابتة. واذا بدأنا منذ عام 99 وهو أول عام بدأنا فيه تحقيق معدلات نمو جيدة بعد بداية التعافي من آثار الأزمة التي كانت ذروتها عام 98. ففي عام 98 استقبلت ماليزيا 5.5 ملايين سائح. وفي 99 ارتفع الى 7.9 ملايين سائح ثم الى 10.2 ملايين في 2000 ثم الى 12.7 مليون سائح في 2001. ووفقا لهذه الاحصائيات التي أعدتها السياحة الماليزية ارتفع دخل السياحة من 8.6 مليارات رنجت (الرنجت يعادل الدرهم الاماراتي تقريبا) عام 98 إلى 12.3 مليار رنجت عام 2001. وحسب الخطة ذاتها ومعدلات النمو المستهدفة فإن عدد السياح المتوقع في 2002 أكثر من 14 مليون سائح. وهذه الأرقام تفوق الخطة الاقتصادية الثامنة لماليزيا التي كانت تستهدف فقط 10.9 ملايين في 2003 و13.3 مليونا في 2004 و14.2 مليونا في 2005. الوجهات ـ ما هي أهم الأسواق بالنسبة للسياحة الماليزية؟ ـ الأسواق العشرة الرئيسية التي يأتي منها السياح إلى ماليزيا وفقا لاحصاءات 20002001 هي سنغافورة ثم تايلاند، اندونيسيا، الصين، اليابان، بروناي، المملكة المتحدة، تايوان، استراليا، والولايات المتحدة الأميركية. ووفقا لاحصاءات عام 2001 أيضا فإن جميع شهور السنة تعد مواسم سياحية في ماليزيا. فلم تنخفض أعداد الزوار عام 2001 سوى في أكتوبر ونوفمبر إلى حد ما. ولكن في بقية شهور السنة كانت ماليزيا تستقبل في كل شهر أكثر من مليون سائح وهذا انجاز كبير. والانخفاض الذي حدث في أكتوبر ونوفمبر الماضيين كان لسبب معروف هو أحداث سبتمبر التي تعرضت لها الولايات المتحدة وأثرت على حركة السياحة والسفر والطيران. الأكل الحلال ـ إن أسواقكم التقليدية هي الدول الآسيوية المجاورة لكم، فلماذا اهتمامكم حاليا بمنطقة الشرق الأوسط والخليج بشكل خاص؟ ـ صحيح ان أسواقنا التقليدية هي سنغافورة وتايلاند والصين واليابان نظرا لقرب المسافة مع هذه الدول وكونها أسواقا تقليدية منذ القدم، إلا ان هذا لا يمنع من الوصول إلى أسواق جديدة. كما ان التواصل مع دول الشرق الأوسط ليس مستغربا لان هناك روابط عديدة مع شعوب هذه الدول. فماليزيا دولة يسكنها أغلبية مسلمة ولديها الكثير من المراكز الإسلامية والمواقع الأثرية الإسلامية. وتعد ثقافيا من أقرب الدول الآسيوية إلى دول الشرق الأوسط وغرب آسيا. وتنتشر في ماليزيا العديد من مظاهر التراث العربي والإسلامي وفي مقدمتها الأكل الحلال في جميع المطاعم والمحلات. أمر آخر مهم بالنسبة للشرق الأوسط انه ربما يكون عدد السياح منها أقل ولكن عدد الليالي التي يقضيها السائح بماليزيا أكبر من أي سائح آخر وكذلك معدل انفاقه أعلى من أي سائح آخر. ولهذا فنحن لا نهتم كثيرا بالأرقام. فقد بلغ دخل السياحة الماليزية من دول غرب آسيا عام 2001 أكثر من 3.7 مليارات رنجت وبلغ متوسط عدد الليالي التي يقضيها السائح أكثر من عشر ليال. وجاء 80.6% من هؤلاء بشكل شخصي بينما جاء 19.4% من خلال المجموعات السياحية. وتأتي المملكة العربية السعودية في المقدمة من حيث عدد السياح إلى ماليزيا برقم 27.8 ألف سائح عام 2000 ارتفع الى 39.9 ألفا عام 2001 ثم الامارات برقم 2.3 ألف في 2000 قفز إلى 13.7 ألفا في 2001. ماليزيا ـ عبدالفتاح فايد: