انتهى منتدى البحوث الاقتصادية للدول العربية وإيران، وتركيا مطلع الأسبوع الجاري من إعداد التقرير السنوي له الذي يتناول الإتجاهات الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عام 2002. وقالت الدكتورة هبة حندوسة المدير التنفيذي للمنتدى أن أداء اقتصادات دول المنطقة في العقدين الأخيرين كان مخيبا للآمال حيث انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي بمعدل 1% سنويا معربة أن هذا المعدل أسوأ من أي من معدلات المناطق النامية الأخرى عدا جنوب أفريقيا. وذكرت هبة أنه بالرغم من توقف إنخفاض دخل الفرد في التسعينات إلا أن معدل زيادته مقارنة بنصيبه في الناتج المحلي تقدر بحوالي 1% سنويا. وأشارت المدير التنفيذي لمنتدى البحوث الاقتصادية إلى أنه فيما عدا منطقة أميركا اللاتينية والتي تأثرت سلبا بأداء اقتصاد البرازيل والذي يعتبر أكبر اقتصاد فيها ، ومنطقة جنوب الصحراء في أفريقيا ، فإن دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ظلت تنمو بمعدلات بطيئة مطلع العام 2000 بالنسبة لأي منطقة أخرى في العالم. وبين التقرير السنوي أن نتائج النمو السلبي والمنخفض أثرت على العنصر البشري في دول المنطقة وفي حالة استبعاد الدول الغنية بالنفط الاعضاء في دول مجلس التعاون الخليجي لأصبح متوسط معدل البطالة نحو 25% مما يجعله ثاني أعلى معدل للبطالة في العالم على مستوى الأقاليم مشيرا إلى أنه في العديد من الدول منها إيران، وسوريا وليبيا ، واليمن فإن أكثر من ثلث القوة العاملة تعاني من البطالة، وان كان معدل البطالة لا يزال منخفضاً نسبيا في دول مجلس التعاون الخليجي ولا يتعدى 5% إلا أنه قد بدأ في الزيادة. وأشادت حندوسة بما حدث للمنطقة من حيث التوسع في فرص الحصول على التعليم ففي الفترة من 1960 إلى 1990 إرتفع متوسط مستوى التعليم إلى 140% وهو معدل لم تشهده أي منطقة أخرى في العالم كما أن مستويات الأمية أخذت بالإنخفاض الشديد خاصة وأن هذا الاستثمار في رأس المال البشري يحمل في طياته زيادة جوهرية في الإنتاجية. وتوقع التقرير أن يزيد عدد الفقراء في الدول النامية بحوالي 10 ملايين فقير عن الرقم الذي كان متوقعا لعام 2002 مؤكدة أن دول المنطقة ستتأثر بشكل كبير بالأحداث الأخيرة إلا أن تأثير صدمة أحداث 11 سبتمبر وسرعة الخروج منها سيخضع لطبيعة كل سوق وكيفية معالجة الأزمة من قبل واضعي السياسات كما توقع أن تنخفض معدلات النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى الحد الأدنى لتتراوح بين 0.5% إلى 0.75% بينما حققت المنطقة معدل نمو قدره نحو 3.8% و3.6% في المتوسط في 2001 و2002 وهي معدلات أقل مما كان متحققا عام 2000 والذي أقترب في المتوسط من40%. وحول تقييم الأداء الكلي وعدم الاستقرار بالمنطقة أوضحت هبة أن اقتصادات المنطقة لا تزال تتأثر بالصدمات الخارجية، والداخلية، وتعاني من عدم استقرار أسعار الصرف، ونجد أن معظم دول المنطقة لديها نظام سعر صرف ثابت «مثل معظم دول مجلس التعاون الخليجي، والأردن، ولبنان، وسوريا، والمغرب» وهناك 6 دول فقط تعتمد إلى حد ما على قوى السوق في تحديد سعر الصرف لافتة أن في مصر والسودان، وتونس، واليمن يسود بها نظام سعر الصرف الثابت، أو نظام سعر الصرف المتغير داخل هامش معين له حد أقصى وحد أدنى علما أننا نجد أن العملة اللبنانية ربطت عملتها بعملة أخرى بينما تتأرجح تركيا بين النظام الثابت والمرن. وسجل التقرير الذي يستفيد من بيانات ومعلومات صندوق النقد الدولي الأونكتاد والبنك الدولي، الاسكوا والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي أنه لا تزال معدلات الأدخار، والاستثمار منخفضة في دول هذه المنطقة مقارنة بالدول النامية الأخرى إلا أن كثيراً من دول المنطقة بدأت تشجع تدخل القطاع الخاص في كثير من القطاعات الاقتصادية، والبنية التحتية، والإتصالات، والصناعة علما أن الحجم الكبير للقطاع العام في بعض دول المنطقة والذي يصل إلى 60% من الناتج المحلي الاجمالي ومستوى التشغيل يمثل عبئا على النمو في المنطقة وذلك لأن المؤسسات الحكومية تعاني من ضعف شديد في الإنتاجية مقارنة بمثيلاتها في القطاع الخاص. ولفت المنتدى إلى أن كثيراً من حكومات المنطقة حاولت أن تقوم بعملية خصخصة للمؤسسات أو أن تخفض عدد العاملين أو تقدم بعض الحوافز من أجل تحسين الأداء إلا أن هذا الجهد لايزال ضعيفا ويفتقد إلى الإرادة الجادة حيث تمثل الاستثمارات الخاصة بين 40% إلى 45% من إجمالي الاستثمارات في المنطقة ويعتبر هذا المعدل أقل من أي معدل في المناطق الأخرى علاوة على أن الجزء الأساسي لهذه الاستثمارات كان في صورة أصول ثابتة مثل الاستثمار العقاري دون الصناعي والخدمات القابلة للتصدير. واعتبرت هبة لكي تصبح الشركات الخاصة قاطرة للنمو فعلى الحكومات أن تضمن حقوق الملكية الفكرية، وتقوم بإصلاحات في النظام القانوني، وتحسين من آليات احترام القوانين وأخيرا تقوم بإصلاحات في القطاع المالي. إلا أنها اعترفت أن هذه الخطوات لن تكون كافية حيث أن الشركات الخاصة في المنطقة تمت تحت رعاية الدولة ولم يكن إزدهارها نتيجة لوجود مناخ تنافسي، ولكن لأنها كانت تعمل في ظل حماية الأسواق الداخلية، أو كانت تأخذ شكل احتكارات تساندها الدولة علما أنه يجب على القطاع الخاص أن يبدأ في رؤية نفسه على أنه جهاز مستقل ويجب أن تسمح وتشجع الحكومة وجود المنافسة في الاقتصاد وعلى المجتمع أن يساند مثل هذا التغيير. وبالنسبة للتحرير المالي والخصخصة ذكر التقرير أن الحالة العامة للمؤسسات المالية في المنطقة مازالت غير جيدة عدا بعض الحالات مما يعوق النمو وتنمية القطاع الخاص فالقطاع المصرفي والذي يعتبر أساسيا من أجل زيادة الاستثمارات والإدخارات يحتاج إلى مزيد من الإصلاحات كما أن خصخصة البنوك العامة يجب أن تتم بصوره أسرع في كل من الجزائر، ومصر، وتونس، وإيران، وسوريا، والبلدان الأخرى. وأفادت حندوسة أنه بصفه عامة أحرزت الخصخصة بعض التقدم خاصة في مصر، والمغرب، وتونس، وبالرغم من ذلك فإن 10% فقط تمت خصخصتها من ما قيمته حوالي 100 مليار دولار من أصول المنطقة والتي كانت الحكومات قد وعدت بعرضها للبيع بالفعل كما كان أداء أسواق المال مختلفا على مستوى المنطقة إلا أن هناك اتجاها عاما نحو الركود نتيجة لأحداث 11 سبتمبر. معربة أنه بعد أن كان تصنيف سوق المال المصري على أنه واحد من أحسن الأسواق عالميا عامي 1994 و1995 فإن هذا السوق أخذ في التباطؤ حتى وصل إلى مستوى أداء منخفض جدا وذلك بعد التباطؤ في عملية الخصخصة وتخفيض قيمة الجنيه المصري أواخر عام 2001. وسجل التقرير إستمرار سوق المال المصري في التباطؤ وذلك لأن أداء الاقتصاد المصري اتسم بالتباطؤ في هذه الفترة وكان الإنخفاض في سوق المال الأردني 30%، وسوق مال لبنان مخيبا للآمال منذ عام 1996 ومازال سائدا على نفس المنوال فالتداول في هذا السوق إنخفض بمعدل مقداره 8.5% سنويا بينما جاءت سلسلة من الإصلاحات في سوق المال التونسي لتزيد من الشفافية والثقة وأدت إلى ارتفاع المؤشر الرسمي للسوق بنسبة 20% العام الماضي إلا أن هذا المؤشر بدأ في الانخفاض مجددا وسجل نقصا قيمته 10%. أما في دول مجلس التعاون الخليجي أشارت المدير التنفيذي لمنتدى البحوث الاقتصادية إلى أن سوق المال السعودي شهد ازدهارا نتيجة لارتفاع أسعار النفط، وانتعش سوق المال الكويتي، ولكن جاءت آثار أحداث 11 سبتمبر سلبية على هذين السوقين، وعلى صعيد آخر فإن دول مجلس التعاون الخليجي بدأت تتجه نحو مزيد من الانفتاح وتتنافس في اجتذاب الاستثمارات الخارجية وتوفير الحوافز لها. وبين التقرير اشتداد المنافسة بصفة خاصة في قطاع الخدمات وتحاول كل من إمارة دبي، والبحرين أن تصبح المركز المالي للمنطقة، وجذب المزيد من السياح بينما بدأت سلطنة عمان في فتح خدمات موانيها للشركات الخاصة، وبالرغم من الأرباح الهائلة التي يمكن تحقيقها في المنطقة إلا أن المستثمرين مازالوا بعيدين عنها، وتتحرك الاستثمارات الأجنبية المباشرة ببطء شديد نحو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولفتت حندوسة إلى أن نصيب مصر من تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة العام الماضي بلغت أعلى نصيب حيث بلغ حوالي 1.2 مليار دولار بينما بلغ نصيب السعودية من رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة 28.8 مليار دولار يمثل أعلى رصيد في المنطقة، علما أن تقييم الملاءة الإئتمانية لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مازالت تفتقد إلى الاستقرار السياسي، والاقتصادي الكامل إلا أن مؤشر مناخ الاستثمار أوضح أن هناك مجالا كبيرا لتحسين الظروف. وحول دور تحرير التجارة ذكر التقرير أنه عدا تركيا وتونس، والأردن فإن نصف صادرات المنطقة مركزة في بعض السلع الأولية، والسلع الزراعية، والموارد الخام، والمعادن ويعتبر البترول الخام هو السلعة الرئيسية في التصدير بالنسبة لدول الخليج وتحاول معظم دول المنطقة التحول من تصدير السلع الأولية إلى تصدير السلع المصنعة ذات المحتوى التكنولوجي الأكبر علما أن كلاً من تركيا وتونس نجحتا في تخفيض نصيب السلع الأولية من إجمالي الصادرات إلى 15% بينما تراوحت هذه النسبة بين 30% إلى 35% في كل من المغرب، ومصر، ودولة الإمارات العربية المتحدة. وحملت هبة دول المنطقة المسئولية عن وضع كثير من العقبات أمام حركة التجارة مقارنة بأي منطقة أخرى فمازالت التعريفات الجمركية مرتفعة والتعريفات غير الجمركية عديدة مما يحجم من فرص تكامل المنطقة مع الاقتصاد العالمي لكن قد تستطيع مجموعة من السياسات في المنطقة أن تؤدي إلى انفتاح أكبر، وبالتالي كما هو مأمول نمو أكبر مثل الشراكة مع الإتحاد الأوروبي، أو الثنائية القطرية. وبين التقرير أنه رغم أن دول مجلس التعاون الخليجي تتمتع بقدر لا بأس به من الانفتاح إلا أن قوانين منظمة التجارة العالمية ستؤدي إلى المزيد منه خاصة فيما يعلق ببعض القوانين التي تنص على ضرورة الاستيراد عن طريق الوكلاء والتجاريين مشيرة إلى أن البحرين ، قامت مؤخرا بتعديل قانون الوكالة التجارية لتسمح للشركات الأجنبية بالاستيراد المباشر للسلع وقطع الغيار وتحاول كل من الأردن، والمغرب، وتونس بجانب دول أخرى زيادة صادراتها إلى الخارج كما تحاول مصر، والأردن والمغرب الضغط على مكوناتها لتخفيض سعر العملة المحلية حتى تصبح سلعهم أرخص ثمنا في الأسواق العالمية. وأشاد المنتدى بوجود كثير من البرامج لتحديث الصناعة المحلية، والخدمات، وأصبحت مسألة التكامل الإقليمي للدول في المنطقة مسألة مهمة إلا أن حجم التجارة البينية بينها تعتبر ضئيلة مقارنة بحجمها مع الدول الأخرى علما أن حجم التجارة بين دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حوالي 3% فقط من إجمالي حجم تجارتها . وبالنسبة لإنتاجية أكبر قطاع الصناعة أشار التقرير إلى أن البيئة الاقتصادية ستختلف جذريا في العقد الحالي عما كانت علية في الثمانينيات والتسعينيات فيما عدا بعض الاستثناءات فإن دول المنطقة تعتبر متأخرة في الإرتقاء بالتنمية التكنولوجية، ومازالت تحاول تحويل الاستثمارات بالقدر الوافي نحو البحث والتطوير لافتا بدور تركيا حيث قامت بتفريع صناعتها نحو الأنشطة الصناعية ذات القيمة المضافة العالية، وتسيطر عمليات تكرير البترول على الصناعة الكويتية، وتأتي هذه الصناعة في المرتبة الأولى بالنسبة لمصر متخطية بذلك صناعة الغزل والنسيج، كما أن عدد الامتيازات الممنوحة في المنطقة لاتزال ضعيفة، كما أن الابتكارات الفنية محدودة جدا في الصناعة. واعترفت حندوسة أن الدول النامية مازالت لم تستوعب فكرة حقوق الملكية الفكرية وتواجه صناعة الأدوية في المنطقة تحديا كبيرا نتيجة للضغوط التي توجه لها للتعامل بشكل متزايد مع نظام حقوق الملكية، لافتا أن هناك عدة مؤسسات حكومية تستطيع أن تيسر من عمليات التحول ولكن لم يكن أداء الكثير منها على المستوى المتوقع.