في اطار بحثنا في كيفية مواجهة ومعالجة ظاهرة الارهاب عامة والارهاب الاقتصادي خاصة تناولنا في الحلقة الماضية الدور الذي يمكن أن تمارسه، أو تقوم به الأنظمة الحاكمة في مواجهة ظاهرة الارهاب على الصعيد المحلي من خلال سياسات واجراءات محلية كي لا تستفحل هذه الظاهرة وتصبح هذه الدولة أو تلك مصدرة لظاهرة الارهاب وتتحمل النتائج الوخيمة، في هذه الحلقة نتناول دور الدول الصناعية في مواجهة هذه الظاهرة باعتبارها السبب المباشر لها وان هذه الظاهرة هي من صنيعة الدول العظمى. ويجعلنا الزلزال الذي تعرضت له الولايات المتحدة في سبتمبر 2001 وهز العالم بما فيه العالم الثالث نؤكد بأن العالم يتجه وبشكل سريع نحو القرية الصغيرة، وان دول العالم تتأثر بأي أزمة اقتصادية أو سياسية أو طبيعية. إن أي جزء في العالم مهما كان محصنا لابد وان يتأثر بأي بشكل مباشر أو غير مباشر بتلك الأزمات الأمر الذي يفرض على كافة دول العالم أن تعمل سويا على مواجهة الارهاب والارهاب الاقتصادي على وجه الخصوص، وان يتأكد لجميع دول العالم بما فيها الدول الصناعية بأنها ليست بمعزل عن انعكاسات وتداعيات الارهاب الذي هو في حقيقة الأمر من صنيعة الدول الصناعية أولا والمنظمات الاقتصادية التي تسير في فلكها قبل أن يكون من صنيعة أنظمة سياسية فاسدة جاء البعض منها منصبا من قبل الدول الصناعية ذات النزعة الاستعمارية. ومن هنا فإن الدول الصناعية أصبحت مطالبة اليوم بتحمل مسئولية ما زرعته وما صنعته من خلال اجراءات وسياسات ورؤى تسند إلى التالي: ـ يجب على الدول الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية والتي تتهم دولا معينة برعايتها للارهاب والارهابيين ان تدرك جيدا بأنها هي السبب الرئيسي في وجود الارهاب الاقتصادي والراعية له وبالتالي فإن عليها مراجعة سياساتها الاقتصادية والسياسية على رؤية تكاملية في المصالح وفي الحق بالعيش بأمان وسلام لجميع شعوب الأرض وتوفر العدالة الحقيقية بين العالم الصناعي والعالم النامي، وان تعلن رفضها القاطع ونبذها الأكيد لسياسة الاستعباد لشعوب العالم الثالث خاصة ومصادرة حقوقهم الإنسانية ونهب ثرواتهم والاستخفاف بحضارتهم وأحقية وجودهم بالعيش على وجه هذه البسيطة. من ناحية أخرى يجب أن تعترف الدول الصناعية بأن حضارتها وتقدمها الصناعي والاقتصادي قد قام بالأساس على حصدها لخيرات شعوب العالم الثالث وعلى حساب تلك الشعوب التي كابدت الفقر والتخلف والصراع والعنف فيما تنعم شعوب العالم الصناعي بالنعيم والاستقرار، كما عليها أن تعترف بأن ما حدث في سبتمبر للولايات المتحدة قد يحدث لدول أخرى بعد أن تفاقمت الأزمات في العالم الثالث وهذا يشكل رد فعل طبيعي من قبل شعوب عالم قد عانت من اضطهاد الرأسمالية العالمية الغربية اقتصاديا واجتماعيا وعسكريا كما يعتبر ذلك تعبيرا صريحا لرفض شعوب العالم الثالث للتبعية الاقتصادية المطلقة التي تمارسها الدول الرأسمالية الاستعمارية، ومن هنا فإن الدول الصناعية هذه يجب أن تتحمل العبء الأكبر وتتحمل المسئولية الأعظم عن معالجة واستئصال ظاهرة الارهاب الاقتصادي في العالم بأسره والعالم الثالث خاصة. ـ يجب أن تدرك الدول الصناعية وخاصة الولايات المتحدة أن الارهاب والعنف العسكري والحصار العسكري والضربات العسكرية الموجعة لن تعالج الارهاب ولن تعمل على استئصاله وبالحوار القائم على أساس التعاون المشترك وبالأساليب المرنة والسليمة يمكن اجتثاث جذور الارهاب بصوره وأشكاله المختلفة، فالعنف لا يولد سوى العنف والارهاب لا يولد سوى ارهاب أعنف وأقسى من قبل. وإن العدالة الاجتماعية والتعاون الاقتصادي والتنمية الشاملة أسباب وعوامل كفيلة باستئصال هذا الورم الخبيث المسمى بالارهاب! ـ إن وجود نظام اقتصادي ومالي مبني على أساس المصالح المشتركة وأحقية شعوب العالم بما فيها شعوب العالم الثالث بالعيش بأمان وسلام واستقرار اقتصادي واجتماعي وأمني ثم نبذ ما يسمى بصراع الحضارات وأحقية الحضارة الغربية بالهيمنة والسيطرة على باقي حضارات العالم إنما يشكل ذلك سبيلا مهما نحو استئصال ظاهرة الارهاب من العالم وجعله أكثر استقرارا وأمنا. ـ يجب على الدول الصناعية ادراك ان قيادتها للاقتصاد العالمي وحجم مساهمتها في المؤسسات الاقتصادية العالمية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لا يعطيها الحق في التفرد بالقرار الاقتصادي واستخدام تلك المؤسسات كذراع للسيطرة على العالم ومصادرة حقوق البشر وخنق دول العالم وخاصة دول العالم الثالث لمنعها من محاولات التحرر والاستقلال الاقتصادي والاعتماد على ذاتها واستغلال مواردها بما يخدم أهداف التنمية فيها. ومن هنا فإن رفع وصايتها وهيمنتها على العالم وسيطرتها على المنظمات الاقتصادية ثم دعوة تلك المنظمات للقيام بدورها دون وصاية أو هيمنة إنما يعد ذلك أمرا مهما في معالجة الأوضاع الاقتصادية التي دوما ما تكون سببا للانفجارات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية في العالم بأسره. ـ يجب أن تدرك الدول الصناعية بأن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية سواء تلك الواقعة في محيط دولها أو تلك المتواجدة في مختلف دول العالم سوف تكون مهددة ومعرضة للتخريب والتدمير ما لم تعد رسم سياساتها الاقتصادية والتجارية والسياسية مع دول العالم ولا سيما دول العالم الثالث وعقد مصالحة حقيقية مع شعوب العالم الثالث من خلال مساعدتها وتقديم العون اللازم لتلك الدول والشعوب في تحقيق تنميتها الاقتصادية، كما يجب أن تدرك الدول الصناعية ان نمو اقتصادها مرهون في جزء منه من خلال الطلب على سلعها ومنتجاتها من قبل دول وشعوب العالم الثالث وهذا الطلب لن يتحقق في ظل تراجع وضعف القوة الشرائية لدى هذه الشعوب. ـ يجب على الدول الصناعية الكبرى أن تكون نظرتها إلى العالم عامة والعالم الثالث خاصة نظرة تكاملية وذلك في اطار تجسيد أو ترجمة أهداف العولمة الاقتصادية التي هي من وحي فكر غربي. وفي هذا الاطار يجب على الدول الصناعية أن تعيد صياغة فكرة العولمة وأهدافها وآلياتها بحيث تنسجم مع المصالح المشتركة لدول وشعوب العالم دون أن تنفرد بترجمة هذه العولمة لصالحها. ولعل في الاضطرابات والتظاهرات الحاشدة والتصادمات القوية التي تحدث بين مناهضي العولمة وقوات الأمن في الدول التي تعقد فيها اجتماعات منظمة التجارة العالمية أو منتديات ومؤتمرات العولمة الاقتصادية انما هي دليل قاطع على ما سوف يشهده العالم من ارهاب دموي ما لم تراجع دول الغرب أهداف العولمة وقبلها منظمة التجارة العالمية بحيث تخدم أهداف مختلف دول وشعوب العالم كي يعيش الجميع في أمان بمن فيهم شعوب دول الغرب أنفسهم! ـ يجب على دول العالم الصناعي أن تساعد شعوب العالم الثالث للخروج من محنتها الاقتصادية وأزماتها السياسية باعتبار ان تلك المحن والأزمات هي من مخلفات مرحلة استعمارية طويلة مارستها دول العالم الصناعي نفسها، كما ان الأنظمة السياسية الفاسدة المهيمنة على شعوب العالم الثالث هي سبب من أسباب التخلف الاجتماعي والاقتصادي الذي تعاني منه تلك الشعوب وهي من صنيع الدول الاستعمارية نفسها. ومن هنا فإن من مسئولية دول العالم الصناعي مساعدة شعوب العالم الثالث من خلال الضغط على تلك الأنظمة الفاسدة لمراجعة سياستها تجاه شعوبها، ثم تقديم العون الفني والمادي لدول وشعوب العالم الثالث من أجل تحقيق نهضتها والخروج من أزماتها ولا سيما الاقتصادية منها ومساعدتها في معالجة أوضاعها السياسية والأمنية والاقتصادية وارساء دعائم العدالة والديمقراطية في تلك الدول وهذه السياسة احدى وسائل استئصال الارهاب الداخلي قبل استفحاله ليصبح ارهابا دوليا. ويمكن هنا أن نحدد بعضا من أشكال المساعدة والعون الذي يمكن أن تقدمه الدول الصناعية لدول العالم الثالث وذلك في اطار تعهداتها الدولية والتزاماتها الأخلاقية تجاه شعوب العالم الفقيرة والنامية: ـ دعم مشاريع التنمية في دول العالم الثالث والضغط على حكوماتها ولا سيما الفقيرة منها نحو توظيف دخولها في مشاريع التنمية، ثم مطالبة هذه الحكومات بمعالجة الفساد ومشاكل الفقر والجوع المدقع واخراج هذه الشعوب من دائرة الفقر كخطوة أولى في مواجهة الارهاب الاقتصادي. ـ مطالبة الدول الصناعية لصندوق النقد الدولي بادخال اصلاحات هيكلية فعلية في اطار معالجة الاختلالات الكبيرة في موازين مدفوعات دول العالم الثالث، ثم اصلاح سياسات أسعار الصرف واقرار سياسات نقدية تفضي إلى تحقيق الاستقرار النقدي ثم الاقتصادي، كما تقوم بمطالبة البنك الدولي بتقديم قروض مساعدة مع ارشادات نافذة لحكومات الدول الفقيرة من أجل احداث اصلاحات جذرية في هياكل الانتاج واصلاحات عامة في اقتصاديات تلك الدول. ـ أن تقوم الدول الصناعية بترجمة حقيقة حرصها وجديتها في معالجة سرطان الارهاب الاقتصادي في دول العالم الثالث من خلال الكف عن خلق الأزمات الداخلية والاقليمية في دول الجوار، ثم عدم الزج وإقحام دول من العالم الثالث في حروب أهلية واقليمية بهدف تسويق أسلحتها ويجب أن تعمل على نزع فتيل الحروب والأزمات تلك كي لا تصبح الحروب والأزمات حاصدة للإنسان والزرع والمال ومسببة للفقر والعنف والارهاب. ـ أن تقوم الدول الصناعية بفتح أسواقها أمام منتجات وصناعات دول العالم الثالث ورفع القيود أمام صادرات هذه الدول ليتم تسويقها في أسواق الدول الصناعية، مع الغاء أو تخفيف الرسوم الجمركية وازالة العراقيل أمام تلك الصادرات مع ضرورة دعم حكومات الدول الصناعية ثقة أسواقها في منتجات وصناعات دول العالم الثالث بهدف انتشارها. ـ ضرورة أن تتعاون الدول الصناعية مع حكومات دول العالم الثالث في معالجة المعضلات والمشاكل الاقتصادية ومنها البطالة التي أضحت كابوسا حقيقيا يهدد حكومات دول العالم ولا سيما الثالث، وتعرض مشاريع التنمية للتخريب وتشكل تهديدا مباشرا للأوضاع الاجتماعية والأمنية والاقتصادية في مختلف دول العالم. ـ أهمية قيام الدول الصناعية بالايعاز للمنظمات الدولية المعنية بالتنمية البشرية والاقتصادية وتحت رعاية الأمم المتحدة بمعالجة المآسي والمعضلات التي يعاني منها المجتمع الدولي ومنها ظاهرة الفقر بحيث تشارك مختلف الدول الغنية والفقيرة في الجهود الرامية للقضاء على هذه الظاهرة ويتم ذلك من خلال خطة طويلة الأجل تقوم المنظمات الدولية بجمع التبرعات والاعانات والمساعدات الدولية من الدول الغنية وتوظيفها في مشاريع التنمية الانتاجية لتخدم من خلالها الشرائح الفقيرة سعيا لاجتثاث معضلة الفقر وبالتالي الارهاب الاقتصادي الدولي. ـ أهمية قيام الدول الصناعية وفي اطار سعيها الدؤوب في معالجة أسباب الارهاب الاقتصادي بتخفيف أعباء المديونية الخارجية على دول العالم الثالث ولا سيما الفقيرة أو تلك غير القادرة على السداد ويتم ذلك من خلال اعفاء الدول المدينة من تلك الديون المتراكمة أو اعفائها من جزء منها وبجدولة الجزء الآخر منها لآجال طويلة، بحيث يتم ذلك باشراف صندوق النقد الدولي وناديي باريس ولندن شريطة أن يكون هناك برنامج يتم بموجبه تحقيق اصلاحات اقتصادية في الدول المدينة. ـ أهمية قيام الدول الصناعية بتكثيف استثماراتها ومنها الاستثمارات في مجال التكنولوجيا في دول العالم الثالث خاصة في تلك التي تعاني من عزلة العالم لها من حيث عدم وجود استثمارات أجنبية فيها بالرغم من الفرص الاستثمارية فيها، مع أهمية قيام الدول الصناعية أيضا بتخفيض أسعار السلع الوسيطة وخاصة الصناعية والتي تحتاج لها دول العالم الثالث لدعم نشاطها الانتاجي والصناعي. ـ أهمية قيام المؤسسات الدولية والدول الصانعة للانترنت بوضع برنامج لتمويل مشاريع نشر الانترنت والتقنية في دول العالم الثالث لتقليص الفجوة الرقمية بين الدول الصناعية والغنية والدول الفقيرة والنامية باعتبار ان التوسع في نشر الانترنت إنما يساهم في معالجة الجهل والفقر ويقلل من العزلة بين الطرفين، ثم من شأن الانترنت أن تقلص الهوة الاقتصادية وتحفز الانتاجية والتنمية الاقتصادية وانتشار التعليم والوعي بين شعوب العالم، والتعريف بالتطورات الاقتصادية العالمية والمتغيرات المستجدة في الساحة العالمية، وتعزز العلاقات التجارية والتجارة الالكترونية بين مختلف شعوب العالم، وتلغي التمييز العنصري ومشاعر الخوف بين الشعوب الإنسانية، وبالتالي فإن ذلك يخفف من حدة المشاعر السلبية والرغبة في الانتقام والتطرف ويلغي النزعة في ممارسة الارهاب والعنف والانتقام ضد الشعوب والدول، وتلك المعالجة من شأنها أن ترسي دعائم المحبة بين الشعوب والمجتمعات والاستقرار والتنمية في الدول. ـ أهمية أن تستفيد الدول الصناعية والمنظمات الدولية وحكومات دول العالم الثالث من الأزمات التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي والمجتمع الانساني عامة وتترجم هذه الاستفادة إلى العمل سويا نحو رسم سياسة اقتصادية قائمة على أساس القرارات الاقتصادية الاستراتيجية المشتركة، ثم تعاون كامل في احداث تنمية اقتصادية وبشرية بدول العالم الثالث والنهوض بالمجتمعات الفقيرة والنامية من خلال احداث تنمية مستدامة تؤكد البعد الانساني والاخلاقي في التعاون والعيش المشترك. ـ أهمية وجود اتفاقيات اقتصادية وتجارية ثنائية كانت أم جماعية بين دول العالم الثالث وترجمتها إلى ممارسات على أرض الواقع من خلال حركة الأيدي العاملة ورؤوس الأموال والسلع والمنتجات وتكثيف الاستثمارات فيما بين دول العالم الثالث. ـ أهمية أن تساهم الشركات الأجنبية العاملة في دول العالم الثالث في معالجة مشاكل البطالة والفقر من خلال خلق فرص عمل والاستثمار في الموارد البشرية والطبيعية بما يخدم أهداف التنمية بهذه الدول ويخفف الأعباء والمشاكل التي تعاني منها وتحقيق الاستقرار المطلوب. ـ إن تعاون الدول الصناعية مع دول العالم الثالث في تحفيز معدلات النمو الاقتصادي وتحسين الظروف المعيشية لأبناء هذه الدول والتعاون مع حكوماتها في احداث تنمية اقتصادية حقيقية انما يشكل ذلك عاملا مهما في نمو الدخل الكلي لدول العالم الثالث وهذا من شأنه أن يخفف من حدة الفقر الذي تعاني منه شعوب هذه الدول