أعلن ديفيد روش «رئيس المجموعة الاستشارية البارزة اندبندنت استراتيجى» فى لندن، بكل صراحة وثقة، أن عهد الدولار القوى قد ولى وانقضى، وأن الدولار الأميركي قد دخل بالفعل فيما سيصبح فترة طويلة ومستمرة من الهبوط والاتجاه التنازلى، وهو ما لن تتمكن السلطات الأميركية من مكافحته هذه المرة، حسب اعتقاده. وأضاف موضحا أن الأرصدة المالية الأميركية لم تعد تمثل عنصر جذب واغراء مثلما هو الحال مع أرصدة أوروبا واليابان، بل انها ستعانى من مزيد من سوء السمعة مع اى تطور سياسى أو عسكرى مثير للقلق، كما فى حالة اقدام واشنطن مثلا على مهاجمة العراق بصورة انفرادية. وقد لاحظ المراقبون فى الايام الأخيرة هبوط الدولار أمام الين مما دفع بالحكومة اليابانية الى التدخل فى اسواق صرف العملات لوقف ارتفاع الين بعد أن انخفض الدولار الى 123 يناً فى طوكيو للمرة الأولى منذ ديسمبر الماضى، كما لاحظوا أن اليورو وان كان لا يزال اقل فى القيمة من الدولار الا أنه من المتوقع أن يتساوى معه بحلول أواخر العام المقبل 2003. ولقد ساهم استمرار اهتزاز أداء الاقتصاد الأميركي وضعف مؤشراته الى ما دون المتوقع أو المستهدف فى ثبات سعر اليورو بالرغم من تفاوت معدلات النمو فى اوروبا، وحتى تكتمل بقية أركان الصورة، فمن المهم هنا أيضا، وبعيدا عن أية مبالغات، الاشارة الى أن ترنح الدولار وتذبذب اسعار الأسهم قد ساهما فى رفع اسعار الذهب بدرجة كبيرة مؤخرا، ليبرز على مسرح الاقتصاد الدولى عامل جديد ومهم. وقد أسدى بعض الخبراء النصح للمستثمرين بالاحتفاظ فى محافظهم الاستثمارية بنسبة فى حدود 10% ـ 15% من الذهب، باعتبارها تمثل صمام الأمان تجاه تقلب اسعار الأسهم، ومن المعروف أن الذهب يحتفظ دائما بمكانته كاحدى طرق حفظ الأموال للمستثمرين وكوسيلة ادخارية لهم ايضا فى ظل تذبذب العرض والطلب عليه. ومن الملاحظ أن المستثمرين يميلون لشراء الذهب عندما تهتز اسواق المال العالمية وتنحدر مؤشرات الأسهم فيها، وبالتالى فثمة علاقة عكسية بين مؤشرات الأسهم وسعر الذهب، وهذا ما أكدته أحداث 11 سبتمبر حينما شهد الطلب على الذهب ارتفاعا ملحوظا، والذين يتوقعون أن تزدهر اسعار الذهب «وهو ما بدأ رصده بالفعل مؤخرا» يشبهون الأوضاع الحالية على مستوى العالم سواء سياسيا أو اقتصاديا أو أمنيا بظروف 11 سبتمبر، حيث تشهد الأن مؤشرات النمو الاقتصادى واسعار البورصات والعملات انحدارا واضحا، كما أن العالم يشهد مخاطر الارهاب و الحروب الاقليمية التى قد تنزلق لمواجهات عالمية مدمرة، وهنا يصبح الملاذ أمام كل من يسعى للحفاظ على أمواله أو استثمارها هو الذهب. وما يؤيد ما ذهب اليه الذين يتوقعون عصرا ذهبيا قادما للذهب أن الذهب سجل فى الايام الأخيرة صعودا يشكل أعلى مستوى له فى غضون حوالى ثلاث سنوات عندما لجأ اليه المستثمرون كملاذ آمن لأرصدتهم من مخاطر عنف الشرق الأوسط ومخاوف نشوب حرب بين الهند وباكستان وخطر هجوم ارهابى جديد على أميركا. ولذلك اتجهت اسعار الذهب للارتفاع مؤخرا ودارت تقريبا حول سعر 322 دولارا للأوقية فى أسواق لندن للمعادن الثمينة مع توقعات بأن تواصل أسعار الذهب الصعود حتى تقترب من 325 دولارا للأوقية وهو ما سيكون أعلى سعر منذ 14 أكتوبر 1999، والطريف أنه فى سبتمبر 1999 كان سعر الذهب أقل من 270 دولارا للأوقية. وقد عضد من موقف الذهب ايضا عوامل أخرى، منها التقارير التى تكهنت بتناقص أو توقف اكتشافات جديدة للذهب الخام على مدى السنوات السبع أو الثمانى المقبلة، حيث افاد تقرير نشرته صحيفة فاينانشيال بوست الكندية فى ابريل الماضى «نقلا عن دراسة تعدينية حديثة» بأن موارد العالم من الذهب المستخرج من المناجم معرضة للانخفاض بنسبة تقترب من 30% بحلول عام 2010 ما لم ترتفع اسعار السبائك ارتفاعا كبيرا يكون من شأنه حث الجهات التى تنقب فى المناجم على تكثيف عمليات التنقيب لاستخراج المزيد من المخزون فى باطن الأرض من هذا المعدن النفيس. وتوقعت الدراسة التى أجرتها مجموعة «بيكون» الاستشارية البحثية «ومقرها فى تورنتو» أن يسجل انتاج الذهب العالمى هبوطا خلال العام الحالى لأول مرة منذ عقدين، وأن تظل امدادات الذهب فى تناقص متسارع بعد عام 2006 مع الانخفاض الكبير فى انتاج مناجم الولايات المتحدة وكندا المهددة بالنضوب. وبعد أن وضحت جوانب الصورة، هل سيشهد الذهب عصرا ذهبيا جديدا على حساب الدولار واسعار الأسهم بسبب التعثر الاقتصادى والتوترات السياسية العالمية، أم أن الايام والاسابيع المقبلة تحمل فى جعبتها مزيدا من المفاجآت. ـ أ.ش.أ