بعد أن حددنا صور وأشكال الارهاب الاقتصادي، وبعد أن شخصنا أسبابه وعوامله وبعد أن حددنا تداعياته وانعكاساته على المجتمع الاقتصادي الدولي والمجتمع الإنساني عامة نأتي في نهاية هذه الدراسة لنحدد كيفية المواجهة والمعالجة محددين المسئوليات والجهات والدول المعنية بالمعالجة. إن الانفجارات التي تعرضت لها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 لم تكن صدمة حقيقية للولايات المتحدة بذاتها ولا للشعب الأمريكي بذاته وإنما لدول وشعوب العالم قاطبة نظرا لتأثيراتها السلبية على الواقع الاقتصادي والاجتماعي والإنساني، ولا شك ان العالم بأسره يدين تلك الأعمال لانها تتناقض مع الاستقرار والأمن والنمو والتنمية في العالم ولأنها قد حصدت آلاف الأبرياء سواء في الولايات المتحدة أو حتى في أفغانستان!! كما حصدت آلاف المليارات من الدولارات وتراجعت معدلات النمو وحققت خسائر مادية كبيرة لمختلف شعوب العالم وهزت العلاقات الاقتصادية والسياسية بين دول العالم. وعصفت بالعديد من المشاريع الاستثمارية وهزت الثقة في الاستثمار المحلي والاقليمي والدولي. وفي ظل هذه الآثار والانعكاسات الخطيرة التي كانت وليدة تلك العمليات، فإنه يتوجب على مختلف دول العالم سواء حكومات أو منظمات أو شعوب مواجهة كافة أشكال الارهاب وصوره المختلفة سواء على صعيد الدولة الواحدة أو مجموعة دول العالم. وفي هذا السياق فإن المعالجة والمواجهة تتطلب رؤية دقيقة وموضوعية وأمينة عند تحديدنا لأسباب وعوامل الارهاب العالمي وصوره وتشخيص تلك الأسباب والعوامل، ثم تحديد كيفية انتزاع فتيل هذا الارهاب من العالم، ولا سيما العالم الثالث الذي أصبح منطقة خصبة للتطرف والارهاب والرعب والعنف وكان لذلك عوامل عديدة ساهمت فيها أطراف دولية واقليمية ومحلية عديدة!! إن الأمر يحتاج إلى وقفة أمينة وتشخيص دقيق ومعالجة صحيحة وإلا فإن ما حدث في الولايات المتحدة في يوم الثلاثاء الحزين سوف يتكرر ويتكرر في مختلف دول العالم وسوف يحصد الارهاب كافة مشاريع التنمية ومنها تلك المشاريع بدول العالم المتقدم وسوف يهز مضاجع الحكم في مختلف دول العالم سواء النامي منه أو الصناعي، وسواء الشرقي أو الغربي. ومن هنا فإن على الدول وخاصة الصناعية منها أن تتحمل مسئوليتها في مواجهة ومعالجة الارهاب باعتبارها طرفا شريكا ومباشرا في صناعة هذا الارهاب، ذلك ان الارهاب أصبح ظاهرة عالمية وانعكاساته وآثاره الخطيرة سوف لن تقتصر على العالم الثالث الذي يعاني في أجزاء كبيرة منه من تدمير ذاتي داخلي وعالمي خارجي بعد أن أصبح الارهاب الاقتصادي الأرضية الخصبة التي ينشأ من خلالها الارهاب العسكري والاجتماعي والأمني، ولعل ما يحدث في هذا العالم، وما حدث خاصة في الولايات المتحدة في ذات التاريخ يعتبر أحد افرازات الارهاب الاقتصادي الذي مارسته الولايات المتحدة في عهودها المختلفة ضد دول وشعوب العالم الثالث، ومن هنا فإن معطيات العصر تؤكد على حقيقة واحدة ان الارهاب بمختلف صوره ناجم بالأساس من الارهاب الاقتصادي وهذا النوع من الارهاب هو وليد السياسات الجوفاء التي تمارسها الدول الغربية الصناعية ضد دول وشعوب العالم الثالث خاصة، وها هي في حقيقة الأمر تحصد ما زرعته، وتجني ثمار حصادها الطويل والممتد لقرون طويلة من الاضطهاد الإنساني ومصادرة الحقوق الإنسانية لشعوب العالم الثالث. إن ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك اليوم المشئوم يجعلنا أمام تساؤل حقيقي هو لماذا هذا الحقد المتنامي ضد الولايات المتحدة؟ ولماذا ضربت العاصمة التجارية والاقتصادية للرأسمالية العالمية؟! ولماذا كانت الضربة الأولى والموجعة قد وجهت إلى مركز التجارة العالمية الذي يحتضن منظمة التجارة العالمية (W.T.O)؟! ولماذا جاءت تلك الضربات في ذلك الوقت تحديدا؟ ولماذا في بداية القرن الجديد؟! ولماذا الولايات المتحدة ولم تكن دولة أوروبية أو عاصمة غربية أخرى؟! وهل يمكن أن تكون لتلك الأحداث من ايجابيات على مسيرة الأوضاع الاقتصادية العالمية من خلال مراجعة الدول العظمى لسياساتها تجاه دول العالم الثالث والعمل على انقاذ العالم الثالث من أوضاعه الاقتصادية المتردية والتي هي سبب مباشر لتفاقم الارهاب الداخلي والذي تنامى ليصبح ارهابا دوليا يحتاج إلى جهود شاقة وطويلة لاستئصال جذوره وتوظيف امكانيات مالية ومادية ومعنوية ضخمة يجب على الدول الصناعية والمؤسسات الاقتصادية والإنسانية الدولية أن توفرها باعتبارها المسئول الأول عن وجود خلايا الارهاب الاقتصادي في العالم. وفي ضوء تقسيمنا الارهاب الاقتصادي في العالم إلى ثلاثة أقسام استنادا إلى الأطراف المسئولة والمسببة للارهاب الاقتصادي فإن المعالجة والمواجهة تتحملها أطراف ثلاثة هي: ـ الأنظمة الحاكمة لا سيما في العالم الثالث باعتبارها مسئولة عن الارهاب الاقتصادي الداخلي. ـ الدول الصناعية الغربية باعتبارها سببا مباشرا في زرع هذا الورم السرطاني واستغلال شعوب الأرض وامتصاص خيراتهم ومصادرة حقوقهم. ـ المنظمات الاقتصادية ويقصد بها البنك الدولي للانشاء والتعمير، ثم صندوق النقد الدولي، ثم منظمة التجارة العالمية وباقي المنظمات الاقتصادية الاقليمية والدولية. الأنظمة الحاكمة ودورها في مواجهة الارهاب الاقتصادي المحلي: إن الأنظمة الحاكمة في العالم الثالث ومنها الأنظمة الحاكمة في دولنا العربية مطالبة اليوم بقراءة دقيقة وصحيحة للأوضاع الأمنية والاجتماعية والمعيشية المتردية التي يكابدها الإنسان في هذا العالم المتسم بالتخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ثم وضع المعالجة الحقيقية لمواجهة تفاقم الأزمات الاقتصادية المؤدية إلى زعزعة الأوضاع الأمنية وتهديد الأنظمة السياسية الحاكمة ويجب أن تدرك جيدا أن ما حدث في العديد من الدول الافريقية من ثورات حصدت اليابس والأخضر فيها ما هي إلا بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي يكابدها الإنسان. وإن ما يحدث اليوم في بعض دول العالم الثالث وآخرها الأرجنتين ما هو إلا نتيجة طبيعية لردود فعل الشريحة الكبرى من المجتمع التي تعاني من الفقر والاضطهاد النفسي والقهر الاجتماعي وتعاني الجوع فيما تكون لصالح شريحة محدودة تستأثر بخير البلاد والعباد وفي ضوء هذه القراءة الدقيقة نعمل على ما يلي: ـ اصلاحات اقتصادية تؤدي إلى استقرار نفسي ثم اجتماعي ثم سياسي، تتجسد هذه الاصلاحات في توظيف جزء من الامكانيات المادية المتوفرة في ايجاد بنية تحتية متطورة تساعد على تحقيق نمو اقتصادي ثم تنمية اقتصادية ولا يمنع ذلك من تلقي مساعدات دولية من دول ومنظمات مانحة لدعم مشاريع التنمية، ثم أهمية وجود التخطيط الاقتصادي على صعيد القطاع العام والخاص باعتبارهما مسئولان عن أحداث التنمية المطلوبة مع التركيز على تنمية القطاعات الانتاجية التي تحقق الأمن الغذائي لافراد المجتمع ثم التحول إلى انتاج سلع وخدمات يمكن تصديرها لفتح قنوات تجارية واقتصادية مع دول أخرى. ـ معالجة الأوضاع المالية المتردية في دول العالم الثالث والتي أدت إلى تفاقم مشكلة العجز في موازناتها الحكومية وتزايد المديونية الخارجية وما ترتب عليها من أعباء المديونيات الخارجية هذه. وتأتي تلك المعالجات من خلال سن تشريعات وقوانين تؤكد الشفافية وتحارب الفساد والاستغلال والرشوة في المؤسسات الحكومية والأهلية والخاصة، والحد من زيادة الانفاق الاستهلاكي مع التركيز على الانفاق الاستثماري، وفرض ضرائب ورسوم وفق سياسات مشجعة للاستثمار ومحفزة له ولكن في ظل وجود رقابة دقيقة مع وقف الانفاق العسكري. ـ أهمية وجود مؤسسات المجتمع المدني ومنها المؤسسات الاقتصادية بحيث تصبح مؤسسات المجتمع رقيبة على بعضها البعض ومسئولة عن مواجهة أية انحرافات في السياسة والاقتصاد وداعمة لمسيرة التنمية الاقتصادية خاصة والتنمية الشاملة عامة. ـ أهمية الاهتمام بالفرد والمجتمع من خلال وضع رؤية تنموية تحقق التنمية البشرية وتستأصل معوقات مسيرة التنمية وترسي دعائم العدالة الاجتماعية والاقتصادية وتساوي بين أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات وتشجع في الوقت ذاته العمل وتحفز الفرد على الانتاجية وتعاقبه على السلبية وترسي دعائم العدالة في العمل بمكافأة المبدع والمنتج والمثابر ومحاسبة المتقاعس والسلبي دون أن تكون هناك اعتبارات اجتماعية ومعايير التمييز في اللون أو الأصل أو الجنس أو الدين. ـ أهمية استئصال ومعالجة جذور البطالة المستشرية في سوق العمل بدول العالم الثالث ومنها الدول العربية والتي أضحت تشكل هاجسا مقلقا لافراد المجتمع وتهديدا مباشرا لمشاريع التنمية وللأنظمة الحاكمة في هذه الدول ويتم ذلك بتوفير فرص العمل وربط الاحتياجات الوظيفية لسوق العمل بالتعليم النوعي مع التركيز على نوعية التعليم ومواكبته لاحتياجات المجتمع. ـ أهمية قيام المؤسسات الاقتصادية بكل دولة على وضع استراتيجيات التنمية طويلة المدى والتخطيط الاقتصادي طويل الأجل يشارك فيها القطاع الخاص بدوره والقطاع الحكومي بسياساته ورؤيته والعمل على توفير الاعتمادات المالية اللازمة لتلك الاستراتيجيات سواء من مالية الحكومة أو بمساعدة دول ومنظمات دولية خارجية، أو بالاقتراض الداخلي، أو حتى الخارجي شريطة أن تكون هناك رؤية علمية ودقيقة لتلك الاستراتيجيات وسياسات وآليات سليمة ومنهجية لتنفيذ تلك الاستراتيجيات وزمن محدد للتنفيذ. ـ يختزن العالم الثالث ثروات وموارد طبيعية كانت سببا مباشرا للاستعمار العسكري الأجنبي ابان حركة الاستعمار ويتطلب من حكومات دول هذا العالم استثمار تلك الثروات والموارد أو الفرص بما يخدم التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويحقق الاستقرار السياسي والأمني للأنظمة الحاكمة ولافراد المجتمع في تلك الدول ويتم ذلك بفتح المجال أمام الاستثمار الخاص الوطني لتمويل المشاريع التي تستثمر تلك الثروات وتحويلها إلى صناعات وخدمات وسلع لتغطية احتياجات المجتمع وتصدير الفائض منها إلى الأسواق العالمية وذلك في ظل رؤية تنموية مدروسة، ثم تنمية الفرص في مختلف القطاعات الانتاجية والخدمية كالسياحة والصناعة والزراعة وقطاعات الخدمات الأخرى، وعلى ضوء الاستثمار المدروس من قبل الدولة أو القطاع الخاص أو برؤوس الأموال الأجنبية لتلك الثروات تستطيع دول العالم الثالث تحقيق نمو اقتصادي ثم تنمية اقتصادية فاستقرار سياسي واجتماعي. وهنا يمكن السيطرة كلياً على الارهاب وتحصين المجتمع ضد الارهاب والتطرف والعنف الداخلي أو حتى الخارجي.