نواصل في هذه الحلقة تحديد آثار وانعكاسات احداث سبتمبر حيث لم تقتصر تلك الآثار على الاقتصاد الامريكي فحسب وانما شملت مختلف الاقتصاديات لتؤكد تلك الازمة حقيقة الترابط بين اقتصاديات دول العالم، سواء الصناعية منها ام غيرها، واذا كان الاقتصاد الامريكي قد استطاع وخلال فترة وجيزة تجاوز آثار تلك الازمة رغم حدوثها في محيطه فكيف يمكن لدول العالم الثالث خاصة من تجاوز تلك الازمة وهي التي تتسم بالتخلف وغياب التنمية الاقتصادية. وعلى صعيد الاقتصاد العالمي لم تقتصر اثار تلك الهجمات التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية على الاقتصاد الامريكي فحسب وانما امتدت لتشمل الاقتصاد العالمي، ثم العربي والخليجي، ومن اثار ذلك على الاقتصاد العالمي: ـ لقد ادى انخفاض اسعار الاسهم في سوق الاوراق المالية بالولايات المتحدة ولاسيما خلال الثلاثة ايام الأولى من الانفجارات وكذلك اسعار الدولار في السوق المصرفية الى انخفاض كبير في الاسعار في الاسواق المالية العالمية سواء في لندن او باريس ومدريد او المكسيك وفرانكفورت وميلانو وبروكسل وكذلك مختلف الاسواق المالية في آسيا ولاسيما اليابان حيث خسر مؤشر نيكاي 2.35% من قيمته ووصل الى ادنى مستوى له منذ سبعة عشر عاما!! ويعزى هذا الانخفاض الى قيام المتعاملين في تلك الاسواق ببيع اسهم بكميات كبيرة ادت الى تراجع الاسعار بشكل كبير ولاسيما في الدول الصناعية والتي لم تتعرض اسواقها لمثل هذا المستوى من الانخفاض منذ عام 1987. ويأتي هذا الانخفاض في الاسواق العالمية قبل ان تتحسن الاسعار في الايام التالية للأحداث. ـ ومثلما تعرض النظام المصرفي الامريكي لهزة عنيفة بسبب احداث سبتمبر فقد تعرض النظام المصرفي في باقي دول العالم الاخرى وخاصة الصناعية لهزة عنيفة الامر الذي ادى الى قيام المصارف المركزية بتلك الدول الى التحرك السريع لانقاذ انظمتها المصرفية من التدهور وحمايتها من التعرض لازمة او كارثة حقيقية فقد بلغ حجم ما تم ضخه في النظام المصرفي من قبل البنوك المركزية في كل من اليابان والبنك المركزي الأوروبي ما لا يقل عن 81.8 مليار دولار يوم الاربعاء. ـ لقد كان للزلزال الذي حدث في الولايات المتحدة الاثار المباشرة في السوق النفطية العالمية حيث، وعلى اثر تلك الاحداث، تم غلق العديد من الموانيء في الولايات المتحدة وسجلت اسعار النفط ارتفاعا في الوقت ذاته وفي نفس يوم الاحداث ليتجاوز السعر 31 دولاراً امريكياً للبرميل لخام البترول (اوبك). وكان لهذا الارتفاع في السعر الاثر المباشر على اوضاع السوق العالمية وكان بإمكان دول (أوبك) ان تحقق ارباحا قياسية، ولكن حرص دول هذه المنظومة على عدم تفاقم الاوضاع في السوق العالمية وبالتالي عدم تعريضها الاقتصاد العالمي لصدمة عنيفة اخرى فقد ابدت دول (الاوبك) وعلى رأسها دول الخليج كالسعودية والعراق والكويت والامارات التزامها باستمرار تدفق الامدادات النفطية الى الاسواق العالمية ومنها الامريكية ووفق الاسعار المعتادة. لقد جاءت تلك الاحداث لتدخل الاقتصاد العالمي في نفق الركود وكادت ان تصل به الى حالة الشلل لولا التدخل السريع من قبل الدول القيادية لانقاذ هذا الاقتصاد من حالة الشلل هذه على الرغم من ان اقتصاديات الدول القيادية تلك تعاني ـ وقبل الازمة ـ من ظروف صعبة ومعاناة حقيقية، فالاقتصاد الأوروبي يعاني من تراجع واضح في نموه، والاقتصاد الياباني مثخن باعباء ثقيلة!! فيما الاقتصاد الاسيوي هو الاخر غارق في مشاكله التي احدثتها ازمة عام 1997، خاصة وان اقتصاديات الدول الاسيوية تعتمد على تصدير منتجاتها الزراعية والصناعية الى السوق الأمريكية فأي تراجع في معدلات الانفاق الاستهلاكي يعني تراجعاً في صادرات هذه الدول. ويؤكد الاقتصاديون على ان حالة الركود الاقتصادي التي يمر فيها الاقتصاد الأمريكي سوف تجر الاقتصاديات العالمية الى نفق الركود لاسيما في ظل موقف المستهلك الامريكي ثم المستثمر الامريكي من التعامل مع السوق الامريكية بعد ان اهتزت ثقتهما فيها وبعد ان خالجهما شعور بأن الاقتصاد الأمريكي ليس بمأمن من الهزات كتلك التي تعرض لها في سبتمبر 2001 وان كل شيء حولهما يمكن ان ينهار في لحظات!! وقد وضح موقف المستهلك خاصة في احجامه عن الشراء من خلال تراجع مبيعات السيارات ومدى تأثير ذلك على قطاع صناعة السيارات، ثم تراجع المبيعات في قطاع تكنولوجيا المعلومات، ثم قطاع العقارات الذي تراجعت المبيعات فيه بشكل حاد لتزيد تلك الاحداث من الاثار السلبية التي خلفها الغزو العراقي للكويت في اغسطس 1990 على سوق العقار حينما سجلت المبيعات في هذه السوق تراجعا كبيرا وصل معدله الى 25%. تؤكد تداعيات احداث سبتمبر على مدى حساسية الاوضاع الاقتصادية وانعكاس الازمة الاقليمية على مختلف الاوضاع الاقتصادية في العالم. وان ما حدث في منطقة الخليج مثلا في عام 1990 كان له اثر مباشر على الاقتصاد العالمي، وان ازمة اسيا في عام 1997 كان لها ايضا اثار مباشرة على الاقتصاد العالمي، وبالتالي فإنه من الطبيعي ان يكون لاحداث سبتمبر 2001 اثر التفجيرات التي تعرضت لها الولايات المتحدة اثار مباشرة على الاقتصاد العالمي لاسيما في اسواق المواد الأولية حيث من الطبيعي ان يتأثر الطلب على المواد الأولية التي تستوردها الدول الصناعية من الدول النامية فبسبب تلك الاحداث انخفضت اسعار النفط الى 18 دولاراً للبرميل في نهاية نوفمبر مقابل 25 دولارا قبل الاحداث، و30 دولارا في عام 2000 الامر الذي يزيد من تردي الاوضاع الاقتصادي في الدول الاعضاء في منظمة (الاوبك)، وبسبب الاوضاع الاقتصادية اي بمعنى الركود الاقتصادي الذي يعاني منه الاقتصاد العالمي فإنه من غير المتوقع ارتفاع اسعار النفط بدرجة عالية خلال المستقبل المنظور. وهذا ينسحب ايضا على المواد الأولية غير النفط التي سجلت اسعارها انخفاضا بمقدار 6% خلال الفترة من سبتمبر ونوفمبر من عام 2001 حسب تقارير صندوق النقد الدولي. وهذا الامر يدعونا الى التأكيد على مدى اهمية الاستقرار والأمن في العالم لما لذلك من اهمية في مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العالم، وإن اي تهديد لهذا الاستقرار انما يعني ارهابا مخيفا للانسان والمجتمع بما فيه الانسان والمجتمع الأمريكي نفسه. واذا كانت تلك الاثار قد جاءت على المدى القصير وقد يستطيع الاقتصاد العالمي تجاوزها فإن لتلك الاحداث تداعيات وانعكاسات بعيدة المدى سوف تترك اثارا عميقة في الاقتصاد العالمي ولاسيما اقتصاديات العالم الثالث فقد اشارت دراسة لصندوق النقد الدولي حول التأثيرات المستقبلية للازمة تجسدت في ارتفاع تكاليف الانتاج بسب اضطرار الشركات والمؤسسات المنتجة الى تخصيص نفقات اضافية على الأمن والتأمين ثم ان هذه الشركات والمؤسسات سوف تجبر على الاحتفاظ بمستويات اعلى واكبر من المخزون، لعدم ثقتها في وسائل النقل البري والجوي، ومن ناحية اخرى فإن الاقتصاد العالمي سوف يشهد تحولا في نوعية انتاجه بسبب تلك الاحداث اذ سوف يتحول الانتاج من انتاج السلع والخدمات المدنية الى الانتاج العسكري وخاصة تطوير الاجهزة والمعدات التجسسية والعسكرية بقصد مواجهة (الارهاب)!! كما ان تلك الاحداث قد تؤدي الى التحول في الاستثمار العالمي للشركات بعد ان اثرت في قرارات شركات الاستثمار بالتركيز على الاستثمار الداخلي وتقليص او التراجع عن الاستثمار الخارجي بسبب القلق والخوف من تدفق التجارة الدولية وحركة السلع عبر الحدود، وتكاليف هذه الصفقات التي قد ترتفع بسبب ارتفاع تكاليف التأمين وطول فترات الانتظار على المبادلات والصفقات التجارية (دراسة لصندوق النقد الدولي)