كان من المأمول اصدار تكليفات محددة من القمة العربية في مجال دعم التعاون الاقتصادي العربي وقيام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بتنفيذها أو على الأقل أن يتحمل اعباء تنفيذها حيث نصت الاستراتيجية الجديدة على مايلي: ـ انشاء مؤسسة مالية عربية لتشجيع وتمويل فرص الاستثمار الخاص على غرار هيئة التمويل الدولية وبالتعاون مع مؤسسات التمويل العربية، وعلى أن يكون هناك مسح كامل للفرص الاستثمارية المنتشرة في الوطن العربي. ـ انشاء شركات عربية كبرى مشتركة برؤوس أموال خاصة، وذلك في المجالات الحيوية والبنية الاساسية اللازمة للتكامل الاقتصادي العربي مثل الشركة العربية القابضة للتسويق والتجارة، والشركة العربية للتجارة الالكترونية. ـ اقامة نظام عربي للمعلومات وتعزيز مجال البحث والتطوير خاصة في مجال التكنولوجيا لدى الاتحادات العربية النوعية المتخصصة، وعلى أن تقوم هذه الاتحادات بتنفيذه ومتابعته. ـ قيام الدول العربية باتخاذ جميع الاجراءات اللازمة لتسهيل مرور جميع وسائط النقل العربية عند عبورها منافذ وحدود الدول العربية بما سيساهم أيضا في تنمية التجارة العربية البينية. ـ قيام الدول العربية باتخاذ جميع الاجراءات اللازمة لتسهيل انتقال رجال الاعمال والمستثمرين العرب بين البلاد العربية تحقيقا لتشجيع الاستثمار العربي والتجارة العربية البينية. ـ اتخاذ الاجراءات والسياسات اللازمة للانتقال الى مرحلة الاتحاد الجمركي وصولا الى السوق العربية المشتركة، وقد تم بالفعل اعداد مشروع هذا الاتحاد والمراحل الزمنية المطلوبة. ـ اشتراك مجلس الوحدة الاقتصادية مع صندوق النقد العربي في انشاء آلية لتعويض الدول العربية الأقل نموا سعيا لسرعة اندماجها في مسيرة الاقتصاد العربي. من هذا يتبين أن الاستراتيجية التي أعدها مجلس الوحدة الاقتصادية للعرض على القمة العربية لم تقتصر على المجالات التجارية وانما امتدت الى كل المجالات الاقتصادية اللازمة لدعم التعاون الاقتصادي العربي وتحقيق السوق العربية المشتركة والقيام بعمل عربي مشترك خاصة وقد سبق أن أعد وزراء الاقتصاد العرب المجتمعون في بيروت قبل اجتماع القمة بيومين مشروعا في مجال التعاون الاقتصادي العربي لعرضه على القمة العربية وكان يتضمن الخطوط التالية: ـ ادراك القادة العرب للجهود المبذولة للارتقاء بالاقتصادات العربية بما يسمح بمزيد من فاعليات اندماجها في الاقتصاد العالمي من خلال أبنية اقتصادية موحدة وتتسم بمزيد من الكفاءة تدعمها اجراءات الاصلاحات الهيكلية. ـ مضاعفة الجهود من خلال تعزيز وتفعيل التكامل الاقتصادي العربي وفقا لخطة شاملة ومراحل متدرجة تراعي الربط بين المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة لكل دولة عربية، تمكن من تحقيق تنمية شاملة مستدامة. ـ ازالة القيود غير الجمركية وتوحيد هياكل الرسوم والأجور والنماذج في جميع الدول العربية والاسراع في ادماج تجارة الخدمات ضمن منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والاعداد للانتقال الى مرحلة متقدمة في التكامل الاقتصادي العربي من خلال اقامة اتحاد جمركي. ـ التحرير الشامل للنقل الجوي بين الدول العربية وفقا لخطة مرحلية تنتهي في نوفمبر عام 2006 وتنتهي مرحلتها الأولى التي بدأت عام 2000 في أكتوبر المقبل، وتشمل تحرير نقل البضائع والنقل الجوي غير المنتظم، كما تنتهي المرحلة الثانية منها في أكتوبر عام 2004 وتشمل النقل الجوي المنتظم. ـ استكمال الربط الكهربائي بين الدول العربية وتقويته والاسراع في تنفيذه، مع انشاء سوق عربية للطاقة واستغلال المتوافر من النفط والغاز في تصدير الطاقة للاستفادة من القيمة المضافة عوضا عن تصديرها كمواد أولية. لقد كان الاهتمام بدعم التعاون الاقتصادي العربي واضحا وملحا في العرض على قمة بيروت، ولكن انشغال القمة بالأوضاع السياسية والوضع المتفجر في فلسطين والهجوم الوحشي الاسرائيلي على الفلسطينيين العزل، والمحاولات في ايجاد مخارج سليمة لهذه الأوضاع عن طريق المبادرة العربية التي قدمتها المملكة العربية السعودية، هذا الانشغال لم يترك مناخا ملائما لمناقشة أوضاع التعاون الاقتصادي العربي بالتفصيل رغم أهميتها في رفع مستوى التقدم العربي واعداد المواطن العربي الذي يستطيع ان يرد هذا الهجوم الشرس وهذه الاعتداءات الاسرائيلية التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ المعاصر. من هنا جاءت توصيات القمة في مجال التعاون الاقتصادي العربي قاصرة وغير واضحة في جزء منها بل وانشائية ومعادة في الجزء الآخر حيث تضمنت بالنص مايلي: ـ يؤكد القادة حرصهم على تعزيز وتفعيل التكامل الاقتصادي العربي وفقا لخطة شاملة ومراحل متدرجة تراعي الربط بين المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وتعزيز القدرات الاقتصادية لكل دولة من الدول العربية وتمكن من تحقيق تنمية عربية شاملة ومستدامة. ـ يبدي القادة العرب ارتياحهم لمستوى الانجاز الذي تم في تنفيذ قرارات قمة عمان المتعلقة بالنهوض بالعمل الاقتصادي العربي، ويحثون المجلس الاقتصادي والاجتماعي على استكمال تنفيذ تلك القرارات واتخاذ الاجراءات والخطوات اللازمة بالتعاون مع الدول الأعضاء. ـ يؤكد القادة أهمية تشجيع الاستثمارات العربية البينية والمشتركة ودعوة مؤسسات التمويل العربية وقطاع التمويل الخاص للمساهمة في تمويل المشاريع الاقتصادية التي ينفذها القطاعان العام والخاص والتي تسهم في التنمية في البلدان العربية خاصة المتعلقة منها بالبنية التحتية، كما يؤكدون ضرورة اتخاذ الخطوات اللازمة للتعريف بمناخ الاستثمار في الدول العربية وايجاد قنوات اتصال دائمة للمستثمرين لمتابعة برامجهم واهتماماتهم الاستثمارية. ـ يطالب القادة العرب بضرورة تعزيز التعاون الاقتصادي العربي لبلوغ الأهداف الواردة في هذه التوصيات، مع تكليف جميع مؤسسات العمل العربي المشترك بالعمل على تحقيق ذلك كل في مجاله. وأقول أن التوصيات الاقتصادية لمؤتمر قمة بيروت لا ترقى الى مستوى المرحلة الخطيرة التي نعيشها، ولا تعبر عن تلك التي يطالب بها مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ولا حتى المجلس الاقتصادي العربي والتي تلاحق التغيرات الاقتصادية الدولية وتواجه الاستغلال والاستنزاف والنهب المالي الذي يتعرض له الشعب العربي على أيدى القوى المعادية التي نعرفها جيدا. واذا كان هناك من يعتقد ان التوصيات العملية المطلوبة قد تبحث عن طريق مؤتمر قمة اقتصاديا تمت الدعوة الى انعقاده بالقاهرة في يونيو المقبل، فإنه لا يتعين ان نعول كثيرا عليه وننتظر حتى موعد انعقاده بعد ثلاثة شهور، وانما المبادرة يمكن ان تأتي عاجلا من مجلس الوحدة الاقتصادية العربية وأمينه العام الدكتور أحمد جويلي، وذلك بالتحرك المطلوب مع الشعوب والحكومات العربية. فليس من المتصور أن تقف دولة عربية ضد خطوات اقتصادية ترى انها ستكون في صالحها، أو أن تعارض مشروعا سيفيد مواطنيها، طالما يكون هناك من يستطيع اقناعها بذلك. ومن هنا أقول لماذا لا يبدأ المجلس في دعوة رجال الاعمال العرب المتخصصين كل في مجاله لتنفيذ الدمج الاقتصادي العربي، على مستوى الشركات المتشابهة التي يملكونها لكي يتكون منها شركات كبرى تمتد فروعها في أغلب الدول العربية وتقوم بانتاج السلع والخدمات التي يمكن ان تنافس السلع والخدمات والأجنبية التي تغرق حاليا الأسواق العربية، والتي لم تعد تقتصر على السلع الواردة من أوروبا أو من الولايات المتحدة الأمريكية بل امتدت الى السلع الواردة من اسيا خاصة بالنسبة للصين التي تملأ منتجاتها أسواق الدول العربية وكثيرا منها يأتي عن طريق التهريب!! ولماذا يقوم المجلس بإعداد دراسات جدوى لمشروعات عربية كبرى ويعاونه في ذلك هيئات الاستثمار المحلية في الدول العربية، وعلى ان تعرض على رجال الاعمال العرب الكبار كالوليد بن طلال وصالح كامل وغيرهما وعلى ان يعرض اسهمها المتبقية في كافة الدول العربية بالاتفاق مع حكوماتها ومع منح تيسيرات لانشائها في مجال أعمالها وتشغيل مواطنيها وخبرائها وبما يساعد في الاقبال على انشائها. ولماذا لا يقوم المجلس بالاتصال المباشر بالقطاع الخاص العربي في مجال تنفيذ توصياته والعمل العاجل بها بدلا من حفظها في الأدراج، وفي مقدمة هذه التوصيات انشاء المؤسسة المالية العربية من القطاع الخاص وبعيدا عن القطاع الحكومي، وهناك تصور كامل لانشاء هذه المؤسسة التي يمكنها ان تقوم بتنمية المنطقة العربية وانشاء ماتتطلبه من مشروعات تنموية خاصة في المناطق الفقيرة منها، وعلى أن يتولى تمويل رأس مالها كبار المستثمرين العرب خاصة هؤلاء الذين بدأوا في استرداد أموالهم من الخارج قبل تجميدها. ولماذا لا يقوم المجلس بالاتصال المباشر والعاجل بالدول العربية التي لم تعلن انضمامها حتى الآن للسوق العربية المشتركة، وبطرق الاتصال المتعددة حاليا، وذلك ليعرف الاسباب الحقيقية في عدم الانضمام الى السوق وحتى تستكمل اركانها للتنفيذ العملي كالسوق الأوروبية المشتركة، ويناقش هذه الاسباب وان كان الانضمام متعذرا أو صعبا لاسباب معينة فإنه يمكن تذليلها مهما كانت لأن الجميع سيكسبون من السوق المشتركة وهي مهمة يقع عبئها على المجلس وعلى كافة الجهات العربية التي تعمل في مجال التعاون العربي المشترك والتي تصدر توصيات دائمة بضرورة انشاء السوق. ولماذا لا يتقابل الدكتور أحمد جويلي، واعرف انه من أوائل المهتمين بدعم التعاون الاقتصادي العربي واحيائه من الغفوة التي عاش عليها طوال نصف قرن، مع المستثمر العربي الكبير الوليد بن طلال الذي أعرف ايضا أنه من المهتمين بالعمل على بناء الأمة العربية واعادة هيكلتها بعد ضعف عاشت عليه طوال القرن الماضي، ليبحثا معا كيفية الوقوف ضد استنزاف ثرواتها مع المستعمرين والمستغلين، ولكي يضعا معا خطة تنمية عربية تقوم على انشاء مشروعات تكاملية كبرى تعالج الفقر والبطالة في الوطن العربي، وعلى ان يتم تمويلها من الأموال العربية في الخارج التي قدرها البنك الدولي بحوالي تريليون دولار، ومن العوائد العربية المستغلة في التعامل التجاري والنقدي مع بعض الجهات الأجنبية. أقول لماذا لا يتفق مجلس الوحدة الاقتصادية العربية مع القطاع الخاص العربي والجهات التي تمثله، على العمل سويا في ضوء خطة التنمية العربية، والاتصال معا بالحكومات المعنية لتذليل الصعوبات التي تقف امام تنفيذ المشروعات العربية الكبرى والمشتركة والتي تكون نواة للسوق العربية المشتركة، وعلى ان تشكل هذه الحكومات لجان لتسهيل قيام هذه المشروعات والتي تنافس المشروعات الأجنبية وتقوم بانتاج السلع والخدمات للسوق العربي وللتصدير. إن التوصيات الصادرة في مؤتمرات عربية، في المجال الاقتصادي، تختلف كثيرا عن التوصيات الصادرة في مؤتمرات أجنبية، فالتوصيات العربية لا تنفذ ويحفظ اغلبها في الادراج الى ان تتآكل مع الزمن بالرغم من أهميتها لدعم التعاون الاقتصادي العربي، بل ولحياة المواطنين العرب الذين يقاسون في أغلبهم من الفقر والجهل والمرض وقسوة المعيشة بينما ينعم غيرهم بأموالهم وثرواتهم وعلمائهم ومفكريهم!! ويأتي ذلك نتيجة لبيروقراطية العمل العربي المشترك ورغبة الكثيرين من القيادات الاقتصادية العربية وادارتها العليا في الأخذ دون العطاء، وفي ضوء سلوكيات وأساليب غريبة وغير عملية بل وغير جادة، وهو وضع استمر مايقرب من نصف قرن، ولقد آن الآوان ان تعرف هذه القيادات الاقتصادية في المنطقة العربية أن المنطقة أصبحت في خطر، وان الخطر لن يترك أحدا لأن التخطيط معد لكي تتدهور هذه المنطقة اقتصاديا ويتحول أغلب سكانها الى خدم للدول صاحبة النفوذ والسلطة بعيدا عن القيم والمبادئ الشريفة الدنيوية والدينية والمشروعة.