تمثل الاندماجات بين كبريات الشركات العالمية ظاهرة تحمل بين طياتها الكثير من المحاذير الخاصة بقدرات الشركات العربية على تكوين كيانات قوية بالاندماج، مع بعضها البعض على المدى الزمني المتوسط الأمر الذي يمكن أن يعرض هذه الشركات لعملية ابتلاع من الشركات العالمية الضخمة التي ستفتح أمامها أسواق العالم ولن تتمكن من الصمود أمامها. وتوضح البيانات أن حصة الدول العربية من عمليات الاندماج والتملك العالمية خلال الفترة من 91-97 لم تتجاوز 1.5% ويستأثر القطاع المصرفي بالنصيب الأكبر من هذه الصفقات. وأكدت دراسة قدمت الى المؤتمر العلمي السنوي الثامن عشر بجامعة المنصورة بمصر عن تطوير مناخ الاستثمار في الوطن العربي أن عمليات الاندماج تسير بشكل بطئ في البلدان العربية وبما لا يتناسب ومتطلبات التغيرات السريعة في التجارة الدولية وبالرغم من أن تجارب الاندماج التي تمت تشير الى وجود فرص كبيرة لاقامة شركات عملاقة قادرة على تطوير نوعية الخدمات التي تقدمها وعلى المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية إلا أن معظم هذه النماذج تقتصر على الشركات القائمة في كل بلد عربي على حدة وقليل منها يعد على أصابع اليد الواحدة. وأشارت الدراسة الى أن هذه الظاهرة الهامة لم تأخذ مداها بعد في البلدان العربية، وذلك على الرغم من أهمية الاندماج لمعظم مؤسسات هذه البلدان والذي تسيطر على أسواقها في الوقت الحاضر مؤسسات صغيرة، والتي ستجد نفسها في موقف لا تحسد عليه وسيتم ابتلاعها وتصفيتها وهو ما سيعني تشريد عمالتها وزيادة معدلات البطالة على مستوى البلاد العربية، هذا بالاضافة الى استحواذ الشركات المتعددة الجنسيات على الأسواق العربية وتحقيقها لأرباح من وراء ذلك وانه لن يتم استثمارها في البلاد العربية وإنما في الأغلب الأعم سوف تذهب الى بلادها الأصلية. واستعرضت الدراسة التي أعدتها وفاء شريف من شركة مترو للأوراق المالية بعض القطاعات الانتاجية العربية وأهمها صناعة الأسمنت حيث تسعى شركات الأسمنت الدولية مثل هولد رنبك، لافارج، سيمكس، بلوسيركل وغيرها لاعادة السيطرة على صناعة الأسمنت الدولية والتحكم في أسعار السوق الدولية إلا أنه على المستوى العربي لا يوجد أي تنسيق أو تعاون بين المنتجين العرب للأسمنت على الرغم من كثرة عدد مصانع الأسمنت بالمنطقة العربية وجودة انتاجها فهناك دول عربية تقوم باستيراد الأسمنت والكلينكر ودول أخرى لديها فائص تصديري، وبعض المصانع لديها الخبرة في سوق صادرات الأسمنت والبعض الآخر تنقصه الخبرة والامكانات التصديرية وبعض المصانع تتوفر بالقرب منها موانئ التصدير في حين لا تتوافر أو تبعد عن الكثير من المصانع الأخرى، كما أن معظم المصانع بالمنطقة العربية تعاني من انخفاض نسبة استغلال الطاقة التصميمية، فحالة الاندماج التي تمت في هذا المجال ضعيفة جدا من أمثلتها اندماج المصنع السعودي البحريني، وشركة أسمنت السعودية وأكدت الدراسة أن عناصر القوة لصناعة أسمنت عربية متاحة ولكنها ستضيع اذا ظلت الشركات كيانات منفصلة. كما تشير الدراسة الى صناعة الدواء التي تعد من الصناعات الاستراتيجية بالوطن العربي وتقوم الحكومات بدعمها ماديا حتى تصل منتجاتها الى المواطن العربي بسعر منخفض وأن غالبية المصنعات الدوائية العربية تعاني من عدم حماية الاختراعات الأجنبية فمعظم هذه الصناعات أصحاب براءات الاختراعات فيها أفراد وشركات أجنبية لذلك يتوقع أن ترتفع التكلفة للحصول على حقوق التصنيع المحلي كما سترفع تكاليف استيراد الدواء والمواد الأساسية للصناعة، وحسب دراسة لاتحاد الصناعات المصري فإن بدء سريان اتفاقية التريبس سيدمر صناعة الأدوية في مصر في غضون 5 الى 15 سنة قادمة، ولأهمية البحوث والتطوير في هذه الصناعة فقد تم إنشاء مركز اقليمي للبحوث الدوائية كشركة مشتركة تضم في عضويتها الدول العربية المنتجة للدواء ولكن لم يحدث اندماج يذكر في هذه الصناعة وكمثال السوق المصري فإن إحدى شركات الأدوية العالمية تنفق 5 مليارات دولار سنويا على الأبحاث العلمية فقط بينما في مصر نجد رأسمال 48 شركة أدوية في حدود هذه القيمة، وبالنسبة للاندماجات العالمية في هذا القطاع نجد أن جلاسكو ولكام سميث كلاين بيتشام لصناعات الدواء تم اندماجهما ليشكلا أكبر مجموعة لانتاج الأدوية يليها اندماج شركتا فايزر ووارنر لامبرن مكونين ثاني أكبر مجموعة دوائية في العالم والشركات العربية ما زالت كما هي كل مستقل بذاته. وفي قطاع النفط الذي يعد أكبر القطاعات التي شهدت أبرز الاندماجات العالمية، تؤكد الورقة أن 20 عملية اندماج ضخمة حول العالم تمت في قطاع النفط لاعادة هيكلة صناعة النفط الدولية والسمة الغالبة لكل هذه الاندماجات هي التركيز على تحقيق القدر الأكبر من التعاون والتكامل، وتجنب الازدواجية وخفض النفقات وقد ازدادت حتمية هذا الاتجاه بعد الانخفاض الحاد في أسعار النفط وشدة المنافسة وكذا التطور التكنولوجي الهائل في الصناعة وقد ازدادت الاندماجات في هذا القطاع من الضغوط على الدول المنتجة للنفط التي لم تعد قادرة على مواجهة تحديات الشركات العملاقة التي أصبح في مقدورها التحكم في أسعار النفط والاستفادة من انخفاضها في ملء خزانتها العملاقة ويحدث ذلك بينما هناك غياب كامل واحجام من جانب المؤسسات النفطية وشركات الخدمات النفطية في الدول العربية المصدرة للبترول وكل ما تم عمله هو قيام هذه الشركات بشراء حصص في عمليات التكرير والتوزيع في الدول المستهلكة بهدف أساسي يتمثل في ضمان الحصول على منافذ تصدير ثابتة ومستقرة إلا أنه بالنسبة لعمليات التنقيب والانتاج والتكرير والتوزيع والصناعة النفطية بشكل عام فما زال وضع الدول العربية كما هو عليه. وترصد الدراسة معوقات اندماج المؤسسات العربية حيث تتعدد العوامل والظروف التي تعوق توحيد المؤسسات في الأسواق العربية وتؤدي الى احجامها وتكاسلها عن الاندماج على الرغم من المزايا التي ستتحقق من الاندماج وتتمثل المعوقات في غياب البيانات المالية والاقتصادية، وفي دوافع سياسية واجتماعية منها الخوف من التقلبات والنزوع للاستقرار وعدم التغير وقصر الرؤى المستقبلية وانتظار الأزمات دون العمل على تفاديها، الى جانب اختلاف التشريعات التجارية والنقدية والمالية في الدول العربية الى حد يمكن وصفها معه بالتنافر كذلك وجود بعض السياسات التنفيذية على التجارة وهيكلها واتجاهاتها بين الدول الأعضاء وفي مقدمتها القيود الادارية والكمية، والتشابه السلعي في الدول العربية وضآلة حجم الصادرات بين دول السوق وتأثير التبعية الاقتصادية في الحد من تعميق العلاقات الاقتصادية البينية العربية وفتور الارادة السياسية في تغليب المصلحة القومية على المصالح القطرية. وعن التحديات والمخاطر التي تواجه المؤسسات العربية الوطنية والتي تدعوها الى الاندماج والتوحيد والخروج من المؤسسات الصغيرة والاندماج العشوائي والاسراع بالدمج قبل أن تبتلعها الشركات العالمية وأكدت الدراسة أنها تتمثل في اشتداد المنافسة الدولية بين الشركات الكبرى لاقتسام السوق العالمي وكذلك اشتداد المنافسة المحلية بين الشركات داخل كل دولة، فالمنافسة الداخلية والخارجية التي تجسدها الشركات الأجنبية لشركاتنا العربية تزداد شراسة مع الوقت خاصة عند دخولها بعد التحرير الكامل للتجارة، وكذلك اتفاقيات حماية الصناعة وحقوق الملكية الفكرية تعد سيفا مسلطا على المنتجات العربية التي تعاني من عدم حماية الاختراعات الأجنبية خاصة الصناعات الدوائية لذلك يتوقع أن ترتفع التكلفة للحصول على حقوق التصنيع المحلي وبالتالي ترتفع أسعار المنتجات والسلع. ومن بين التحديات زيادة عدد الأزمات المالية التي تتعرض لها العديد من الدول مثل أزمة المكسيك وجنوب شرق آسيا، البرازيل، الأرجنتين التي تترك آثارها على مختلف الأسواق والاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء والتي أدت الى انهيار بعض الشركات العالمية على الرغم من ضخامتها وقدرتها وامكانياتها كما أدت الى خروج شركات أخرى من السوق مما سيكون له أثر كبير على حال الشركات العربية في ظل أوضاعها الحالية وأيضا التطوير الهائل في تكنولوجيا المعلومات وثورة الانترنت والتجارة الالكترونية وعولمة الاقتصاد جميعها معطيات لابد من التعامل معها واستخدامها حتى نستطيع الوقوف أمام الاقتصادات العالمية وهناك تخمة في الشركات في الوطن العربي وفي ظل ضيق السوق والمنافسة غير المتكافئة بين الشركات الأجنبية والشركات العربية فالوضع الحالي الضعيف للشركات لن يساعد على تجاوز ضيق السوق والمنافسة الأجنبية كما أن المناخ الاستثماري في البلاد العربية يواجه هزات زعزعت ثقة المساهمين في جودة الاستثمار وقدرته على الاستمرار واسترداد هذه الثقة لا يكون إلا بتعزيز أوضاع هذه الشركات من خلال عمليات دمج جادة تحمي حقوق المساهمين وهناك بعض الصناعات التي لن تتمكن من الصمود أمام المنافسة مثل صناعة الورق والبلاستيك والكاوتشوك والأثاث والأخشاب والبتروكيماويات. كما طرحت الدراسة نماذج للتغلغل الأجنبي بالأسواق العربية وبالتطبيق على السوق المصري مشيرة الى أن هذه النماذج سمحت بالتصفية والاستحواذ من قبل شركات عالمية وتوضح أن طوفان ابتلاع الشركات الأجنبية للأسواق والمنتجات العربية قد بدأ بالفعل من بينها قيام شركة نستلة العالمية بشراء الشركة المصرية للصناعات الغذائية دولسي وقامت بمسح اسم منتج الشركة وعلامته التجارية من السوق لصالح اسمها وعلامتها التجارية، كما قامت شركة جلاسكو ويلكام البريطانية العالمية للأدوية بشراء شركة آمون للصناعات الدوائية التي تستحوذ على 9% من حجم سوق الدواء المصري وقامت شركة إيه أي جي الأميركية بشراء شركة الفرعونية للتأمين أما قطاع الأسمنت فهو أكثر القطاعات تأثرا بالاستحواذ من قبل مؤسسات أجنبية حيث قامت شركة شيميور البرتغالية بشراء أسمنت العالمية، وشركة بلوسيركل العالمية بشراء شركة أسمنت أسيوط، وشركة لافارج الفرنسية بشراء شركة أسمنت بني سويف. وتقترح الدراسة أن تقوم جامعة الدول العربية بإنشاء جهاز يتبع لها يسمى جهاز الاندماج تكون مهمته وضع استراتيجية تهدف الى اقناع المؤسسات العربية بأهمية الاندماج واظهار مزايا عمليات الاندماج والتعريف بسلبيات التأخر في الاندماج والاستمرار في التركيز على المنشأة الصغيرة وقيام هذه الوحدة المقترحة باجراء دراسات ومسح شامل لكافة القطاعات الانتاجية والخدمية العربية للوقوف على المؤسسات المتشابهة والتعرف على جدوى ازالة هذا التشابه والازدواجية وتحقيق التكامل بدلا من التنافس السلبي وتوجيه الخطاب الى هذه الشركات ودعوتها الى الاندماج ومساعدتها باعداد الدراسات اللازمة في هذا الشأن الى جانب إنشاء بنك متطور للمعلومات والبيانات وتقوم هذه الوحدة بتبني تأسيس تشريع موحد لعمليات الاندماج والاستحواذ في كافة الدول العربية لتشجيع المؤسسات العربية على الاندماج وتقوم وحدة الاندماج بعمل هذا التشريع وأخذ موافقة الدول العربية عليه على أن يتضمن التشريع وسائل للتحفيز عن طريق اعطاء ضمانات وامتيازات خاصة للشركات العربية التي تقوم بهذه الخطوة عن طريق منحها أقصى ما يمكن من المعاملة التفضيلية ومنحها اعفاءات ضريبية، وتخفيض أسعار الأراضي الجديدة لها وازالة كل ما يعوق انتقال الاشخاص بهذه الشركات بين بلدان الشركات المندمجة ووضع ضمانات لعدم نزع الملكية أو مصادرتها أو تأميمها لفروع الشركات بمختلف انحاء الوطن العربي الى جانب العمل على تطوير نظم شبكات النقل الجوي والبري والبحري لجميع الدول الأعضاء وغيرها من المحفزات التي تجد وحدة تغريها بعمليات الاندماج.