اذا كانت أزمة سبتمبر عام 2001 قد هزت الاقتصاد العالمي عامة والاقتصاد الامريكي واستطاع الاقتصاد الأمريكي ان يتجاوز آثارها خلال الفترة الماضية، فإن الارهاب الاقتصادي له تداعياته وانعكاساته، التي اصبحت مع مرور الوقت مزمنة ويعاني منها الاقتصاد العالمي واقتصاد العالم الثالث خاصة وقد ادت الى اتساع الهوة بين اقتصاد يحقق تطورات سريعة وهو الاقتصاد الصناعي واقتصاد يعاني من مشاكل عديدة اوجدها الارهاب وكان سببا مباشرا لها وهنا نحاول تسليط الضوء عليها للعمل على معالجتها قبل ان تتفاقم اوضاع اقتصاديات العالم الثالث وتشكل تهديدا مباشرا ليس لاقتصاديات العالم الثالث فحسب وانما للاقتصاد العالمي عامة. ان سياسة الدول العظمى ولاسيما الاقتصادية منها والتي تندرج في اطار الارهاب الاقتصادي التي تمارسها ضد دول وشعوب العالم الثالث ومازالت تمارسها انما تؤكد بأن تلك الدول قد حصدت وما زالت تحصد نتائج سياساتها الظالمة تلك فيما يحصد العالم الثالث الفقر والديون والجوع والامراض. ان التطور المذهل لتكنولوجيا المعلومات والذي تشير له تقارير الأمم المتحدة يؤكد على تفاقم الهوة الاقتصادية بين الدول الغنية والدول الفقيرة حيث ان هذه الاخيرة لا تحسن استغلال ثورة المعلومات الناجمة عن التطور السريع في التقنية والاتصالات الامر الذي اوجد فجوة رقمية بين الدول الغنية والاخرى الفقيرة، ففيما يتركز اكثر من 90% من مستخدمي الانترنت في الدول الصناعية فإن الدول الفقيرة ومنها دول افريقيا والشرق الاوسط لا يتجاوز عدد المستخدمين فيها عن 1% من اجمالي المستخدمين في العالم، وتوقع برنامج الأمم المتحدة للتنمية ان يكون قد وصل عدد مستخدمي الانترنت في العالم الى حوالي 700 مليون شخص بنهاية العام الماضي 2001 مقابل 50 مليوناً في عام 1997 ولكن التقرير حذر من توسع الهوة التكنولوجية الرقمية بين الدول المتقدمة ودول العالم الثالث بسبب انتشار الانترنت بصورة سريعة حيث تفاقم الهوة التي تفصل الاغنياء عن الفقراء خاصة وان الشريحة الكبرى من البشر محرومة من الوصول الى الشبكة الالكترونية. البطالة تعتبر البطالة على مختلف اشكالها سواء في العالم الصناعي او العالم الثالث احدى افرازات الارهاب الاقتصادي، وخاصة بعد ان اضحت ظاهرة دولية تهدد الاستقرار والأمن العالميين. ولعل تقارير منظمة العمل الدولية تؤكد على هذه الحقيقة حينما تشير الى ان هناك حوالي ثلث القوة العاملة في العالم وعددها ثلاثة مليارات شخص تعاني حاليا من البطالة او في حالة بطالة مقنعة، وان نصف هؤلاء يعيشون تحت خط الفقر. ولقد جاء في تقرير التنمية البشرية لعام 2000 والصادر عن الأمم المتحدة الى ان معدلات البطالة التي وصلت اليها الارجنتين تعتبر مخيفة جدا بسبب السيطرة الاجنبية على الشركات والاستثمارات الارجنتينية التي ادت الى تشريد اعداد كبيرة من القوى العاملة الارجنتينية وكذلك بسبب الركود الاقتصادي الذي تعاني منه الارجنتين تصاعدت ارقام البطالة لتصل الى 15.4% مقابل 13.8 خلال الفترة ما بين 1997 ويوليو 2000 وبلغت مؤخراً 16% من مجموع القوى العاملة البالغة 14.5 مليون عامل كما يعتبر الفساد المالي والاداري احد الاسباب الرئيسية لهذه الازمة. واذا كان عدد العاطلين عن العمل وفقا لتقرير منظمة العمل الدولية قد بلغ في مطلع عام 2001 نحو 160 مليون شخص مقارنة بنحو 140 مليون شخص قبل عامين من ذلك التاريخ وذلك في اعقاب الازمة المالية الاسيوية فكيف يكون عليه الوضع خلال السنوات العشر المقبلة حينما تشهد سوق العمل الدولية تدفقا من العمالة تدخل الى السوق وبما فيها سوق العمل بالدول الصناعية والتي تتطلب نحو 500 مليون فرصة عمل!! لقد اصبحت البطالة ظاهرة دولية تعاني منها مختلف دول العالم بعد ان اصبحت تتفاقم بشكل مضطرد دون قيام دول العالم بمعالجتها الأمر الذي يؤكد ان البطالة احدى ظواهر وتداعيات الارهاب الاقتصادي الدولي والمحلي خاصة بعد استفحالها في دول العالم الثالث حيث توجد بها الاغلبية الساحقة من العمالة الباحثة عن فرص عمل، واذا كان تفاقم البطالة ناجم عن قيام عدد من دول العالم بإعادة هيكلية اقتصادياتها وتحريرها، ثم الى تدفق عمالة شابة جديدة الى سوق العمل تحت ضغط الحاجة فكيف يصبح عليه المستقبل في ظل تداعيات ازمة سبتمبر 2001 وما ترتب عليها من تسريح أعداد كبيرة من العاملين في الشركات الامريكية والأوروبية ولاسيما شركات التأمين والطيران، وكيف يكون عليه الامر بالنسبة لدول العالم الثالث التي سوف تضطر الى تحرير اقتصادياتها واعادة هيكلتها لتتوافق مع متطلبات ومباديء منظمة التجارة العالمية وشروط الانضمام اليها ثم متطلبات العولمة الاقتصادية وتداعيات عولمة الاقتصاد العالمي وبروز شركاتها العالمية. وكيف يكون وضع سوق العمل في ظل السياسة الرامية الى احلال التكنولوجيا في الاعمال الانتاجية بدلا من قوة العمل البشرية خاصة وان هناك 840 مليون شخص يعانون من البطالة المقنعة جزء منهم يبحث عن عمل والجزء الاخر يحصل على اقل مما يكفي لدرء شبح الفقر عن اسرهم حيث تعيش شريحة كبرى بدخل يقل عن دولار واحد للفرد يوميا!! واذا كان الوضع الحالي والمستقبل يؤكد على تفاقم هذه المشكلة، وان البطالة هذه تثير الرعب والخوف والتمرد ليس في العالم الثالث فحسب وانما في العالم الصناعي ايضا فكيف يكون عليه الوضع حينما تتحول الى قنبلة قابلة للانفجار يترتب عليه مشكلات اجتماعية وامنية وسياسية واقتصادية خطيرة واهمها تولد موجة العنف والتطرف والارهاب!! حلقة الفقر على الرغم من تأكيد ميثاق الأمم المتحدة الصادر في عام 1945 واعلان حقوق الانسان الصادر في عام 1948 واللذان يؤكدان على الحقوق الانسانية والتحرر من الفاقة وتحقيق المستوى المعيشي اللائق فإن هناك 1.5 مليار نسمة يعانون من فقر الدخل ويعيشون على اقل من دولار واحدا يوميا وذلك في عام 2001 مقابل 1.2 مليار في عام 1978 ومثال على ذلك الأرجنتين التي زاد عدد الفقراء فيها ليصل الى 3.5 ملايين شخص، ويفتقر اكثر من مليار نسمة في الدول النامية الى المياه المأمونة ويفتقر اكثر من 2.4 مليار نسمة الى صرف صحي لائق وقد عزز مقال كوفي عنان الامين العام للأمم المتحدة والذي نشر في ابريل عام 2001 هذه الحقيقة حينما اكد في مقاله على ان خمس سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر بدخل يومي لا يتجاوز الدولار الواحد وهم يعانون من البؤس والجوع وتفتك بهم الامراض هذا على الرغم من تأكيد رؤساء الدول في قمة الألفية الجديدة للأمم التحدة التي عقدت في سبتمبر 2001 بأنهم لن يألوا جهدا في مساعدة اخوانهم في الانسانية في الدول الفقيرة ومد يد العون لانتشالهم من الظروف التي يعيشونها والناشئة عن الفقر المدقع. التخلف البشري على الرغم من تأكيد ميثاق الأمم المتحدة على اهمية تحقيق تنمية بشرية في مختلف دول العالم إلا ان التباين واضح بين دول متقدمة صناعية تحصد نتائج التنمية البشرية وبين دول العالم الثالث التي تتسم اوضاعها بالتخلف في التنمية البشرية فهناك 90 مليون طفل غير ملتحقين بالمدارس على المستوى الابتدائي في نهاية 1999 وهناك زهاء 34 مليون نسمة قد اصيبوا بفيروس نقص المناعة البشرية منهم 33 مليونا في دول افريقيا بجنوب الصحراء، وهناك زهاء 100 مليون طفل يعيشون في الشوارع مع احتمال موت ملايين الاطفال الذين يعيشون على اقل من دولار واحد في اليوم قبل سن الخامسة وزهاء 300 الف طفل كانوا جنودا في التسعينيات واصيب ستة ملايين طفل في صراعات مسلحة، كما يجري الاتجار بحوالي 1.2 مليون فتاة وامرأة سنويا لاغراض البغاء!! وتؤكد تقارير الأمم المتحدة وآخرها تقرير تم نشره في اغسطس عام 2000 حول واقع التنمية البشرية في العالم على ان الهوة تتفاقم بين الاغنياء والفقراء حيث جاءت 25 دولة افريقية تقع في جنوب الصحراء في آخر مراتب قائمة الدول المعنية بالتنمية وذلك بسبب النزاعات والركود الاقتصادي، فيما اعلنت منظمة اغاثة امريكية تعمل في شرق افريقيا ان حوالي 20 مليون شخص يتهددهم خطر المجاعة والجفاف في كل من السودان والصومال واثيوبيا واريتريا وكينيا مؤكدة هذه المنظمة في تقريرها ذاته على ان الجفاف والحروب وسوء الادارة تعتبر من الاسباب الرئيسية وراء تدهور اوضاع عدد من مواطني دول شرق افريقيا وانتشار المجاعة والجفاف وذلك على الرغم من جهود المنظمات الدولية ومنها منظمات انسانية عربية لمحاصرة هذه المشاكل. ويشير تقرير الأمم المتحدة الى ان منطقة جنوب آسيا تأتي ثاني اكثر مناطق العالم فقرا بعد المنطقة الواقعة جنوبي الصحراء الافريقية حيث بلغ عدد الاشخاص الذين يعيشون في فقر الى 522 مليوناً من 474.4 مليون نسمة، فيما شهدت منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي زيادة في عدد الفقراء ليصل الى 78.16 مليونا من 62.66 مليون نسمة وذلك وفقا لدراسة اعدها البنك الدولي. المديونية الخارجية لم تكن ازمة المكسيك عام 1982 حينما عجزت عن دفع مستحقات ديونها والتي تجاوزت المليار دولار سوى مقدمة لازمات اخرى حدثت في امريكا اللاتينية وكذلك دول افريقيا ومنها اوغندا وساحل العاج، او دول آسيوية ومنها دول عربية، ولعل ما حدث للمكسيك قد حدث للبرازيل، واخيرا ها هي الارجنتين التي اصبحت تعاني من معضلات اقتصادية واجتماعية اهمها الركود والبطالة والفقر بعد ان شهد الاقتصاد الارجنتيني تدهورا مخيفا حيث تواجه ديونا تزيد على 130 مليار دولار وهي تمثل اكثر من نصف الناتج المحلي الاجمالي ولم ينقذ القرض الذي قدمه صندوق النقد الدولي في ديسمبر 2001 والبالغ قيمته نحو 39.7 مليار دولار اقتصاد الارجنتين من التدهور وما حدث للارجنتين قد حدث ومازال يحدث في دول افريقية واسيوية تعاني من ازمات اقتصادية حادة جعلتها عاجزة عن سداد الديون وفوائدها ولم تجد محاولات حكومات هذه الدول من خلال لجوئها الى نادي باريس، او نادي لندن لاعادة جدولة قروضها، أو تخفيض معدلات الفائدة او تمديد فترة السداد او حتى الغاء جزءا من هذه الديون. لقد ادى تزايد الديون الخارجية والفوائد المترتبة عليها الى حدوث ازمات اقتصادية واجتماعية على دول وشعوب العالم الثالث تجسدت في تعطيل مشاريع التنمية الاقتصادية واضطرت بالتالي الى اتباع سياسات اقتصادية ومالية تقشفية صعبة ترتبت عليها تزايد معدلات التضخم والضغوط الضريبية وتقليص النفقات حيث تراجع مستوى الخدمات ولاسيما الاساسية منها كالتعليم والصحة والاهتمام بالبيئة الى ادنى مستواه، وقد عمق من هذه الازمة الضرر على الشريحة الكبرى من محدودي الدخل والفقراء في مجتمعات دول العالم الثالث. لقد تزايدت فجوة الموارد في هذه الدول وتزايدت اعباؤها مع تزايد الديون الخارجية لاسيما مع تدهور الاوضاع المالية والاقتصادية فيها خلال منتصف السبعينيات حيث اضطرت للجوء الى الاقتراض الخارجي من مصارف تجارية ومؤسسات دولية في العالم الصناعي مثل صندوق النقد الدولي حيث وجد هذا الاخير فرصة لاحكام سيطرته على هذه الدول من خلال السلاح الاقتصادي خاصة وان الاقتراض الخارجي لم يكن لمعالجة اوضاع الاقتصاد واحداث التنمية في دول العالم الثالث او لمعالجة العجز المزمن في موازنات الحكومات وانما يتم توجيه هذا الائتمان نحو تغطية متطلبات استهلاكية وجزء منه نحو الانفاق العسكري، وحيال هذا الامر اصبحت ازمة الديون الخارجية هي اهم البنود المدرجة على جدول اعمال الاجتماعات الثنائية بين الدول الفقيرة المدينة والدول الغنية الدائنة (الصناعية)، وكذلك لا يخلو جدول اعمال اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من بند الديون الخارجية لدول العالم الثالث خاصة بعد ان اصبحت هذه الديون تقدر بنحو 1500 مليار دولار امريكي وبعد ان اصبحت الفوائد المترتبة عليها تتجاوز اصول القروض ذاتها، وبالتالي من الطبيعي وأمام هذه الازمات الحادة ان تواجه اجتماعات الصندوق والبنك الدوليين بمظاهرات احتجاجية وصدامات شديدة. وبالنسبة للدول العربية فإن بعضا منها يعاني من مديونيات صعبة على الرغم من ان غالبية الدول العربية لا تعاني من ضعف مدخراتها ولكن تلك الديون والعجوزات المزمنة التي تعاني منها موازناتها ناجمة بالاساس من عشوائية السياسات الاقتصادية والمالية وسوء توظيف الايرادات والمدخرات الحكومية والخاصة، فضلا عن غياب استراتيجية الانفاق العام الذي يتجه معظمه الى الانفاق العسكري الذي يتجاوز 50% من حجم الانفاق الكلي لمعظم الدول العربية ومن الامثلة على ذلك نجد ان المغرب قد بلغت ديونها في عام 1998 نحو 19.5 مليار دولار تمثل 58% من اجمالي الناتج المحلي وتبلغ خدمات سداد الديون نحو 26.4% من مجموع نشاط الميزان التجاري. ان الفجوة الرقمية، والفقر ثم التخلف البشري وتفاقم مشكلة المديونية الخارجية لدول العالم الثالث انما يعتبر ذلك نتاجا طبيعيا لارهاب اقتصادي عانت ومازالت تعاني منه دول العالم الثالث حيث تمارسه دول عظمى ومنظمات اقتصادية عالمية وبتواطيء واضح وصريح من قبل حكومات من دول العالم الثالث وكل تلك الممارسات انما تتحمل شعوب ومجتمعات العالم الثالث التي اصبحت تعاني منذ بدايات الحركة الاستعمارية وحتى يومنا هذا من الفقر والجوع والتخلف والحرمان كحصاد طبيعي لسياسات اقتصادية اجنبية ومحلية مارستها دول وحكومات الارهاب الاقتصادي وكذلك حكومات محلية ضد شعوبها، وبالتالي من الطبيعي ان تكون لهذه الشعوب من ردود فعل ضد كل تلك الممارسات الاجنبية والمحلية على السواء. بقلم: نجيب عبدالله الشامسي