أكد تقرير اقتصادي دولي ان على دول مجلس التعاون الخليجي الاستثمار في عملية التنويع الاقتصادي كخيار اساسي في المرحلة المقبلة. وشدد التقرير على ان المقتضيات الاساسية ، لسياسات المستقبل يجب ان تشمل التسريع في برامج الخصخصة ومنها خصخصة المرافق العامة الرئيسية والمؤسسات الصناعية الكبيرة كالصناعات البتروكيماوية ومشاركة القطاع الخاص في الجيل المقبل للمشاريع الكبرى. ولفت التقرير الذي اصدرته اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الاسكوا» احدى مؤسسات الأمم المتحدة الى ان تحسن آفاق اقتصاد المنطقة يفترض ان يساعد على جعل الأسواق المالية بدول المجلس أكثر تقبلاً لمسألة اصدارات الأسهم التي ستكون جزءاً من الخصخصة. ودعا التقرير الى الحد من اعانات الدعم المحلية والغاء الكثير منها والى اعادة سياسات التصنيع في بلدان المجلس، وأكد على أهمية توفير فرص عمل منتجة للقوى العاملة الوطنية. وحسب التقرير فانه في الفترة الممتدة منذ أوائل السبعينات، أحرزت بلدان مجلس التعاون الخليجية تقدما كبيراً في تحديث اقتصاداتها وتنمية قطاعاتها غير النفطية بغية تقليل اعتمادها على ايرادات تصدير النفط والتخفيف من عدم الاستقرار الاقتصادي الملازم لهذا الاعتماد على سلعة أولية. ويوضح ان مساعي التنويع الاقتصادي بدأت بتطوير البنية الاساسية، المادية والاجتماعية، وشملت، من ثم، انشاء صناعات ثقيلة وقاعدة صناعية على شيء من الاتساع، فضلاً عن تنمية انشطة التجارة والخدمات، وفي السنوات الأخيرة، أولى الاهتمام ايضا لخصخصة شركات ومشاريع القطاع العام، توخياً لتعزيز دور القطاع الخاص في اقتصادات بلدان المجلس، بالاضافة الى فتح هذه الاقتصادات أمام الاستثمار الأجنبي، كما اتخذت خطوات تدريجية، ولن تكن مترددة، للحد من اعانات الدعم المحلية، وقد حققت نتائج فيها نجاح وفيها فشل، وانه لايزال هناك الكثير، في واقع الأمر، مما يلزم القيام به اذا أريد لبلدان مجلس التعاون الخليجي ان تتخلص من اعتمادها الشديد على النفط ومن تأثير تقلبات أسعار النفط في المستقبل على اقتصاداتها. ويشير الى انه وفي جميع بلدان المجلس، طرأ انخفاض حاد، منذ السبعينات، على الاسهام النسبي لقطاع النفط في الناتج المحلي الاجمالي، بينما طرأ ارتفاع كبير على نسبة القوى العاملة في الصناعة والخدمات، وذلك في معظم الحالات. وازداد اسهام الصادرات غير النفطية الى أكثر من ثلاثة أضعافه في البحرين وعمان بين عامي 1980 و1997، وتضاعف تقريباً في المملكة العربية السعودية من عام 1985 الى عام 1996. على ان صادرات النفط ظلت تمثل، في عام 1996، متوسطا ناهز 83% من مجموع صادرات البحرين وعمان وقطر والكويت والمملكة العربية السعودية، مقابل متوسط كانت نسبته 90% في عام 1985. ووفقاً للتقرير فقد هبط إسهام ايرادات النفط والغاز في الامارات العربية المتحدة وعمان والكويت والمملكة العربية السعودية من متوسط كان يناهز 89% في عام 1980 الى 77.5% في عام 1997، لكنه، حتى عند هذا المستوى المنخفض، لايزال مرتفعاً جداً. وبذلك تبقى الايرادات العامة والنفقات الحكومية في بلدان الخليج معرضة، الى حد بعيد، لتلقبات أوضاع سوق النفط العالمي، ومع ان الارتفاع الحاد الذي طرأ مؤخراً على أسعار النفط ساعد على انقاذ مالية القطاع العام في المنطقة من حالة التأزم التي وصلت اليها في نهاية عام 1998، فهو يحمل معه ايضاً خطر استكانة حكومات بلدان المجلس لتباطؤ اعادة الهيكلة الاقتصادية، وتجنب اتخاذ قرارات صعبة احياناً في هذا الصدد. ومهما يكن من أمر، ينبغي الاسترشاد بالماضي، بمعنى ان نظرة الى الوراء، الى السنوات الـ 16 الماضية، ترينا ان فترات ارتفاع أسعار النفط وايرادات كان يعقبها دائماً فترات انخفاض بنفس الحدة. ويرى التقرير انه ليس لبلدان مجلس التعاون الخليجي، بوجه عام، إلا خيار الاستمرار في عملية التنويع الاقتصادي. ويمكن الاستفادة من الظروف الراهنة لسوق النفط، وما ينجم عنها من تحسن الاحوال الاقتصادية في بلدان مجلس التعاون الخليجي، كخلفية متينة لاستمرار هذه العملية. وفي هذا الصدد، تشمل المقتضيات الاساسية لسياسات المستقبل ما يلي: ـ تسريع برامج الخصخصة، وضمنها خصخصة المرافق العامة الرئيسية والمؤسسة الصناعية الكبيرة، كالصناعات البتروكيمائية، وتشجيع المشاريع المستقلة ومشاركة القطاع الخاص في الجيل المقبل للمشاريع الكبرى. ولاتزال أهداف الخصخصة الرئيسية ـ أي الحد من دور القطاع العام في اقتصادات بلدان المجلس وتعزيز نشاط القطاع الخاص وقدرته التنافسية ـ بعيدة جداً عن التحقق. ـ يفترض في تحسن آفاق اقتصاد المنطقة ان يساعد على جعل الأسواق المالية في بلدان المجلس أكثر تقبلاً لمسألة إصدارات الاسهم، التي ستكون جزءاً من الخصخصة. لكن الحاجة تدعو الى إصلاح الاسواق المالية وتحسين دورها وكفاءتها. ومن الاصلاحات الضرورية فتح جميع أسواق الاسهم في منطقة الخليج امام المستثمرين الاجانب، والأخذ بنظم واجراءات لتبادل الاسهم تتبع المعايير العالمية، وتطبيق انظمة سوقية حديثة تؤمن الشفافية وتعطي المستثمرين ضمانات قانونية. ـ وينبغي الحد من اعانات الدعم المحلية، وفي نهاية المطاف الغاء كثير منها، على أساس أولويات وجداول زمنية تراعي المعارضة الاجتماعية والسياسية لالغائها. وتدعو الحاجة الى جعل الصناعات، وكذلك سائر الانشطة الانتاجية التي تعتمد على الميزة النسبية لبلدان الخليج في مجال إمدادات الطاقة والمواد الهيدروكربونية، أكفأ وأقدر على المنافسة، وذلك بأن تستوفي منها أسعار لمواد التشغيل والطاقة أقرب الى أسعار السوق الفعلية. وعلى أي حال، سيلزم، للنجاح في خصخصة مرافق الكهرباء في المنطقة، الغاء الاعانات الكبيرة الداعمة لتكاليف الكهرباء والأخذ بنظام أسعار مقطوعة للصناعة، مماثل للنظم المعمول بها في بلدان كثيرة اخرى، نامية ومتقدمة النمو، وفي كل الحالات، سيتعين على بلدان مجلس التعاون الخليجي عدم القيام بأنشطة اقتصادية تعتمد، لتتوفر لها أسباب البقاء، على الاعانات الكبيرة. وتبين تجربة المملكة العربية السعودية الخاصة بالاعانات الزراعية ان هذه الممارسة قد تكون مكلفة، وفي نهاية المطاف بلا طائل. ـ وفي نفس السياق، ستدعو الحاجة، في السنوات المقبلة، الى اعادة تقييم سياسات التصنيع في بلدان مجلس التعاون الخليجي، وكما أوضح آنفاً، تتركز هذه السياسات، منذ السبعينات، على بناء أوسع قاعدة ممكنة للصناعة التحويلية ـ وضمنها صناعات بدائل الواردات ـ وذلك أحياناً، بتكاليف باهظة من حيث الاعانات والاعفاءات الضريبية وغيرها من المنافع. ومع انفتاح بلدان المجلس على السوق العالمي وتوجهها نحو الانضمام الى منظمة التجارة العالمية، ينبغي اعطاء الصدارة، بين أولويات سياسات المستقبل تنسيق مشاريع التصنيع وتأمين تكاملها فيما بين بلدان المنطقة ـ وهما هدفان كثر إعلانهما انما ظل تحقيقهما صعباً على مدى العقود الثلاثة الماضية. وهذا التنسيق، كما تردد قوله في الماضي كثيراً ضروري للحيلولة دون ازدواجية مشاريع التنويع الاقتصادي لدى مختلف بلدان المجلس وللنظر في الصلاحية الاقتصادية لهذه المشاريع فيما يتعلق بسوق بلدان مجلس التعاون الخليجي اجمالا. ـ ومن التحديات الكبرى التي ستواجهها بلدان المجلس في السنوات المقبلة توفير فرص عمل منتجة اقتصادياً لقواها العاملة الوطنية الآخذة في التزايد. ويصح هذا الأمر خصوصاً لان من المتوقع لخصخصة مؤسسات القطاع العام ان تطلق أعداداً كبيرة من القوى الفائضة التي تعمل في هذه المؤسسات، مما يمكن ان يؤدي الى عواقب اجتماعية وسياسية غير مرغوب فيها. والمفترض في النمو الاقتصادي المتنوع ان يساعد على استيعاب نسبة متزايدة من القوى العاملة الوطنية على المدى المتوسط والمدى البعيد، أما على المدى المنظور، فلابد لبلدان المجلس من تسريع برامجها الخاصة بإحلال مواطنيها محل الأغراب العاملين في كلا القطاعين العام والخاص. ويضاف الى ذلك انه، اذا أريد تحقيق غايات هذه البرامج بأدنى تكلفة اقتصادية، من حيث الكفاءة والانتاجية، فينبغي اعطاء الأولوية لتدريب المواطنين على جميع المستويات ولتأمين جودة التعليم. وينبغي ايضا ان يشمل هذا الهدف الثاني، فيما يشمله، وضع برامج تعليمية تنشيء أنواع المهارات اللازمة على وجه التحديد في أسواق عمل بلدان مجلس التعاون الخليجي. ـ ونظرا لكون الايرادات النفطية لاتزال تمثل نسبة مهمة من مجموع ايرادات معظم حكومات بلدان المجلس، يلزم بذلك جهود أكبر بكثير في السنوات المقبلة لتنمية مصادر الدخل غير النفطية. ومن التدابير التي يشملها ذلك: الحد من تيسير الضرائب ومن الاعفاءات الضريبية، وربما فرض ضريبة القيمة المضافة. ويرى التقرير ان بعض السياسات التي اقترحت آنفاً قد يكون لها تأثير سلبي على المدى القريب، في القطاع الخاص لبلدان مجلس التعاون الخليجي، اذ ان هذا القطاع قد تعود ان يتلقى من الحكومة دعماً سخياً. لكن هذه السياسات تظل ضرورية لنمو اقتصادات متينة جيدة التنوع وقادرة على التكيف مع اقتصاد عالمي يتزايد فعالية وانفتاحاً. ويشير الى انه وخلال فترة الطفرة النفطية الأولى، في مطالع السبعينيات، كانت بلدان المجلس تشترك في عدد من السمات الأساسية التي تعوق نمو الاقتصاد على نحو متوازن. ومن هذه السمات: شدة الاعتماد على انتاج النفط وصادراته، وندرة الموارد الطبيعية غير الهيدروكربونية، وقلة الايدي العاملة المحلية، والافتقار الأولي الى تقاليد تنظيم المشاريع. وكان قطاع النفط يمثل أكثر من 70% من الناتج المحلي الاجمالي في جميع بلدان مجلس التعاون الخليجي، باستثناء البحرين ويحقق في المتوسط 90% من الصادرات وايرادات الحكومات. وفي البداية، دفع الى عملية التنويع الاقتصادي وجود شعور بعدم الاطمئنان حيال المدة التي ستستغرقها طفرة الازدهار النفطي الأولى. ورافق ذلك استعجال في تطوير البنى الاساسية المادية والاجتماعية من اجل توفير قاعدة لتنمية الاقتصاد خارج قطاع النفط. وفي وقت لاحق، في الثمانينيات والتسعينيات، طرأت على اسعار النفط تقلبات حادة تمخضت عن كثير من عدم الاستقرار في جميع اقتصادات بلدان المجلس، وجعلت من التنويع الاقتصادي إحدى الأولويات الاساسية للسياسة الاقتصادية. وبالاضافة الى الاستمرار في توسيع البنية الاساسية المادية والاجتماعية، بات التنويع الاقتصادي في بلدان الخليج يشمل استحداث صناعات ثقيلة، لاسيما صناعة المواد البتروكيميائية، والصناعات المعدنية الاساسية، فضلاً عن سائر الصناعات التحويلية، والزراعة، والخدمات، بما فيها الخدمات المالية، ثم، في فترة أحدث عهداً، السياحة، ويشتد التركيز ايضا على التعليم والتدريب بغية الحد من الزيادة الضخمة في حجم القوى العاملة الوافدة، التي كان لها أهمية اساسية في نمو الاقتصاد غير النفطي. كما وكان من أهم الأهداف المعلنة لخطط التنويع الاقتصادي خصخصة مرافق الخدمات العامة وغيرها من المرافق التي تملكها الحكومات، وتخفيض اعانات الدعم المحلية، وتنمية مصادر الدخل غير النفطية