تتوقف حركة العمل في معظم بلدان العالم في يوم عيد العمال إلا أن هذا لم يكن الحال أمس الأول في العراق ـ حتى بالنسبة لصادرات البترول التي يعرف الجميع أن الحكومة العراقية قد فرضت حظرا عليها مدته شهر ينتهي بصفة مبدئية يوم الاربعاء المقبل الثامن من مايو. فالحظر يشمل فقط الصادرات عبر ميناء جيهان التركي وميناء البكر على الخليج التي تصل إلى حوالي 1.8 مليون برميل يوميا. أما الانتاج للاستهلاك المحلي والصادرات عن طريق البر عبر تركيا والاردن وسوريا ودول الخليج فتستمر بمعدل أكثر من ثلاثة أرباع المليون برميل يوميا. ويخفف ذلك من وطأة الحظر الطوعي الذي ارتضاه العراقيون، إضافة إلى الحظر الدولي المفروض، في سبيل مساعدة الفلسطينيين الذين يواجهون موقفا أشد صعوبة في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل. ولوحظ أمس الأول استمرار الشاحنات وصهاريج النفط في حركتها الدؤوب وهي تنقل البضائع من وإلى المناطق الحدودية. ويساعد تدفق التجارة عن طريق البر إلى حد ما في تقليل معاناة الشعب العراقي الذي ما زال يحتفظ بتمسكه بالقضايا القومية رغم الظروف الصعبة التي يعيشها. وكان الكثيرون من العراقيين المنهمكين في زحمة الحياة في يوم يفترض أن يكون عطلة يسعون وراء رزقهم لكي يتمكنوا هم ومن يعولونهم من تلبية الضرورات الاساسية للحياة. يقول سائق التاكسي أبو يوسف «لم يعد هناك وقت لديك تقضيه مع أطفالك كما كان الحال في الماضي فليس هناك وقت لاضاعته في ظل استمرار الحظر الدولي». ولا أحد يعرف على وجه التحديد ما إذا كانت الحكومة العراقية ستقرر في الاسبوع المقبل استئناف ضخ النفط لكي تتمكن من تعويض الاموال التي هي في أمس الحاجة إليها للحصول على المتطلبات اليومية بمقتضى برنامج النفط مقابل الغذاء، خاصة وأن مصادر الامم المتحدة تقول إن الفائض في الحساب المصرفي الذي يحتفظ فيه العراق بعائدات النفط المتحصلة من البرنامج قد شح إلى حد كبير حتى وصل إلى 1.7 مليار دولار تقول الامم المتحدة أنها محجوزة أيضا لشراء قطع غيار لمنشآت العراق النفطية. وقال وزير النفط عامر رشيد الاسبوع الماضي إن العراق قد خسر مليار دولار نتيجة الحظر الذي فرضه لمدة شهر. إلا أن العراقيين الذين تحملوا أوقاتاً أصعب في الماضي يقولون إنهم قادرون على مواصلة طريقهم مهما حدث وبدون تنازلات. ولا أدل على الموقف العراقي من تصريح نائب الرئيس طه ياسين رمضان، الذي تزامن مع وصول وزير الخارجية ناجي صبري إلى نيويورك لاجراء محادثات حرجة مع الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان، بأن العراق لا يتوقع أن يتم رفع الحظر الدولي بقرار من الامم المتحدة. وقال رمضان «إن الحصار الجائر المفروض على العراق لن يرفع بقرار من مجلس الامن، وأن هذا الحصار سيتهشم على صخرة صمود العراقيين وتصميمهم على مواصلة الجهاد والنضال ورفضهم الخضوع لاية شروط تمليها أمريكا وغيرها». ويبدو بالفعل أن الحظر يتآكل بمرور الزمن، خاصة وأن علاقاته العربية تزداد صلابة باستمرار. وقد وقع العراق اتفاقيات للتجارة الحرة مع عشر دول عربية حتى الان، ثلاث منها وقعت في بحر أقل من أسبوعين الشهر الماضي مع لبنان وسلطنة عمان والبحرين. وقالت البحرين أيضا أنها تنوي إعادة تشغيل طرق التجارة البحرية مع العراق للمرة الاولى منذ بدء الحظر الدولي عام 1991. وفي بغداد يمضي الجميع في زحمة الحياة، غير عابئين كثيرا باحتمال شن الولايات المتحدة لهجوم تهدد به منذ أشهر «لاسقاط نظام الحكم». ويلاحظ بصفة خاصة الود الذي يقابل به العرب لدى عامة العراقيين، بالرغم من الانتقادات الحكومية للمواقف الرسمية العربية. ويرفض بعض سائقي التاكسي تحصيل الاجرة من العرب الذين قد يصادفونهم. ويظل الموقف العربي في رأي الكثير من المراقبين هو الدعامة الاساسية للعراق، خاصة في الضغط من أجل التوصل إلى حل مقبول بالنسبة للعراق في المفاوضات الجارية مع الامم المتحدة والتي قد تؤدي إلى تصويت سريع في مجلس الامن حول نظام جديد يقصر الحظر على السلع ذات الاستعمال المزدوج، أي تلك التي يمكن أن تساهم في المجهود الحربي للعراق الذي يتخوف البعض من استخدامها في إنتاج أسلحة دمار شامل. وقد ذكرت نشرة ميدل إيست إيكونميك سيرفي (ميس) المتخصصة في شئون النفط في عددها الاخير أن التصويت على نظام الرقابة الجديد في مجلس الامن قد يتم حتى قبل التاسع والعشرين من مايو، وهو الموعد المحدد لانتهاء المرحلة الحالية لبرنامج النفط مقابل الغذاء وبدء المرحلة الثانية عشرة من هذا البرنامج. وستستغرق إجراءات وضع النظام الجديد موضع التنفيذ فترة قد تصل إلى شهرين أو ثلاثة أشهر، طبقا للنشرة. وفي هذه الاثناء تستمر لعبة عض الاصابع بين بغداد وخصومها الذين قد يحاولون حتى عرقلة التجارة عبر البر مع الدول المجاورة لتضييق الخناق على العراق لكي يقبل بعودة مفتشي الاسلحة التابعين للامم المتحدة. وهناك بالفعل دعوات في تركيا لتحجيم التجارة مع العراق عبر الحدود على أساس أنها نوع من «التهريب» غير القانوني، رغم أن شركة التكرير الحكومية التركية «توبراس» تعد لاستيراد أربعة ملايين طن على الاقل من النفط العراقي عن طريق البر في العام الحالي. وقالت تقارير الصحف التركية مؤخرا أن كبار قادة الجيش قد تقدموا بمذكرة سرية إلى رئيس الوزراء بولنت أجاويد يطلبون فيها وقف التجارة عبر الحدود مع العراق لان عوائدها على حد قولهم تساهم في تمويل الفصائل الكردية الانفصالية المناوئة لانقرة في المناطق الحدودية. والعجيب في الامر أن الولايات المتحدة التي تهدد بضرب العراق هي حاليا من أكبر مستوردي النفط العراقي. فقد استوردت الشركات الامريكية عن طريق الوسطاء قرابة 628 ألف برميل يوميا من العراق في العام الماضي، وهو ما يمثل ما بين ثلث إلى نصف إجمالي الصادرات العراقية. وعارضت إدارة الرئيس بوش في الاسبوع الماضي مشروع قرار في مجلس الشيوخ لفرض حظر على الصادرات العراقية إلى أن يقبل العراق عودة مفتشي الاسلحة ويكف عن دفع أموال لعائلات الفلسطينيين الذين يقتلون في عمليات استشهادية ضد إسرائيل. ويعود موقف الادارة الامريكية من جهة إلى حاجة معامل التكرير الامريكية إلى النفط العراقي، خاصة من خام البصرة الخفيف بعد فرض الكونجرس حظراً على واردات النفط من إيران وليبيا. ومن جهة أخرى تقول وزارة الخارجية الامريكية إن مثل ذلك الحظر سيضر ببرنامج النفط مقابل الغذاء مما سيؤدي إلى «تفاقم الوضع الانساني في العراق». ويبدو أن هناك الكثير مما لا يعرفه العالم عن الحظر ودهاليزه. وعلى سبيل المثال لم يكن معظم الصحفيين، المفترض علمهم ببواطن الامور والذين اضطروا بسبب «الحظر الجوي» إلى السفر إلى العراق برا عبر الاردن في رحلة استمرت 15 ساعة، يدرون أن هناك رحلات جوية منتظمة إلى بغداد تقوم بها الخطوط الملكية الاردنية منذ أكثر من عام. ـ د.ب.أ