جعل النمو الاقتصادي الذي حققته روسيا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة وتسديدها لمدفوعاتها من الديون الخارجية في وقت استحقاقها خلال العام الماضي العديد من المسئولين الروس يشعرون، بالتفاؤل في ما يخص الوضع المالي لبلادهم . وبدون شك أن روسيا أقدمت على خطوة غير مسبوقة عندما بدأت بسداد الديون من دون تأخير وبدون طلب إعفاءات في هذا الصدد، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن يكمن في مدى تحمل الاقتصاد الروسي لهذا الإرهاق المالي الكبير، فمن المعلوم أنه كلما زادت المدفوعات الخارجية قلت الموارد المالية المتاحة لحل القضايا الاجتماعية داخل البلاد وضخ الاستثمارات في فروع الاقتصاد المختلفة وعلى رأسها الصناعة الوطنية. وقد وصلت أعباء الديون الخارجية لروسيا إلى أكثر من 150 مليار دولار أمريكي، ووفقا لوزارة المالية الروسية كان على روسيا أن تدفع 14.2مليار دولار خدمة للديون الخارجية في عام 2001، و14.2 مليار دولار في عام 2002، و19.5 مليار دولار في عام 2003، وما لا يقل عن 16 مليار دولار في عام 2004، وحوالي 18 مليار دولار في عام 2005م. وبشكل عام ينبغي أن تدفع روسيا حوالي 82 مليار دولار خدمة للديون الخارجية خلال خمسة أعوام. ويرى فلاديمير أزوفتسيف الخبير في لجنة الشئون الخارجية بمجلس النواب الروسي صعوبة وفاء روسيا بمدفوعات الديون الخارجية على المدى الطويل حتى ولو ظلت أسعار النفط مرتفعة . ووفقا لحسابات أزوفتسيف أنه حتى لو تمكنت روسيا من الوفاء بمدفوعات خدمة الديون في وقت استحقاقها عاماً بعد عام، فإنه يجب عليها أن تستمر في سداد الديون حتى عام 2030 بحيث يجب أن تسدد في نهاية المطاف حوالي 250 مليار دولار على أقل تقدير، ويعتقد الخبير الروسي أن هذا يعد من الأمور شبه المستحيلة. ولكن ما الذي يمنع إجراء المفاوضات بشأن إعفاء روسيا من ديون الاتحاد السوفييتي السابق؟ يقول البروفيسور ازوفتسيف بهذا الصدد أن المعلومات عن نمو الاقتصاد الروسي في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من الركود تؤثر تأثيراً سلبياً على الدائنين، فألمانيا، على سبيل المثال، وهي أهم مقرض لروسيا، تعاني من مشاكل تتعلق بتحقيق التوازن في ميزانيتها، لذلك ترى بون أنه لا يمكن الحديث عن إسقاط ديون الاتحاد السوفييتي، ويضيف قائلا: انه كان من الممكن تخفيف وطأة المديونية عن موسكو باسترداد الديون المستحقة على الدول غير الغربية للاتحاد السوفييتي السابق الذي ورثت روسيا حقوقه، ولكن هذا حلم بعيد المنال حيث أن هذه الدول فقيرة، وليس هذا فحسب، بل خضعت الديون المستحقة للاتحاد السوفييتي للجدولة فأصبحت ديون الدول القادرة على تسديد المديونية ملكاً لمجموعات مصرفية مختلفة، وقد جرى ذلك قبل أن تبدأ الحكومة الروسية بإجراء جرد شامل لحجم ديون روسيا وقائمة المدينين لها . كما أنه عندما انتسبت موسكو إلى عضوية نادي باريس الذي يضم الدول المانحة في عام 1997 وافقت على إعفاء البلدان الفقيرة من الديون المستحقة للاتحاد السوفييتي رغم أنه لم يعف أحد روسيا ولو من شريحة من الديون التي تستحق على الدولة السوفييتية السابقة. ويعتقد البعض أن حرص روسيا على الوفاء بمدفوعات خدمة الديون في الوقت الراهن يعود إلى رغبتها في الحصول على موافقة الدائنين على إسقاط ما يقرب من ثلاثة أرباع ديون الاتحاد السوفييتي السابق البالغة حوالي 103 مليارات دولار أمريكي، ويرى ألكسندر شوخين رئيس لجنة مؤسسات الإقراض وأسواق المال ضرورة العمل على جذب المؤسسات التجارية لشراء الديون الخارجية الروسية كأحد أدوات حل المشكلة، ويتمنى شوخين على الهيئة المزمع إنشاؤها لإدارة الديون العامة أن تشجع الشركات الخاصة على شراء ديون روسيا، ولكن هذه الهيئة لن تظهر في روسيا إلا بعد عامين أو ثلاثة أعوام على أقل تقدير . ويعتبر ألكسندر شوخين أن السلطات الروسية أخطأت حين أعلنت عن إسراعها بسداد الديون بعدما كانت منذ عام تتحدث بشأن وجوب إسقاط قسم منها. ويقول سيرجي شيشاكوف،عضو اللجنة الحكومية المعنية بالدين العام، أن موسكو أملت في إسقاط ثلاثة أرباع الديون المستحقة على روسيا لنادي باريس والبالغة 38.7 مليار دولار عندما أجرت المحادثات مع نادي باريس في أغسطس 1999م. ولكن موسكو أفسدت هذه «الطبخة» بإعداد مشروع ميزانية إسقاط جزء محدد من الديون قبل أن يوافق نادي باريس على ذلك