تواجه صناعة السياحة العربية هذه الايام تحديات كثيرة فرضتها سخونة الاجواء السياسية في المنطقة ورواسب احداث الحادي عشر من سبتمبر، التي مالبثت ان تتلاشى آثارها حتى جاءت تطورات الاحداث الجارية في الاراضي الفلسطينية لتزيد هذه التحديات صعوبة، خاصة في ظل عدم قدرة المراقبين على استقراء توجهات الاحداث مع وجود الحكومة الاسرائيلية الحالية التي لا تعرف سوى الارهاب لغة لتحقيق الأمن. وفي ظل هذه التطورات المتلاحقة تأثرت الحركة السياحية بالمنطقة سلباً الى الحد الذي عانت معه دول عربية ذات مقدرات سياحية هائلة مثل مصر والاردن ولبنان وسوريا من حالة تراجع كبيرة في السياحة القادمة اليها وبالتالي قلت مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي الاجمالي لهذه الدول. وفي ظل هذه الرؤية المتشائمة لمستقبل السياحة العربية يرى العديد من المراقبين وجود بوادر انتعاش ومؤشرات قوية لتحقيق نتائج ايجابية هذا الموسم تعكسها المشاركات القوية للعديد من الدول العربية في سوق السفر العربي 2002. وزيادة السياحة العربية البينية بنسبة كبيرة هذا العام بعدما كانت تمثل 42% خلال الاعوام الاخيرة. وتراجع العديد من السياح العرب عن السفر الى اوروبا وامريكا في ظل تداعيات احداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعها من معاملات غير ملائمة للسائحين العرب. ومن ثم تعود هذه السياحة الى الوطن بعد ان كانت تنفق اكثر من 25 مليار دولار سنويا في الغرب فيما يقل نصيب الوطن العربي كله من السياحة الدولية عن 2.5% من اجمالي عدد السياح في العالم الذي يقترب حاليا من 650 مليون سائح سنويا، كما لا يحصل العالم العربي كله سوى على 2.7% من عائدات السياحة في العالم. ولاستقراء مؤشرات النمو المتوقع خلال المرحلة المقبلة تلتقي «البيان» عددا من المسئولين والخبراء المختصين في مجال السياحة للتعرف على رؤيتهم لواقع ومستقبل السياحة العربية البينية والدور الذي يمكن ان يلعبه سوق السفر العربي 2002 في اعادة التوازن للسياحة العربية في ظل سخونة الاجواء الحالية. في البداية يقول توم نوتلي المدير التنفيذي لشركة ريد ترافل اكسيبشيونز المنظمة لمعرض سوق السفر العربي انه على الرغم من الظروف الصعبة التي مر بها قطاع السياحة والسفر العالمي في اعقاب الحادي عشر من سبتمبر فإن دورة الملتقى هذا العام تشهد مشاركة قوية من قبل 700 شركة عارضة تمثل 56 دولة مما يعكس مدى المرونة التي تتمتع بها صناعة السياحة وقدرتها على التأقلم مع الظروف العالمية الطارئة الامر الذي يمثل اشارة ايجابية على عودة القطاع الى معدلاته الطبيعية السابقة، حيث نجح الملتقى في توسعه تغطيته الجغرافية للشركات العارضة ونوعية المنتجات والعروض والخدمات، مشيرا الى ان دوره هذا العام تشهد نموا مقداره 2.5% في مساحات العرض الصافية مقارنة بدوره العام الماضي بما يجعلها الدورة الأبرز في تاريخ معرض سوق السفر العربي. واضاف ان مشاركة منطقة الشرق الاوسط بالمعرض تفوق جميع المشاركات الاخرى السابقة من خلال 258 شركة عارضة وهو ما يمثل نسبة زيادة قدرها 10% مقارنة بدوره العام الماضي، مشيرا الى قيام العديد من الشركات الاقليمية بزيادة حجم اجنحتها المشاركة بالمعرض خاصة اجنحة دبي وقطر والبحرين والمغرب. وقال نوتلي ان تزايد عدد الشركات العارضة من الشرق الاوسط يأتي نتيجة تزايد السياحة البينية الاقليمية التي شهدت نموا جيدا على الرغم من التباطؤ الذي تشهده الصناعة عالميا حيث تركز العديد من دول المنطقة على هذه النوعية من السياحة الاقليمية. واشار الى ان مشاركة منطقة الشرق الاوسط بالمعرض مرشحة لمزيد من النمو خلال السنوات المقبلة في ظل تقارير مجلس التجارة والسفر العالمي التي تقول بأن استثمارات قطاع السياحة والسفر بالمنطقة ستصل هذا العام الى 11.3 مليار دولار امريكي. واضاف ان مؤشرات مجلس التجارة والسياحة العالمي اكثر من جيدة في ظل التوقعات التي تقول بأن قطاع السياحة والسفر بالمنطقة سيحقق عوائد اقتصادية بقيمة 95.1 مليار دولار تنمو الى 180.7 مليار دولار بحلول عام 2010. ويقول ابراهيم أهلي مدير ادارة الترويج الخارجي بدائرة السياحة انه يجب توسيع قاعدة السياحة البينية ولا تقتصر على الدول العربية فقط بل تمتد ايضا لتشمل دولاً اخرى في المنطقة بمعنى ان تصبح اقليمية اكثر منها عربية ـ عربية، وذلك لتعميم الفائدة وتنويع الخيارات السياحية امام السائح العربي. واضاف ان احداث سبتمبر اعادت إلى الاذهان اهمية ما يعرف بالسياحة الاقليمية التي كانت هي الاساس عندما كانت عملية السفر والتنقل صعبة لكن مع تطور وسائل النقل الجوي وحركة الطيران إلى الحد الذي سمح بزيارة ابعد اماكن العالم، مشيرا إلى ان السياحة العالمية كانت تعتمد على المداخل الناتجة عن السياحة الاقليمية، وهناك تجارب كثيرة في نجاح ذلك النوع من السياحة اقتصرت على مناطق اوروبا ومناطق جنوب امريكا واسيا وافريقيا، وبطبيعة الحال ينطبق الامر على الدول العربية أو منطقة الشرق الاوسط ودول الخليج. واوضح اهلي ان السياحة الاقليمية في بعض الاحيان يفضلها السائح لما يشعر به من امان عند تواجده بالقرب من موطنه وفي نفس السياق الثقافي والحضاري الذي ينتمي اليه. وحول دور الملتقى في تشجيع السياحة الاقليمية قال اهلي ان المشاركة العربية والشرق اوسطية في الملتقى هذا العام تعكس مدى حرص الدول بشكل عام والقطاع الخاص بها بشكل خاص على دعم وتعزيز السياحة المشتركة، مشيرا إلى ان افضل طريقة لزيادة هذا النوع من السياحة هو تطوير سبل التسويق من قبل الدول العربية. واوضح ان دبي نجحت في الترويج لنفسها جيدا بالخارج ولم تتأثر باحداث الحادي عشر من سبتمبر التي زالت تأثيراتها تماما بانتهاء شهر ديسمبر وعادت الصورة إلى طبيعتها بفضل الجهود الترويجية الناجحة حيث ارتفعت نسب اشغال الفنادق مع بداية يناير بحدود 80% واخذت في الارتفاع حتى وصلت 96% خلال شهر ابريل. ويرى مدحت السكري وكيل وزارة السياحة بجمهورية مصر العربية ومسئول هيئة تنشيط السياحة ان سوق السفر العربي احد الجهود التي تبذل في سبيل العودة بالسياحة العربية إلى ما كانت عليه قبل احداث سبتمبر، مشيرا إلى ان مصر تعتبر الاهتمام بالسياحة العربية توجها استراتيجيا وليس له ارتباط بالازمات، وقال ان السياحة العربية البينية لا تمثل سوى 42% من اجمالي السياحة الخارجة من الوطن العربي. وحول نسبة السياحة العربية القادمة إلى مصر قال السكري ان السياحة العربية تتراوح نسبتها بين 18 -20% من اجمالي السياحة الوافدة إلى مصر سنويا والتي تزيد عن مليون سائح. واضاف ان وزارة السياحة المصرية تحرص على المشاركة الدائمة في كافة المعارض السياحية والمؤتمرات لابراز المنتج السياحي المصري المتميز والمتجدد بما يتناسب مع احتياجات السائح العربي. واكد ان احداث سبتمبر كان لها تأثير كبير على حركة السياحة العالمية وليس مصر فقط مما دعا إلى التركيز على التوجه العربي اكثر حيث بادر وزير السياحة المصري د. ممدوح البلتاجي بارسال قافلتين يضمان المسئولين في مجال السياحة إلى المشرق العربي، فتوجهت القافلة الاولى للكويت والسعودية والامارات، والثانية إلى سوريا ولبنان والاردن ويتم الاعداد حاليا لارسال قافلة اخرى إلى بلاد المغرب العربي، وذلك بهدف الترويج للسياحة المصرية، وبحث ايجاد حلول للعقبات التي تواجه السائح العربي والعمل على ازالتها. واكد السكري على الدور الذي يلعبه وزراء السياحة العرب خلال اجتماعاتهم التي تعمل على زيادة السياحة البينية. وحول الاجراءات التي اتخذتها مصر للتيسير على السائح العربي واستقطابه لقضاء اجازاته في مصر قال السكري ان هذه الاجراءات تضمنت حصول الزائرين العرب ممن يلزم حصولهم على تأشيرة مسبقة ان يتم ذلك في مدة اقصاها 72 ساعة وتكون هذه التأشيرة صالحة لمدة سنة ولعدة سفريات. كما تم السماح بنقل الكفالة للمرافقين والتوابع للزائرين من دول الخليج، وايضا توسيع وتطوير منفذ السلوم البري للقضاء على المشاكل التي تواجه الزائرين القادمين من ليبيا ودول المغرب العربي. كما تم السماح كذلك بترك السيارات الخاصة للسائحين العرب قبل المغادرة في منطقة تخزين قرب المطار ليتسلمها مرة اخرى عند عودته مع امكانية تسمية وكيل له. واضاف ان هناك اجراءات اخرى خاصة بالجوازات والجمارك واجراءات التملك والانشطة السياحية مثل المناسبات والمهرجانات المختلفة التي تتماشى مع ما يحتاجه السائح العربي خلال فترة زيارته لمصر. ودعا السكري إلى اهمية بذل جهود اكثر من قبل القائمين على السياحة العربية لازالة القيود التي تعترض السياحة البينية خاصة في ظل التطورات والاحداث الجارية وما يلاقيه السائح العربي من معاملات غير ملائمة في الغرب خاصة بعد سبتمبر الماضي. من جانبه أعرب مروان خوري مدير عام هيئة السياحة الاردنية عن تفاؤله بانتعاش السياحة العربية البينية خلال الفترة المقبلة مشيراً الى ان الملتقى هذا العام سيكون الانجح في تاريخه لانه استطاع ان يتغلب على اثار سبتمبر ويكسر حالة الركود التي شهدتها السياحة العربية والعالمية خلال الفترة الماضية. وقال ان هناك احساساً بأن المؤشرات سوف تكون أفضل من العام الماضي مشيراً الى انه بالنسبة للاردن فان السياحة العربية اليه زادت بنسبة 25% عن العام الماضي واستطاعت ان تغطي التراجع الذي شهدته بعد سبتمبر من السياحة القادمة من الغرب. وأضاف خوري ان الملتقى هذا العام سوف يشهد توقيع عقود كثيرة تركز معظمها على السياحة العربية البيئية، مشيراً الى انه ومن خلال اتصالاته يعتقد ان جميع المسئولين السياحيين العرب يعملون في نفس الاتجاه بعد ان شعروا بالتقصير الكبير في حق السوق العربي، وأضاف ان الآمن هو الوقت المناسب للبدء فوراً والانطلاق من الملتقى لتفعيل السياحة البينية. ودعا الى الاهتمام بتسهيل الاجراءات الخاصة التي من شأنها زيادة حجم هذه السياحة والتي تتمثل في الجمارك والتأشيرات مشيراً الى ان ذلك يتطلب قرارات سياسية في المقام الأول ضمن استراتيجية عربية موحدة وترك القطاع الخاص لتنفيذ هذه الخطة. وقال ان السائح العربي الى الاردن يمثل أكثر من 50% من حجم السياحة القادمة اليه زادت الان الى 60% في حين تراجعت السياحة الاوروبية بنسبة 35% عن عام 2000 وتراجعت الأمريكية بنسبة 41% وهذا يوضح مدى استفادة السياحة العربية من الأحداث وامكانية تعويض الاثار التي تفرزها الاحداث السياحية في الغرب. وقال ان السياحة البينية الأوروبية تشكل ما نسبته 82% من السياحة العامة مقابل 42% للسياحة العربية البينية لهذا لم يكن تأثير أحداث سبتمبر كبيراً على السياحة الاوروبية لانها تمتلك أساسا قويا يعتمد على السياحة البينية القوية. من جهة اخرى قال عبدالعالي طير مدير عام الديوان الوطني للسياحة في الجزائر ان المشاركة في سوق السفر العربي بالنسبة للجزائر هو فرصة كبيرة للاستفادة وتفعيل السياحة العربية البينية معرباً عن تفاؤله بتحقيق ذلك. وأضاف ان الجزائر توجهت حديثاً للقطاع السياحي والاعتماد عليه كمصدر للدخل لهذا قامت الحكومة بوضع خطة استراتيجية كبرى تبدأ من 2001 وتنتهي في العام 2010 للتنمية السياحية تتضمن عوامل جذب للسياحة العربية في المقام الأول وتسهيلات جمركية. وأضاف انه من المهم أولاً ان تزيد السياحة البينية بين العرب والتعرف أولاً على مقدراتهم السياحية قبل التوجه الى الغرب حيث توجد جميع الامكانات السياحية بجميع أنواعها بين الدول العربية فهذه المقومات متعددة ومتنوعة في نفس الوقت فكل بلد بإمكانه ان يصبح مقرا سياحيا متنوعا. وقال انه لابد من ان توجد اتفاقيات بين الدول العربية حتى تزيد السياحة فيما بينها وليكون التبادل مكثفا تصب جميعها في صالح الاقتصادات العربية. ودعا الى زيادة الاستثمارات العربية في القطاع السياحي في الجزائر متوقعاً ان تحصل بلاده على نحو 1.6 مليار دولار من عائدات السياحة حتى عام 2010. وتوقع كذلك وفق الخطة الموضوعة ان تستقبل الجزائر نحو 1.2 مليون سائح سنوياً. وحول رأي الشركات العاملة في القطاع السياحي حول السياحة البينية العربية قال اسامة بشرى المدير الاقليمي لشركة ترافكو في الامارات وعمان وقطر ان الشركات السياحية التي تعمل في السوق العربي لم تكن تعطيه الأهمية التي يستحقها حتى جاءت أحداث سبتمبر فكانت بمثابة نقطة تحول أكدت أهمية هذا السوق والاعتماد عليه بشكل أفضل لتغطية التراجع الذي قد ينجم أحياناً من الأحداث العالمية التي تنعكس سلباً على السياحة العالمية بشكل عام والسياحة العربية بشكل خاص. وأكد اسامة ان التركيز أصبح الان أكثر على السوق العربي والنتائج جاءت ايجابية ومشجعة، مشيراً الى اختلاف اتجاهات ترافكو حيث صار لديها انفتاحا عالميا أكبر ومنها بالطبع الأسواق العربية حيث تعمل ترافكو في اطار شبكة عالمية واسعة تغطي كافة أسواق العالم. وأشاد بالدور الذي تقوم به دبي في جذب العديد من السياحة العالمية والعربية وذلك من خلال الانشطة والمهرجانات التي تقيمها على مدار العام وأيضاً المعارض والمؤتمرات مشيراً الى ان هذه الأدوات تساعد الشركات السياحية على جذب السياحة الى دبي وتوقع ان ترتفع السياحة العربية القادمة الى دبي مع التركيز على أسواق مصر ولبنان والمغرب. وقال ان ترافكو تستقدم نحو 50 ألف سائح سنوياً الى دبي، وأضاف انها قامت بفتح مكتب تمثيل لها في الصين للاستفادة من الاتفاقية التي وقعت بين مصر والصين باعتبار الصين محطة رسمية لمصر موضحاً ان ترافكو سوف تقوم بالاستفادة من هذه السياحة التي تتخذ دبي مركزاً لها وذلك من خلال تنظيم رحلات لها في دبي. تحقيق : مصطفى عبدالعظيم