السودان.. ذلك القطر القارة، بلاد الشمس المشرقة وبوابة الحضارة الافريقية والاصالة العربية، مهد الحضارات القديمة وأرض البيئات المتباينة، بلاد الصحارى والغابات والمسطحات المائية والجبال والتنوع القبلي الثري، والعقائدي المختلف التفاصيل والفنون واللهجات واللكنات حيث كرم الضيافة العربية والسماحة الاسلامية وحسن الاستقبال السوداني. موقع هذا القطر القارة بين خطي عرض 3.5 و22 شمال خط الاستواء يجعله ممتداً عبر ثلاثة اقاليم مناخية تمنحه متعة التباين المناخي المتميز بالاعتدال في فصلي الخريف والشتاء في معظم أنحاء البلاد، مع صيف حار على شواطيء البحر الاحمر مع اعتدال بفضل الامطار في موسم الشتاء أما المناطق المرتفعة في غرب السودان وشرقه فطقسها معتدل طوال العام. وتلك المزايا مجتمعة تجعل من السودان منطقة جذب سياحي للراغبين في الهروب من برد الشتاء القارس للتمتع بطقس ربيعي طوال الموسم الشتوي. وبلد بتلك المواصفات كان طبيعياً الا يكون فقط منطقة جذب سياحية بل مرتعاً خصباً لجذب رؤوس الاموال واستقطاب رجال الأعمال وموقعاً جيداً لكل الراغبين في الاستثمار بشتى انواعه، وكافة صوره.. وعليه لم يكن غريباً ان يشهد مطار الخرطوم الدولي هبوط العديد من الطائرات التي تحمل على متنها وجوهاً وشخوصاً وسحنات للعديد من الجنسيات تمثل شتى بقاع الدنيا من عرب وآسيويين وأفارقة وأوروبيين وحتى من امريكا بشقيها الشمالي والجنوبي. ولان مجالات الاستثمار مفتوحة على مصراعيها.. كان الاقبال كبيراً، وكان الحضور كثيفاً، وكان المردود ايجابياً. وقد تعددت مجالات الاستثمار فشملت الزراعة والتصنيع الزراعي، وبناء الفنادق والموانيء والمنتجعات السياحية والتعدين والطاقة والنفط والبتروكيماويات وصناعة السيارات وإعادة تأهيل البنية التحتية والكهرباء والطرق والنقل والاتصالات والاسكان والنشاط الحيواني والتعليم والصحة وفي هذا المجال سارعت الحكومة السودانية الى الغاء قانون تشجيع الاستثمار لسنة 1996 واصدرت القانون المعدل لسنة 99 تعديل عام 2000 ويهدف القانون لتشجيع الاستثمار في المشاريع التي تحقق أهداف خطط التنمية والمبادرات الاستثمارية من قبل القطاع الخاص السوداني وغير السوداني والقطاع التعاوني والمختلط والعام. وقد أفرد القانون مساحة تحدد ضمانات الاستثمار بحيث يتمتع المستثمر بعدم تأميم او مصادرة مشروعه او نزع ملكية عقارات مشروعه كلها او بعضها او استثماراته للمنفعة العامة الا بقانون ومقابل تعويض عادل، وكذلك عدم الحجز على اموال مشروع المستثمر او مصادرتها او تجميدها او التحفظ عليها أو فرض الحراسة عليها الا بأمر قضائي. ثم اعادة تحويل المال المستثمر في حالة عدم تنفيذ المشروع اصلاً او تصفيته او التصرف فيه بأي من اوجه التصرف كلياً او جزئياً وذلك بالعملة التي استورد بها، شريطة الوفاء بجميع الالتزامات المستحقة عليها قانوناً، واقر القانون بضرورة تحويل الارباح وتكلفة التمويل على رأس المال الاجنبي او القروض بالعملة التي استورد بها رأس المال او القرض في تاريخ الاستحقاق وذلك بعد سداد الالتزامات المستحقة قانوناً على المشروع. ولان قانون الاستثمار كان واضحاً في كافة خطوطه وكل تفاصيله وحافلاً بالضمانات ومستجيباً لرغبات المستثمرين ومحفزاً لهم.. جاءت زيارة وفد الامارات بذلك الثقل كأكبر وفد يزور دولة عربية لبحث فرص الاستثمار والاسهام في بناء نهضة تنموية لبلد شقيق غني بموارده عزيز بمكانته، كبير في مساحته، خصب بأراضيه. وكانت الرحلة الافتتاحية لطيران الامارات لتدشين خطها الى الخرطوم حدثاً مهماً اكتسب اهمية كبيرة لدى الاوساط الرسمية والشعبية في السودان ولم يكن اختيار معالي محمد خلفان بن خرباش وزير الدولة لشئون المالية والصناعة لرئاسة وفد مسئولي الغرف التجارية والدوائر المحلية والمستثمرين ورجال الاعمال، مجرد صدفة، بل لان المسألة كانت تحتاج لنقاش مستفيض وبحث مكثف وقرار فوري بعد التشاور والتداول مع اصحاب القرار في الدولة وفي الجانب السوداني كان وزيرا المالية والاقتصاد الوطني والصناعة والاستثمار في مقدمة المسئولين حيث عقدا جلسات مكثفة مع وفد الامارات وحضرا الاجتماعات الثنائية.. كما كان حرص الرئيس السوداني على استقبال معالي محمد خلفان بن خرباش ومنحه وسام النيلين من الطبقة الاولى في سياق التأكيد على أهمية الزيارة ومكانة السودان في قلوب السودانيين جميعاً.. والتي أكدها قرار والي الخرطوم باطلاق اسم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة على أكبر وأكثر شوارع العاصمة السودانية حيوية وهو شارع النيل تقديراً للدور الرائد والجهد المميز الذي ظل يلعبه سموه لدعم العلاقات بين البلدين الشقيقين الامارات والسودان وتوجيهاته السامية الى المستثمرين ورجال الاعمال في الدولة بضرورة الاستثمار في السودان. ويمكن القول ان الزيارة حققت اهدافها حيث وقف الجميع على أهمية بل ضرورة الاستثمار في السودان وقد تردد بأن حجم الاستثمارات والاموال التي سيتم ضخها من قبل جانب الامارات قد تصل الى أكثر من ثلاثة مليارات دولار وكان الدافع الاساسي في ذلك نجاح مشروع زايد الخير بمنطقة الجزيرة الذي استثمر فيه رجل الاعمال الاماراتي احمد سالم المزروعي ملايين الدولارات واتبع فيه نظاماً حديثاً في الري فحقق له انتاجية عالية من نبات الذرة الشامي. ويمكن القول ان زيارة الوفد جاءت بمثابة خطوة مهمة لتجسيد ما اتفق عليه قائدا البلدين نحو شراكة اقتصادية تنتقل في مقبل السنوات الى تكامل.. كما ان المحضر الوزاري الذي تم التوقيع عليه اشتمل على الرؤى الفنية والاقتصادية التي تعزز اطر اللقاء وتجسد معنى التلاقي. ولان لكل رحلة اشراقاتها. فان وسام النيلين الذي ناله خرباش تقديراً لدوره في دعم الجانب الاقتصادي.. لم يكن وحده حديث الوفد بل ان مهيرة خطبت ود الوزير ومهيرة هنا ليست الشاعرة الوطنية المعروفة في الاوساط السودانية بل هي سيارة الدفع الرباعي التي انتجت محلياً عبر شراكة بين هيئة جياد الصناعية السودانية وشركة نيسان اليابانية للسيارات وكان اعجاباً كبيراً ليس بالهدية بل بالجودة الصناعية التي تعتبر مفخرة عربية لبلد خطا خطوات واثقة في كافة مجالات التصنيع.. فلم يعد بلد زراعة فقط ولا حضارة موغلة في القدم وهي تعانق بوابات التاريخ بثقة القادر على تجاوز عقبات الحاضر استشرافاً لمستقبل اكثر اشراقاً يحفظ لأجياله رغد العيش وهناءة الحياة وديمومة الاستقرار التي تضمن الاستمرار.