تتفاوت المستويات المهنية في العالم من بلد الى آخر، وتعتبر الولايات المتحدة الاميركية الاكثر تنظيماً وتقدماً في هذا المجال، من حيث شمولية المعايير المحاسبية والتدقيقية واجراءات الرقابة والاشراف الذاتي، على التقيد بها، وتشمل البيئة المحاسبية فيها مجلساً يضع معايير المحاسبة ويطورها، واخر يضع معايير التدقيق، وهيئة اوراق مالية هي الاقوى في العالم، ولها سطوة على الشركات العامة وتزخر بالمهنيين المهرة والخبراء. اما في بريطانيا فان مهنة المحاسبة تعمل في بيئة اقل شمولية لجهة المعايير المحاسبية، وفيها مؤسسة غير حكومية مستقلة للرقابة على المهنة غير محكومة بأي تشريع تتمثل فيها المعاهد والجمعيات في بريطانيا وجمهورية ايرلندا، وهدفها المحافظة على مستوى المعايير وتقويتها، وعلى آداب السلوك المهني، وينطوي تحت مظلتها مجلس مهمته مراجعة الاجراءات الرقابية والشكاوى والمخالفات للانظمة، ومراقبة الاجراءات لخدمة مصالح الجمهور ، ومجلس ثانٍ لمعايير واعراف التدقيق لتقوية ثقة الجمهور في عمليات التدقيق وفي نوعية وملاءمة الخدمات من التدقيق، ومجلس ثالث لاداب المهنة والسلوك المهني يضع المعايير الاخلاقية للسلوك المهني، ومجلس رابع مهمته التحقق في قضايا تمس المصلحة العامة للجمهور. وقد تم وضع هذا النظام في بريطانيا بعد سلسلة من الافلاسات لعدد من الشركات الهامة، مثل بنك الاعتماد والتجارة الدولي وشركة ماكسويل وغيرها، والمهم ان العضوية في هذه المجالس لا تقتصر على المحاسبين بل ان عددهم قليل بالنسبة للاعضاء من غير المحاسبين وذلك حتى تعكس نظرة المجتمع وليس نظرة المحاسبين فقط. ويدعي المحاسبون والمنظمون في بريطانيا ان نظامهم كان سيتعامل مع قضية انرون في مهدها وقبل استفحالها. اما على الصعيد الدولي فان معايير المحاسبة الدولية والمعايير الدولية للتدقيق معتمدتان كمعايير وطنية في عدد من الدول في العالم، كما ان عدداً من الدول قد طورت معايير وطنية معتمدة على المعايير الدولية. صحيح ان المعايير المحاسبية الدولية تعطي بدائل في المعالجات المحاسبية غدت الان محدودة، وان هنالك توجها قويا الى الغائها في المستقبل، الا انها تبقى معايير واضحة تستند الى الجوهر فوق الشكل، اي ان الجوهر الاقتصادي هو الاساس في المعالجة المحاسبية وليس الشكل القانوني. ومن جهة ثانية فان المعايير الدولية للتدقيق تعتبر متطلباتها اشد من المعايير الاميركية او الانجليزية. هذا بالاضافة الى معايير دولية موضوعة لاداب السلوك المهني. وكمحصلة فان الاطار العام للمباديء المحاسبية اعلاه متشابه وهو يستند الى الادب المحاسبي السائد في الدول الانجلو ساكسونية. الانهيار الكبير لقد كان غريبا ان تنهار شركة انرون العملاقة في بيئة محاسبية تعد الاكثر تنظيماً في العالم، وكان انهيارها في اواخر العام 2001 كارثة اصابت الاسواق المالية نظراً لاهمية هذه الشركة في صناعة الطاقة وللسرعة التي هوت فيها ووضعت نهاية لمرحلة محاسبية مضت ومرحلة محاسبية وتنظيمية بدأت. خصوصاً وان الانهيار جاء مباشرة بعد احداث سبتمبر في نيويورك وواشنطن في الولايات المتحدة الاميركية، وتقدر الخسائر من هذه الاحداث بأكثر من مئة مليار دولار اميركي. لقد كانت هذه الشركة العملاقة التي لا يتجاوز عمرها 16 عاما واحدة من حالات الافلاس الدرامية في الولايات المتحدة الاميركية، واكبرها حجماً، واكثرها مضاعفات على البيئة التنظيمية والمحاسبية، فقد بلغ مجموع موجوداتها حوالي 60 مليار دولار ومطلوباتها حوالي 50 مليار دولار وحقوق مساهميها حوالي 10 مليارات دولار وصافي ارباحها المعلنة اكثر من مليار دولار في السنة الاخيرة. ولم تكن المشاكل في الشركة معقدة فحسب بل كانت حادة وخطيرة وفيما يأتي بعض الاشارات الهامة عن هذه المشاكل: ـ اعترفت الشركة بانها ضخمت ارباحها، فقد قامت بتعديل بياناتها المالية المدققة وتقديم بيانات مالية معدلة لهيئة الاوراق المالية، مما ادى الى اتهام مدققي حساباتها بأنهم وافقوا على المعالجات المحاسبية التي ابتدعتها الشركة، وبالتالي اظهار معلومات خاطئة ومضللة لمستخدمي البيانات المالية. ـ كان على الشركة ديون مستحقة التسديد مقدارها 9 مليارات دولار ولا تتجاوز السيولة المتوفرة لديها ملياري دولار. ـ دخلت الشركة في عقود اجلة لمشتقات مالية مرتبطة بالطاقة لم يتم الافصاح عنها او معالجتها بشكل مناسب. ـ هنالك حسابات خارج الميزانية العامة ظهر فيما بعد انها تشمل مطلوبات على الشركة غير معلنة بمبلغ يزيد عن مليار دولار. ـ اسست وحدات لاغراض خاصة (SPEs) تدار من قبل موظفين وكانوا يتقاضون مكافآت كبيرة منها. ـ النمو السريع في موجوداتها وارباحها اذا اصبحت الشركة السادسة من حيث الحجم في امريكا وذلك خلال عقد ونصف من الزمن وهي فترة قياسية. ـ فشلت عملية انقاذ لها كانت تحاول القيام بها مع شركة منافسة لها. وقد تعرضت الشركة بعد انهيارها الى مطالبات وقضايا ضخمة، ويتهمها الموظفون بانها اضاعت وظائفهم ومدخراتهم واموال تقاعدهم، وانها جمدت حساباتهم لمنعهم من بيع الاسهم، وانها ضللتهم في حساباتها وفي قرارات مجلس ادارتها. في حين يتهمها الدائنون بانها اضاعت ديونهم، والمساهمون بانها اضاعت استثماراتهم، وهيئة الاوراق المالية بانها قدمت لها معلومات غير صحيحة. وتجري وزارة العدل الاميركية تحقيقاً جنائياً في اسباب انهيار الشركة وقد قام البيت الابيض والكونغرس الاميركي باجراء الاستفسار والتحقيق في اسباب انهيار الشركة. وكان السؤال المطروح هل اغرقت المطلوبات غير المعلنة الظاهرة خارج الميزانية العامة هذا العملاق الاميركي في يمٍ لا قرار له؟ لا شك ان انهيار انرون، بعد فترة قصيرة من احداث سبتمبر في اميركا، كان له اثر هائل على مهنة المحاسبة والاسواق المالية، وعلى جهات الرقابة الحكومية مما ادى الى زعزعة ثقة الاميركيين في سلامة البيئة المحاسبية والتنظيمية والاستثمارية، وفي مقولة ان هذه البيئة هي الافضل في العالم. هنالك من يقول في اميركا انه في غمرة هذا الحجم الكبير من المعايير المختلفة فان مثل هذا المناخ يصبح مرتعاً لممارسة اجتهادات مهنية خاطئة سواء عن قصد او بدون قصد، ومنها المعالجات المحاسبية للوحدات ذات الاغراض الخاصة (SPEs) والتي لم يتم توحيدها في البيانات المالية للشركة بل بقيت خارج الميزانية العامة وكذلك معالجة المشتقات المالية، وانه في خضم هذا التعامل بالتفاصيل والمتطلبات المتعددة فقد حادت الانظار عن الكرة، كما يقال، وكانت النتيجة ان البيانات المالية التي تم توصيلها لمستخدمي البيانات المالية لم تكن ملائمة بل مضللة. ويمكن ان تعزى هذه الكارثة الى اسباب عديدة منها مشاكل في: التحكم المؤسسي من حيث فقدان النزاهة والشفافية والمسآلة، وعمليات بخسائر فادحة لم يتم اظهارها في وقتها ومعالجات محاسبية خاطئة للوحدات ذات الاغراض الخاصة، وللمشتقات المالية المرتبطة بعقود اجلة للطاقة، والنقص في الافصاحات المطلوبة، وفي مطلوبات على الشركة غير مسجلة، وفي ضعف في ادارة المخاطر المالية كل ذلك ساهم في اخراج بيانات مالية غير متفقة مع واقع الحال. وبطبيعة الحال فان استغلال الثغرات في معايير المحاسبية المتعارف عليها في الولايات المتحدة الاميركية، والاجتهادات والممارسات المحاسبية الخاطئة وعدم فعالية البيئة التنظيمية والرقابية بالنسبة لهذه الحالة هي من العوامل الاخرى التي ساعدت على حجب الصورة الصادقة للوضع المالي ونتائج اعمال الشركة عن الاطراف المستخدمة للبيانات المالية. علماً بأن عدداً من المسئولين الكبار في هذه الشركة كانوا اصدقاءً لكبار المسئولين في الحكومة وفي الكونغرس الاميركي، وقد ساهمت الشركة في الحملات لعدد من المرشحين في الانتخابات العامة. ويجدر ان اذكر هنا عاملا هاما، وهو ان اهتمام المسئولين في شركة انرون قد انصب على متطلبات الاسواق المالية، من اجل المحافظة على سعر السهم، دون التركيز على المتطلبات الاخرى، وقد ساهم هذا الامر في تعثر اوضاع الشركة المالية. ولعل قيام المسئولين في الشركة بتسييل اسهمهم في الشركة قبل مدة من انهيارها ومنع موظفيهم من القيام بهذا الامر، مما جعل قيمة الاسهم التي بحوزة الموظفين تتبخر، هو مثال على مستوى النزاهة لدى المسئولين في الشركة. تداعيات الانهيار ان انهيار انرون قد فجر انتقادات من عدة جهات في الولايات المتحدة الاميركية، من اجل معرفة الاسباب والمضاعفات واستيعاب الدروس منها، وعلى رأس هذه الجهات البيت الابيض الذي دعى الى استعادة ثقة المستثمرين بالبيانات المالية وكذلك الكونغرس الاميركي وهيئة الاوراق المالية ومجلس معايير المحاسبة المالية وغيرها. وكان لانهيارها اثار متعددة الانعكاسات على المناحي التالية: اولها: المعايير الموضوعة ومدى ملاءمتها وفعاليتها من النواحي المحاسبية والتدقيقة والاخلاقية. تتعرض معايير المحاسبة الاميركية الان الى انتقادات جمة، باعتبار انه بالرغم من شموليتها، والتخصصات التي تعالجها تنطوي على بعض العيوب فيها، وان البيانات التي تعد بموجبها لا تعكس احياناً الوضع المالي ونتائج الاعمال بصورة صادقة وعادلة. ويساق في هذا المجال موضوع الوحدات ذات الاغراض الخاصة التي تؤسس في الولايات المتحدة الاميركية كهيكلية محاسبية ذاتية، وتسمح المعايير المحاسبية الاميركية في عدد من الحالات ابقاءها خارج البيانات المالية للشركة بدلاً من توحيدها مع البيانات المالية وادخال موجوداتها ومطلوباتها ونتائج اعمالها في حسابات الشركة الام. ان موضوع توحيد البيانات للوحدات ذات الاغراض الخاصة مع بيانات الشركة الام هو امر محسوم في معايير المحاسبة الدولية فقد اصدرت لجنة تفسير المعايير الدولية قراراً في العام 1998 يحدد بالتفصيل الاوضاع والشروط اللازمة لتوحيد هذه البيانات اخذة في الاعتبار ان المعاملات المالية تعالج محاسبياً على اساس جوهرها وحقيقتها الاقتصادية وليس على اساس شكلها القانوني، وقد حددت اللجنة المذكورة النواحي التي يجب مراعاتها عند اعتبار عملية التوحيد وهي: النشاطات، اتخاذ القرارات، المنافع والمخاطر