يتفق الكثير من المحللين على ان احد الاسباب الهامة التي تقف وراء ما تمر به اسواق الاسهم الخليجية من تقلبات يعود الى غياب دور صانعي السوق. فما هو بالضبط دور صانعي السوق؟ وما هي الاشتراطات المطلوبة لتفعيل دورهم في اسواق الاسهم الخليجية؟ بينما يعتبر الوسيط بالعمولة الاداة التي تقوم بمطابقة اوامر البيع والشراء الصادرة عن المستثمرين فان على صانع السوق ان يقوم بالاعلان عن اسعار البيع والشراء بالهامش. وصانع السوق بهذه الوظيفة لا ينتطر اوامر البيع والشراء لمطابقتها حسب رغبات المستثمرين ولكنه يلتزم باسعاره المعلن عنها فيما يتعلق بالاسهم كاسعار قابلة للتنفيذ الفوري اذ طلب منه احد الوسطاء بالعمولة او المستثمر ذلك. اما فيما يتعلق بالسندات فان الاسعار المعلنة تكون عادة اسعار تأشير ولا تصبح ملزمة الا بعد الاتصال بصانع السوق من المتعاملين في السوق مع طلب واضح بأن يبين الاسعار القابلة للتنفيذ حيث يستطيع حينها تغيير هذه الاسعار مع ابقاء سعرين للبيع والشراء في آن واحد وبهامش معقول تحدده عادة ظروف عديدة منها حجم الصفقة ومدى سيولتها (تكرار الطلبات عليها بيعا وشراء) واحجام التداول في الاسواق وغير ذلك. ولما كان معظم تعامل صناع الاسواق يتم الكترونيا فان التنفيذ فيما يتعلق بالاسهم يكون ايضا بواسطة الكمبيوتر دون حاجة للاتصال المباشر، الا اذا كانت احجام التعامل المطلوبة تتجاوز الحجم المعروض من قبل صانع السوق. ويعني هذا الامر ان صانع السوق لا يعلن فقط عن اسعار البيع والشراء للورقة المالية ولكنه يحدد ايضا الكميات التي يكون مستعدا لشرائها وبيعها بالاسعار المعلنة. ومع ان صانع السوق يحتفظ باوامر البيع والشراء الصادرة عن الوسطاء او المستثمرين باسعار محددة سلفا حسب انظمة الاسواق المختلفة وبالتالي يمكنه مواءمة اوامر البيع والشراء المحتفظ بها لديه اذا وصلت الاسعار الى التطابق المطلوب، فان حدوث هذا الامر ليس ضروريا، وبالتالي فان غياب اوامر الشراء او البيع المحددة الاسعار سلفا، يفرض على صانع السوق ان يشتري الورقة المالية او يبيعها لحسابه الخاص وان يتحمل بذلك مخاطرة تقلبات الاسعار، لا سيما في ظروق التقلبات العنيفة، ويعتبر بهذه الصفة طرفا رئيسيا في العملية. ومع ان هامش السعر المعروض، والذي يمثل الفرق بين سعري البيع والشراء، يشكل نظريا الربح الذي يتقاضاه صانع السوق، الا ان تغيير الاسعار المستمر، حتى في سوق مستقر يمكن ان يضيق هامش الربح لديه، لا سيما في سوق يخضع لقوانين العرض والطلب ومؤثرات المنافسة القادمة من صناع سوق اخرين او من وسطاء ومتاجرين في الاسواق. ان وظيفة صانعي السوق، كما هو واضح، تضفى على الاسواق الثانوية لبورصات الاسهم المزيد من السيولة، حيث ان هناك استعدادا دائما لشراء وبيع أي ورقة مالية، وفي اغلب الاحيان بأي كمية معروضة للبيع والشراء. وتبرز اهمية هذه الوظيفة بصورة خاصة لاسواق الاسهم الخليجية حيث يؤدي غيابها الى عدم او تأخر تطابق اوامر البيع والشراء مما يفقد الاسواق ديناميكيتها المطلوبة ويتسع هامش الفرق بين سعري العرض والطلب مما يزيد من الكلفة التي يتحملها المستثمر. ووظيفة صناع السوق سوف لن تقتصر هنا على اضفاء العمق الهام لاسواق الاسهم بل وسوف يلعبون وظيفة لا تقل حيوية عن الاولى وهي العمل على اضفاء الاستقرار النسبي على اتجاهات الاسعار وان كان غير مطلوب منهم ان يوقتوا ثبات الاسعار او يغيروا اتجاهات الاسواق المحكومة بعوامل العرض والطلب اليومية او ان يقفوا في مواجهة العوامل الاساسية التي يمكن ان تؤثر على اتجاهات الاسعار. فوجود صناع السوق لم يمنع الانهيار الذي حصل في الاسواق العالمية في شهر اكتوبر من سنة 1987 او الانهيارات المالية الاخيرة في بعض دول اسيا. ان الحاجة لضبط تقلبات الاسعار وترشيد هذه التقلبات لكي تعكس العوامل الاساسية للسوق بدلا من العوامل الفردية تزداد اهميتها بالنسبة لاسواق الاسهم الخليجية. فهنا صانع السوق وعندما يقوم بصورة يومية بالاعلان عن سعري الشراء والبيع، فانه سوف يبذل جهده لاكتشاف السعر الحقيقي الذي يعكس نقطة التوازن بين العرض والطلب، لانه سوف يلتزم لاحقا بالتعامل وفق هذه الاسعار. وبالتالي سوف تخضع تحريكات الاسعار لدراسات جادة من قبل صناع السوق وليس فقط بناء على اهواء المستثمرين والدلالين، ان صناع السوق لكي يقوموا بدورهم الذي تطرقنا له بحاجة الى توفير العديد من الاشتراكات الذاتية والموضوعية، وان غياب العديد منها في اسواق الاسهم الخليجية يفسر الى حد كبير اسباب غياب الدور المطلوب لصناع السوق فيها. ان صناع السوق عندما يقومون وبصورة يومية بتحديد اسعار البيع والشراء للاسهم فانهم بحاجة للتعرف على العوامل المؤثرة على السعرين، مما يعني توفر الكثير من البيانات المالية حول هذه الاسهم واسواق الاسهم والانشطة الاقتصادية لكي يصل من ثم الى تحديد السعر الحقيقي للاسهم. وضعف هذا الجانب في اسواق الاسهم الخليجية يعود الى شقين الاول موضوعي ويتعلق بضعف تدفق البيانات المالية المطلوبة من مصادرها الاصلية والثاني ذاتي ويتعلق بضعف القدرات المهنية المحلية المطلوبة لاداء وظيفة صانع السوق. لذلك فان مقدار توفر البيانات يعد محددا رئيسيا لنجاح انشطة صانعي السوق. وعلاوة على اهمية المعلومات فان حجم رأس المال لصانع السوق يعد مهما جدا. ويعتمد حجم رأس المال المطلوب على عدد الاوراق المالية التي يكون صانع السوق مختصا لها وعلى احجام التداول في كل منها وعلى السوق الذي يتم التداول فيه. الا اننا نتوقع ان متطلبات حجم رأس المال، وبالمعايير النسبية، سوف تكون اكبر في اسواق الاسهم الخليجية حيث لا يتوقع تكرار عمليات البيع والشراء لنفس الورقة المالية في نفس الوقت بل في اوقات متباعدة نسبيا مما يعني ان معدل دوران الاستثمار لرأسمال صانع السوق في هذه الاوراق سوف يكون ابطأ مقارنة بالاسواق المتقدمه. اضافة الى ما ذكر، تبرز اشتراطات موضوعية هامة اخرى لنجاح وظائف صناع السوق وهي توافر الضوابط واللوائح التي تحمى اطراف عملية التداول اهمها هنا تلك الخاصة بمنع المتاجرة بناء على معلومات غير متاحة للاخرين Insider Trading وكذلك تهيئة الاليات الضرورية التي تجعل صناعة السوق ممكنة. وعلى سبيل توفير آلية تسمح لصناع السوق باقتراض الاسهم المباعة بيعا سالبا (بيع ورقة لا يملكها) من اطراف تملكها لاجل محدد ومقابل كلفة محددة لاتاحة الوقت الكافي لشراء الورقة فيما بعد والوفاء بالتزامه نحو مقرض الورقة. وتبرز اهمية هذه الآلية بصورة خاصة بالنسبة لاسواق الاسهم الخليجية حيث لا يتوفر العمق الكافي فيها الذي يمكن صانع السوق من ان يشتري فورا ما باعه بيعا سالبا. ويعتبر توافر آلية اقراض واقتراض في أي سوق من العوامل التي تزيد من سيولة الاسواق ونشاط التداول فيها، لذلك فان توفر دور نشط لصناع السوق سوف يشجع المستثمرين من المؤسسات Institutional Investors على التداول النشط في السوق لانهم واثقون من وجود عروض توفر اسعار مزدوجة للبيع والشراء وبصورة دائمة، كذلك فان نجاح وظائف صناع السوق ترتبط بتوفير مراكز الايداع والتمويل لتسهيل عمليات تحويل الملكية والاقراض او الاقراض او الحفظ نيابة عن المستثمرين. ولقد برز في السنوات الاخيرة اتجاه لدمج وظيفتي الدلال وصانع السوق. ان هذا الاتجاه اصبح اتجاها عالميا سائدا مع وضع نظام رقابي يفصل بين الوظيفتين تجنبا لمشكلة تناقض المصالح بين الوسيط والمستثمر كما هو حاصل حاليا في العديد من الاسواق المالية المتقدمة. ان اهمية وظائف صانعي السوق اكتسبت اهمية اكبر خلال الفترة الاخيرة بعدما شهدناه من اضطرابات وعدم استقرار في اسواق الاسهم الخليجية سواء بفعل عوامل ذاتيه او موضوعية، حيث اتجهت اسعار الاسهم نحو تقلبات غير مفهومة احيانا، لعبت فيها المضاربات والعوامل الفنية للمستثمرين دورا كبيرا. ومن اجل تخليص التحركات السعرية من العوامل غير المفهومة وغير المنطقية، وجعلها اكثر استنادا الى عوامل مفهومة (العوامل الاساسية للاقتصاد واداء الشركات المساهمة والعوامل الفنية للسوق) فانه من المطلوب بالفعل تطوير وتنشيط دور صانعي السوق في اسواق الاسهم الخليجية.