شهد الربع الأول من هذا العام (2002م) ازدياد الاهتمام بالذهب كعنصر استثمار. وظهر ذلك جليا على صعيد المستهلك الفردي في اليابان الذي يعيش أزمات اقتصادية ومالية أدت الى ازدياد الطلب من أجل الاستثمار أربعة أضعاف ما كانت عليه في الربع الأول من عام 2001، وكذلك في تركيا وقسم كبير من أوروبا. وفي بلدان أخرى حول العالم، كان الاقبال على الاستثمار بالذهب واضحا من قِبَل المؤسسات المستثمرة، من أصحاب رؤوس الأموال، ومن قِبَل الأوعية الادخارية الوقائية. أما على صعيد قطاع البيع بالتجزئة، فإن المشتريات من قبل المستهلكين كانت تقابل بعمليات جني الأرباح بسبب الصعود الحاد في الأسعار. وقد خلق الارتفاع الحاد في الأسعار في شهر فبراير الماضي بالاضافة إلى الاقتصاد العالمي الضعيف والأزمات السياسية في منطقة الشرق الأوسط جوا غير مشجع لشراء المجوهرات والحلي الذهبية، وبخاصة في أسواق مثل الهند والشرق الأوسط وتايلاند حيث تتصف هذه الأسواق بحساسيتها تجاه تقلب أسعار الذهب وعدم استقرارها. فالارتفاع المفاجئ وغير المتوقع في أسعار الذهب يؤدي دائما إلى احجام المستهلكين والتجار عن الشراء إلى أن يشعروا باستقرار الأسعار من جديد. وأدى الارتفاع المفاجئ بالاضافة إلى الوضع الاقتصادي غير المستقر إلى تراجع الطلب على المجوهرات والحلي الذهبية في الربع الأول من السنة إلى 623.9 طنا، أي بنسبة 15% أقل من مستوياته في الربع الأول القوي من سنة 2001. ولكن الزيادة في الاستثمار القطاعي زادت بنسبة 36% (إلى 125.6 طنا)، مما يجعل الطلب الاجمالي 749.5 طنا، أي أقل بنسبة 10% عن الربع الأول من العام الماضي. الاستثمار وجني الأرباح كانت أكثر الأحداث تميزا ومفاجأة والتي شهدها هذا الربع من السنة هي ارتفاع الانفاق في الاستثمارات القطاعية في اليابان. فقد دفع خفض ضمانات التأمين على الودائع المصرفية بالاضافة الى المخاوف المحيطة بالأوضاع المالية والاقتصادية غير المستقرة ـ دفع ذلك الكثير من الأفراد إلى تحويل مدخراتهم إلى الذهب. وقد أدى إلى زيادة الاقبال على الاستثمار في الذهب بزيادة 47.5 طنا، أي ما يعادل تقريبا أربعة أضعاف ما وصلت اليه في السنة الماضية، كما ارتفع الطلب على هذا الاستثمار القطاعي في تركيا (بنسبة 153% عن العام الماضي)، بينما كانت الرغبة على صعيد السوق المؤسساتي في بلدان أخرى أكثر وضوحا. وباختصار فإن عائد الاستثمار بالذهب على المستهلك في بلدان كثيرة قابله الاهتمام بجني الأرباح بسبب ارتفاع سعر الذهب. ارتفاع الطلب وانخفاضه ارتفع الطلب على الذهب في البلدان التي شهدت ظروفا اقتصادية تبشر بالتحسن. وقد ظهر ذلك جليا في باكستان حيث ارتفع الاستهلاك بنسبة 38%، وكذلك في الدول الأخرى التي حققت ارتفاعا في الطلب على الذهب في هذا المجال ومنها الصين (5%) وكوريا الجنوبية (7%) وماليزيا (8%) وفيتنام (11%) والمملكة المتحدة (3%). كما ارتفع الطلب على الذهب (2%) عن العام الماضي في الولايات المتحدة الأميركية ـ ثاني أكبر مستهلك للذهب في العالم. بينما هبط الطلب على الذهب في أسواق أخرى تتأثر كثيرا بعامل تقلب السعر وعدم استقراره، مثل دول الشرق الأوسط (انخفض بنسبة 9% بسبب الأوضاع السياسية المتأزمة اضافة لعامل تقلب الأسعار) وتايلاند (انخفض بنسبة 25%). الشرق الأوسط أثرت الاضطرابات السياسية واحتمالات تفاقم النزاع في منطقة الشرق الأوسط على الطلب على الذهب خلال الربع الأول من السنة، وتدنت مستوياته بنسبة 9% مقارنة بالربع الأول من العام 2001 لتبلغ 129.9 طنا مقابل 143 طنا. كما لعب ارتفاع سعر الذهب عالميا دورا أساسيا في انحسار الطلب على الذهب، خاصة في بلاد الشرق الأوسط التي لها حساسية كبيرة تجاه عامل السعر. وباختصار فإن تأثير هذين العاملين سوية أدى إلى الانخفاض في الطلب على المجوهرات الذهبية بينما ارتفع الطلب على الجنيهات وسبائك الذهب بغرض الاستثمار. ويجري العمل حاليا في مدينة دبي في الامارات العربية المتحدة على مشروع انشاء بورصة للتداول في الذهب والماس والسلع الأساسية بحيث يتم انجازه في السنوات الثلاث المقبلة. وسيحمل هذا المركز اسم «مركز دبي العالمي للمعادن والسلع الأساسية»، وسيكون فريدا من نوعه في منطقة الشرق الأوسط. وستضم هذه البورصة مراكز لتكرير المعادن وصقلها ودمغ المصنوعات وتخزين السلع. والهدف من انشاء هذا المركز هو جمع كل مراحل صناعة الذهب في موقع واحد. المملكة العربية السعودية: شهدت المملكة العربية السعودية في بداية العام تراجعا نسبيا في الطلب على الذهب ليصبح 56.5 طنا، مسجلا بذلك انخفاضا بمعدل 11% عن العام الماضي. وظهر ذلك جليا في حجم الاستيراد الذي انخفض بمعدل 7 أطنان ليبلغ 23 طنا. وقد أدى ارتفاع أسعار الذهب عالميا وتدهور الأوضاع السياسية في المنطقة إلى تقلص الطلب على الذهب. دول الخليج الأخرى: تراجع الحجم للطلب على الذهب في دول الخليج (ماعدا السعودية) بمعدل 10% في الربع الأول من العام ليصل إلى 43.7 طنا. وقد أدى عدم تزامن عيد الأضحى هذه السنة مع «مهرجان دبي للتسوق» ـ على عكس السنوات السابقة ـ بالاضافة الى تفاقم النزاعات والأحداث السياسية وارتفاع أسعار الذهب عالميا إلى انحسار الطلب على الذهب في هذه الدول. ورغم ان الخسائر كانت في دول الخليج كلها، إلا انها بلغت ذروتها بشكل خاص في دولة البحرين حيث بلغ انخفاض الطلب على الذهب بنسبة 15% وفي الكويت بنسبة 13%. وفي دولة الامارات العربية المتحدة، تراجع الطلب على الذهب، كما في سائر دول المنطقة، بنسبة 10% ليصل إلى 29.4 طنا. وقد أثرت الأحداث الأخيرة سلبا على قطاعات السياحة فيها، مما أدى الى تدني مستوى الطلب على الذهب. أما في سلطنة عمان ودولة قطر ـ حيث كان تراجع الطلب على الذهب أقل من غيرها ـ فقد انخفض الطلب على المعدن الأصفر بنسبة 4% في سلطنة عمان و6% في دولة قطر. مصر: في مصر استمر قطاع السياحة بالتراجع قياسا بفترة ما قبل أحداث 11 سبتمبر، وانخفض الطلب على الذهب بنسبة 4% مقارنة بمستوياته في العام المنصرم ليبلغ 29.7 طنا. وقد أدى ذلك الى ارتفاع نسبة تبديل المنتجات الذهبية المستعملة بمنتجات ذهبية جديدة. تركيا: لم يتغير حجم الطلب على الذهب في تركيا خلال الربع الأول من العام 2002 عن العام المنصرم، حيث بلغ 31 طنا، واضعا بذلك حدا للتدني الذي عرفه المعدن الأصفر في البلاد في الربع الأول من العام 2001. ويعتبر هذا الأمر تطورا ايجابيا نظرا للازمة الاقتصادية الحادة التي شهدتها تركيا مؤخرا. ويظهر جليا تحول الطلب الى الاستثمار في المعدن الأصفر والذي ارتفع بنسبة 153% ليبلغ 11 طنا وهو أعلى مستوى له منذ التراجع الأخير إلى 10.8 أطنان الذي شهده الربع الثالث من عام 1996. وقد تراجع الطلب الاجمالي على الحلي والمجوهرات الذهبية بنسبة 25% في هذا الربع مقابل الربع الأول من العام الماضي ليصل إلى 20 طنا. وفي حين لم تتغير مستويات الطلب الاجمالية على الذهب، ظهر اتجاه جديد بالتحول الى الاستيرادات الرسمية التي تحسنت بنسبة 74% ـ أي 33 طنا، وذلك مقابل التراجع بمقدار 10 أطنان في تجارة المنتجات المستعملة ـ أي بنسبة 62% ـ عن مستوياتها في السنة الماضية. قد تابعت الليرة التركية تعزيز قيمتها مقابل الدولار، فتحسن سعر صرفها بنسبة 16% منذ بداية العام، مما أدى الى انخفاض أسعار الذهب بالعملة المحلية على الرغم من ارتفاع أسعاره العالمية بالدولار الأميركي. ويشير تحسن قيمة هذه العملة وقوتها الشرائية إلى اشاعة جو ايجابي سيعزز من امكانية اعادة ازدياد الطلب على الذهب في الأشهر المقبلة من هذا العام. الهند وباكستان تراجع الطلب على الذهب في الهند في الربع الأول من السنة بنسبة 40% عن الربع الأول من العام الماضي. ويعود ذلك جزئيا الى الارتفاع الكبير والقوي على الطلب في الربع الأول من ذلك العام (2001). ويتأثر الطلب على الذهب في الهند دائما بتقلبات أسعاره العالمية غير المستقرة وارتفاعها المفاجئ، خاصة لو ترافق ذلك مع حركة ركود واحجام عن الانفاق عامة، فتتوقف عمليات شراء المجوهرات والحلي الذهبية الجديدة، ويدوم ذلك إلى أن يشعر المستهلكون والتجار باستقرار أسعار الذهب العالمية. وقد يحدث ذلك حتى في مواسم الزواج وذلك لوجود سوق لتبادل الذهب حيث يمكن استبدال ما يملك المستهلكون من مجوهرات وحلي قديمة بمجوهرات وحلي جديدة يمكن أن يقدموها كهدايا في مواسم الزواج. ولكن ـ وعلى النقيض مما يحدث في الهند ـ ارتفع الطلب على الذهب في باكستان وبلغ 41 طنا، أي بنسبة 38% عن الربع الأول من العام 2001. وساهم تدفق المساعدات الخارجية بعد أحداث 11 سبتمبر على زيادة الدخل الفردي، وبالتالي دعم الطلب على مشتريات الذهب. وقد أدى ارتفاع أسعار الذهب في شهر فبراير الماضي إلى توقف استيراد الذهب لمدة أربعة أيام، ولكن تعزيز سعر الروبية الباكستانية خلال الربع الأخير من العام 2001 لعب دورا أساسيا في اعادة انعاش حركة السوق وزيادة حجم المشتريات. وقد صرح معاذ بركات المدير الاقليمي لمجلس الذهب العالمي لمنطقة الشرق الأوسط على جميع بيانات الربع الأول لهذا العام قائلا: لقد كان صعود أسعار المعدن الثمين المفاجئ وعدم استقرارها اضافة إلى وضع الاقتصاد الأميركي خصوصا والعالمي عموما، ووجود عدة أسباب محلية في كل بلد على حده ـ سواء كانت طبيعية أو اقتصادية، كل هذا أدى لانحسار الطلب على المجوهرات الذهبية على المستوى العالمي وخاصة في بلاد مثل الشرق الأوسط والتي لها حساسية كبيرة تجاه عامل السعر. ولكن وفي نفس الوقت، ظهر جليا اهتمام العالم كله بالذهب كوعاء استثماري وادخاري أساسي سواء على المستوى الفردي أو المؤسساتي، وهذا ما دعا مجلس الذهب العالمي للبدء بحملات توعية للأفراد العاديين والمستثمرين لأهمية الذهب كعنصر استثماري وادخاري أساسي في حياتهم.