حتى لا يمتد العجز العربي الى استرداد الأموال العربية المستثمرة بالخارج والتي وصلت أحدث أرقامها الدولية الى مايزيد عن 800 مليار دولار أميركي، وحتى لا نقف متفرجين نشاهد البنوك الأجنبية تقوم بتجميد جزء من هذه الأموال بدعوى أنها تمول الارهاب، فإنه مطلوب تحرك عربي عاجل لوضع سياسة عربية جيدة، تركز على تفعيل اجراءات ناجحة لاسترداد الأموال العربية في الخارج ووضع أساليب حديثة يمكن الاعتماد عليها في تنفيذ هذه الاجراءات. واقترح دعوة كل المنظمات والآليات العربية للاشتراك في وضع هذه السياسة الاستثمارية وعلى رأسها اتحاد المستثمرين العرب، واتحاد رجال الاعمال العرب، واتحاد المصارف العربية، وصندوق النقد العربي، مع تشكيل مجموعة عمل من هذه الجهات تحت اشراف مجلس الوحدة الاقتصادية العربية تقوم بمتابعة هذه السياسة وان تعمل ليلا ونهارا في ذلك حتى تنتهي من مهمتها في أقرب فرصة ممكنة وقبل ضياع الأموال العربية في الخارج. إن المرحلة التي نمر بها في هذه الفترة الحرجة هي مرحلة غريبة ودقيقة ولا يمكن لأحد أن يقول اننا منتصرون فيها أو أننا متفوقون بها الا بالكلام، والشعارات، والاغاني، والأناشيد، والأحلام والتمنيات بينما الواقع ان الأموال العربية المتضخمة التي تحققت من البترول والمعادن الأخرى، ومن الموارد الإقتصادية التي تنتشر بكثرة في اجزاء متفرقة من المنطقة العربية، هذه الأموال التي تم استثمارها في الخارج ولم تسهم في بناء كيان اقتصادي قوي للمنطقة العربية، كيان كان يمكن ان يقود الى وقف عدوان اسرائيلي وحشي على شعب عربي أعزل، وذلك بما كان يمكن ان يكون لهذا الكيان من اعمدة اقتصادية صلبة تتصدى بقوة وعن جدارة لكل الاعداء. والحقيقة انني لا أرى أن الأساليب التي تستخدمها المنطقة العربية حاليا مجدية لاسترداد الأموال العربية من الخارج في هذه المرحلة، بعد أن طردتها خلال النصف قرن الأخير، وهذه الأساليب لا تخرج عن قوانين محلية أو اقليمية لتشجيع أصحاب هذه الأموال العربية على استردادها من الخارج ومنحهم مزايا، وهم الذين فقدوا الثقة في استثمارها داخل المنطقة بعد تأميم جزء كبير منها في الستينيات، وبعد فرض الحراسة على جزء آخر منها في ضوء تطبيق النظام الاشتراكي في كثير من الدول العربية واعتقاد بعض الحكام بأن ملكية القطاع العام للأموال المستثمرة هي أنسب الطرق العربية للتنمية، وقد ثبت فشل هذا الاعتقاد وتمت العودة الى التنمية عن طريق القطاع الخاص. وأصبح الاقتصاد العربي في يد القطاع الخاص بنسبة 75% تقريبا. أقول أن أغلب الدول العربية عملا منها على تشجيع ورود الأموال العربية من الخارج واستثمارها داخل المنطقة العربية استخدمت وسائل فشلت في تحقيق الهدف - من بينها عقد مؤتمرات محلية واقليمية، وعقد ملتقيات محلية واقليمية أيضا، وأصدار توصيات لم تنفذ لانها لم تتضمن خطوات التنفيذ ولم تعرض البرامج والجهات التي تنفذها ولم تتابع بعد صدورها، كما ذهبت هذه الوسائل الى أبعد من ذلك فأنشأت أجهزة كاملة لتشجيع استرداد هذه الأموال هي صندوق النقد العربي وصندوق الانماء العربي ومؤسسة ضمان الاستثمار العربي، غير أن كل هذه الجهات لم تنجح الا بقدر ضئيل جدا في استرداد الأموال العربية من الخارج كما فشلت في زيادة الاستثمارات العربية البينية التي لا تتجاوز 2% من جملة الأموال العربية المستثمرة في الخارج. وعلى سبيل المثال أذكر ان الملتقى السادس لتجمع رجال الاعمال العرب بالعاصمة السورية والذي انعقد في أواخر ابريل الماضي اصدر توصية بضرورة العمل على اعادة رؤوس الأموال العربية التي تستثمر في الخارج وحذر من استمرارها في الأسواق العالمية في ظل المخاطر التي تتعرض لها الأمة العربية بعد أحداث 11 سبتمبر، وهي توصية قوية ولكنها لم تتضمن كيفية العمل على تنفيذها ولا الجهة أو الجهات المنوط بها التنفيذ، كما ان هذه التوصية مكررة في موضوعها حيث وردت في كل الملتقيات الخمس السابقة وفي كافة الاجتماعات التي تمت في ملتقيات اتحاد المستثمرين العرب وغيرها، بينما لم ينفذ منها شييء حتى الآن - فما هو الجديد في الموضوع؟ إن الجديد في الموضوع ان تكون هناك سياسة استثمارية جديدة عربية موحدة تتضمن اجراءات تنفيذ الاسترداد وليس مجرد اقتراحات باستردادها وتلزم الجهات المحددة بتنفيذها بعيدا عن قوانين الاستثمار ولوائحها (لكنها لا تخرج عنها) وعلى ان تهدف هذه السياسة الى استرداد أكبر قدر ممكن من الأموال العربية المستثمرة في الخارج، وعلى أساس انها تبلغ مايزيد عن 800 مليار دولار أميركي حسب تقديرات البنك الدولي وان نصفها تقريبا يمثل استثمارات عقارات أو محلات وشركات ونصفها الاخر يمثل استثمارات في ودائع بالبنوك وفي أوراق مالية في أسواق المال، فإن التركيز يكون على استرداد النوع الأخير من الاستثمارات وان يكون الهدف في البداية استرداد نصفها خلال فترة زمنية محددة لا تزيد عن خمس سنوات أي حوالي 200 مليار دولار أميركي. ولكي يتم تنفيذ هذا الهدف فإنه لابد من اعداد خطة محكمة عن طريق مجلس الوحدة الاقتصادية العربية باعتباره من أكبر الجهات المهتمة بدعم التعاون الاقتصادي العربي وانشاء السوق العربية المشتركة، خاصة بعد ان تولى أمره رجل نثق في كفاءته وأمانته وقدرته على التنفيذ، وهو الدكتور أحمد جويلي الذي يعمل ليلا ونهارا في سبيل دفع مسيرة العمل الاقتصادي العربي المشترك وتحويله الى عمل جاد لصالح الشعوب العربية، وكل تحركاته داخل المجلس وخارجه في المؤتمرات والندوات والملتقيات المتتالية تؤكد هذا المعنى. وأعرض هنا بعض الخطوط العريضة التي تساعد في وضع تفاصيل خطة عملية لاسترداد الأموال العربية من الخارج عن طريق مجلس الوحدة الاقتصادية العربية: - الاتصال بجمعيات المستثمرين العربية محلية أو اقليمية، ومطالبتها بتقديم المشروعات المحلية الهامة التي يهتمون بإنشائها داخل المنطقة العربية لعرضها على كبار المستثمرين العرب ورجال الاعمال وعلى جميع الذين يمكن ان يساهموا في انشاء هذه المشروعات حسب رغباتهم مع عرض دراسات جدوى لكل هذه المشروعات موضحة النواحي الفنية والمالية والتكنولوجية ومدى امكان المشاركة فيها من شركات أجنبية ومؤسسات دولية. - تنشأ مجموعة عمل داخل مجلس الوحدة الاقتصادية العربية تضم اثنين من رجال الاعمال في كل دولة احدهما يمثل القطاع الخاص والثاني يمثل القطاع العام والحكومي وتقوم المجموعة بتجميع هذه المشروعات وتقسيمها حسب أهميتها للاستهلاك المحلي أو التصدير، وقد يتم تنفيذ جزء منها في المرحلة الأولى والجزء الآخر يترك لمرحلة قادمة، ويضاف اليها المشروعات الاقليمية التي تمتد فروعها في أكثر من بلد عربي والتي اعتقد ان المجلس قام باعداد جزء منها (شركات عربية متعددة الجنسية). - تقوم المجموعة بوضع خريطة شاملة للمشروعات المحلية والاقليمية للمنطقة العربية بأكملها تتضمن قوائم لكل المشروعات وتكون مدعمة بدراسات جدوى مرفقة وترسل هذه المشروعات الى كافة جمعيات المستثمرين العرب خارج المنطقة العربية وداخلها وذلك طبعا بعد الحصول على موافقات مبدئية رسمية بخطوات واجراءات انشائها وأماكنها من الحكومات العربية المعنية حتى لا يتعرض رجال الاعمال أو المستثمرين العرب لمافيا الإداريين والبيروقراطية في أجهزة الاستثمار العربي في الدول العربية المختلفة، وبمعنى اخر تكون هذه المشروعات جاهزة للموافقة والتنفيذ وكافة الاجراءات المطلوبة اذا ماطلب أحد المستثمرين العرب أو بعضهم القيام بها. - يتم تمويل هذه المشروعات من المستثمرين العرب بالخارج حسب تخصصاتهم واتجاهاتهم ومن بنوك وصناديق تمويل عربية وأجنبية ومن مؤسسات القطاعين العام والخاص العربي وعلى أن يكون مفهوما ان أسهم هذه المشروعات سوف تعرض بعد فترة محدودة (سنتين مثلا) في بورصات الأوراق المالية العربية في ضوء ترتيبات خاصة تتم عن طريق هيئات أسواق المال في الدول العربية وتشجيع وتعزيز من الحكومات العربية، وأن يكون لرؤوس أموال هذه المشروعات وضعا خاصا بالنسبة لعدم فرض أي قيود نقدية على تحويلات أرباحها واسترداد رؤوس أموالها، بالاضافة الى المزايا الضرائبية والجمركية.. الخ. - في ضوء ترتيبات نقدية محددة، يمكن ان يتم تداول أسهم هذه المشروعات بعملة عربية موحدة كالدينار العربي الحسابي، يبدأ حسابيا ويتم دراسة امكان تحويله الى عملة كاملة في المستقبل، وإلى أن يتم ذلك فيمكن التأمين ضد مخاطر تقلبات أسعار الصرف، بحيث ان التحويلات التي يتم استردادها من الخارج ويتم تأمينها ضد هذه المخاطر ويمكن الحصول عليها في أي وقت بنفس أسعار الصرف الذي تم تحويل رؤوس الأموال بها في بداية انشاء المشروعات، وبذلك تعالج مشكلة نقدية كبرى تواجه حاليا المستثمرين العرب داخل المنطقة العربية. أعود فأقول ان الطريقة التي اتبعتها الدول العربية لتشجيع استرداد الأموال العربية المستثمرة بالخارج أصبحت دون جدوى ولم تحقق الهدف، وأصبح من الضروري التحرك السريع لاعداد سياسة استثمارية عربية جديدة تقوم على منح التسهيلات والمزايا الممكنة لهذه الأموال بما فيها تجهيز المشروعات وتجهيز الخطوات والاجراءات ودعوة المستثمرين لمناقشة هذه المشروعات والمساهمة فيها، ثم يعرض عليهم ما يتم انجازه، أو حتى يمكن الذهاب اليهم في أماكنهم بالخارج بقائمة المشروعات الجاهزة للعمل بالمنطقة العربية وأماكن كل منها. وأخيرا يهمني ان أوجه أنظار المتخصصين العرب في مجال الاستثمار الذين يقع عليهم مسئولية استرداد الأموال العربية من الخارج، الى ضرورة متابعة جمعيات المستثمرين ورجال الاعمال العرب بالخارج، ومطالبتهم بتقديم ملاحظاتهم عن المشروعات المعروضة وعن العقبات التي يرون انها تحول دون الاستثمار بالمنطقة العربية، مع القيام في أقرب فرصة ممكنة بتذليل هذه العقبات ومتابعة الانتهاء منها حتى لا تقوض السياسة الاستثمارية العربية المقترحة لتشجيع استرداد هذه الأموال من الخارج في هذا المناخ الدولي الجديد.