يعتمد التخطيط الاستراتيجي ولدرجة كبيرة في مؤسسات التعليم العالي وعلى الأخص الجامعات منها، على المدى الذي تكون فيه انشطتها التربوية متكاملة مع العملية المتعلقة بإدارة الجامعة، حيث يمكن ان نفهم التخطيط الاستراتيجي بأنه عملية تطويرية للمواءمة بين الجامعة والبيئة التي نعيش فيها والمحافظة على ذلك وبشكل مستمر. ان هذه العملية تتضمن دراسة المسارات والاتجاهات الاساسية في البيئة وترجمة ما يتعلق منها بالمؤسسة الى فرص تسويقية وتقدير حالة الموارد داخلها من حيث مجالات القوة والضعف ثم الأهداف التي تتلاءم مع تلك الاتجاهات وتطوير الاستراتيجيات لغرض تحقيق تلك الأهداف على ان تكون تلك الاستراتيجيات قابلة للتطبيق ووضع الهيكل التنظيمي والنظم اللازمة للتنفيذ ومن ثم تطوير معايير تقييم الاداء. في هذا السياق يجب ان تكون خطوات تصميم وتنفيذ الخطة والاستراتيجيات موازية للمفاهيم الاساسية التي تؤكد عليها «إدارة الجودة الشاملة»، حيث تعتبر الجودة الشاملة أحد العناصر الهامة في عملية التخطيط الاستراتيجي كما ان التخطيط الاستراتيجي نفسه ضروري لتحقيق أهداف الجودة الشاملة. ان إدارة الجودة الشاملة في حقيقة الأمر هي التي تحقق الجودة المطلوبة في التخطيط الاستراتيجي الذي تمارسه الإدارة العليا في أية مؤسسة خاصة ويمكن ان تكون في شكل مجموعة من الأهداف الاستراتيجية للإدارة تتضمن: التحسين المتواصل في جودة المخرجات، مرونة واسعة في تعديل اتجاهات الخطة وفقا لمتطلبات العملاء وأخيرا تخفيض التكاليف من خلال تحسين النوعية والابتعاد عن الهدر والفاقد. ولغرض تنفيذ مهمات التخطيط الاستراتيجي تحتاج مؤسسات التعليم العالي الى تغيير جذري في فلسفة إداراتها وقياداتها ويترتب على ذلك اتخاذ القرارات التي تؤدي الى وضع صورة جديدة لها في عين المجتمع، وكذلك فهم أفضل لرسالتها وأهدافها حيث يسهم ذلك كثيرا في تحسين الاتصال والتعاون. ان تفهم هذه الرسالة وهذه الأهداف من قبل المستفيدين الاساسيين هو المفهوم الذي تقوم عليه «إدارة الجودة الشاملة». وفي هذا المجال لابد من الاستفادة من أسلوب «إدارة الفريق » باعتباره الأسلوب الاساسي في ممارسة التخطيط الاستراتيجي في مؤسسات التعليم العالي حيث هناك دراسات عديدة تشير الى ان الاستراتيجيات القائمة على أساس فريق العمل في إدارة الجودة الشاملة قد حققت نجاحا كبيرا وذلك من خلال تفاعل الجماعة والذي يعتبر من أركان تحقيق الكفاءة والرضا في هذه المؤسسات أي ان تفاعل الجماعة وبشكل شامل في عملية اتخاذ القرار التعليمي يتيح مجالا أوسع لاظهار المسئولية الشخصية والالتزام من قبل جميع اعضاء الإدارة العليا حيث تؤكد الاتجاهات المعاصرة على ضرورة اشراك الطلبة في التخطيط بسبب تقديمهم أفكارا جديدة اضافة الى اعتبارهم من أكثر اعضاء المؤسسة تأثرا بتنفيذ الخطط التعليمية المختلفة. ان هذه الاتجاهات في الحقيقة تنطلق مما يدعى «اعادة هندسة مؤسسات التعليم العالي» والتي تتضمن اعادة النظر في القيم والمفاهيم وكذلك اعادة النظر في الهيكل التنظيمي والتغيير في العمليات الاكاديمية والانشطة المساندة لها. ان اشراك الطلبة الى جانب الهيئة التدريسية والادارة ستؤدي الى المساهمة في تطوير المؤسسة باجتماع آرائهم المختلفة، أي ان فريق العمل الذي سيكون مسئولا عن التخطيط الاستراتيجي في اطار اعادة الهندسة للمؤسسة يجب ان يضم الجماعات أعلاه اذ ان التجارب أثبتت بأن إشراك الطلبة في عملية التغيير سيؤدي الى تحقيق المكاسب لهم وللمؤسسة وللمجتمع. ففي مجال المجتمع يجب ألا ننسى أهمية تحليل احتياجات المجتمع حيث انه المستفيد من خدمات المؤسسة التعليمية في تعيين الخريجين والاستفادة من البحوث العلمية التطبيقية للمؤسسة. ان إدارة الجودة تكمن في انشطة مؤسسات التعليم العالي في عدد من المجالات الاساسية وهي المناهج، العمليات التدريسية والتعليم والبحث العلمي، ولذلك فان على مؤسسات التعليم العالي التفاعل وبعمق في فعاليات ونشاطات الجهات المستفيدة لان ذلك سيؤدي الى حصول الاسناد والدعم لمسيرة هذه المؤسسات. ان الالتزام بتحقيق الجودة الشاملة يتطلب تنفيذ عدد من الاجراءات منها: ـ وضع الاجراءات الداخلية لتحقيق الجودة في عدد من المجالات ومنح الحوافز لمن يستحقها في تحقيق التميز. ـ تطوير رسالة المؤسسة القائمة على الجودة بحيث تستطيع التنافس مع غيرها من المؤسسات. ـ تشخيص المستفيدين من مخرجات المؤسسة. ـ تشكيل فرق برامج الجودة في المؤسسة وتحديد مجالاتها واجراءاتها. وبشكل عام ولغرض تطوير التخطيط الاستراتيجي في مؤسسات التعليم العالي، فهناك مجموعة من الخطوات المترابطة فيما بينها والمتعاقبة من الواجب التذكير بها والتي تؤكد على أساليب تحسين الجودة باعتبارها خلاصة للخبرات والتجارب والدراسات الكثيرة في مجال إدارة الجودة الشاملة. ان أول هذه الخطوات وأهمها هو تحديد رسالة مؤسسات التعليم العالي (الجامعات) لأنها تعتبر المظلة الاساسية للتخطيط الاستراتيجي فهي يمكن ان تتضمن: ـ تصميم وتقديم البرامج التعليمية ذات المستوى العالي والمتميز. ـ اتاحة كافة الفرص والتجارب الممكنة امام الطلبة. ـ ان تقديم البرامج التعليمية المتميزة يتطلب بالضرورة وجود هيئة تدريسية متميزة وتشجيعها على القيام بالبحوث التطبيقية. ـ الارتباط بالمجتمع عن طريق تقديم الخدمات المتنوعة لأفراد المجتمع. ويمكن ايضا ان تعتبر من ضمن الخطوات أعلاه، تطوير أهداف مؤسسات التعليم العالي التي تستهدف النوعية الاكاديمية والمهنية في إعداد الطلبة حتى يكونوا مستقبلا في مواقعهم المناسبة في المجتمع. اضافة لذلك، فان من أهم الخطوات الواجب اتباعها في وضع وتطوير التخطيط الاستراتيجي لمؤسسات التعليم العالي هو تحليل البيئة الداخلية والبيئة الخارجية، فبالنسبة للبيئة الداخلية فان أي خطة يجب ان تشمل المراجعة المستمرة للبرامج التدريسية وتقييم كافة المجالات في المؤسسة وتشخيص العوامل الاساسية التي تؤثر في تحديد الخطة والاستراتيجيات والقيود والمحددات وكذلك الاجراءات التي تتلاءم مع الجهات ذات المصلحة والقرار في المؤسسة. اما بالنسبة للبيئة الخارجية فهي تتضمن تقييم موقع المؤسسات بالمقارنة مع المؤسسات ذات العلاقة أو المنافسة في نفس النشاط وهذا بالتالي يقود الى دراسة تفصيلية لخطط واستراتيجيات هذه المؤسسات. وتتضمن هذه الخطوة ايضا دراسة المحيط الخارجي بكافة الأطر مثل البيئة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة بالمؤسسة وهذا سيؤدي الى تشخيص الفرص المتاحة أمام المؤسسة حاضرا ومستقبلا. وبعد هذه الدراسة التفصيلية للخطة يكون متاحا أمام متخذي القرار في المؤسسة البدائل الممكنة للتنفيذ والتي يتطلب على ضوئها التوصية بالاستراتيجيات المفضلة وما تتطلبه من امكانات في المدى القصير الأجل والمتوسط الاجل. ان النقطة المهمة والتي يجب ان تقال، ان سمعة ومصداقية بل وبقاء أي مؤسسة جامعية يعتمد على الجودة في الهيئة التدريسية وما تقدمه المؤسسة من برامج تعليمية وهذا ما يمكن ان يساهم في نجاح أي خطة استراتيجية في هذه المؤسسات