بعد الاحداث التي شهدها العالم خلال العام الماضي والحديث عن بحث رؤوس الاموال الاجنبية عن ملاذات آمنة ومختلفة عبر الدول النامية، يبدو ان الفرص باتت متوفرة بشكل افضل لتعزيز الجهود من اجل استقطاب جزء من رؤوس الاموال ، هذه، ومن المعروف ان الاستثمار الاجنبي يمثل مصدرا هاما لرؤوس الاموال اللازمة لتحقيق النمو في البلدان النامية، ويمكن ان تكون الاستثمارات في الاسهم اما غير مباشرة (أي في الحوافظ) واما مباشرة، وتعرف في هذه الحالة باسم الاستثمار الاجنبي المباشر، ويحقق الاستثمار الاجنبي المباشر فوائد اكبر كثيرا من مجرد تزويد البلدان النامية بالموارد التمويلية اللازمة لنموها، اذ يجلب لها ايضا التكنولوجيات الجديدة واساليب الادارة، ويتيح لها ايضا الوصول الى الاسواق، ويمكن تنشيط الاستثمار الاجنبي المباشر عن طريق استغلال التكنولوجيا المحمية بحقوق ملكية او الموارد الطبيعية او عن طريق الوصول الى الاسواق. وللاستثمار الاجنبي المباشر في البلدان النامية تاريخ طويل، وقد تذبذب بمرور الزمن، مع استجابة المستثمرين للتغيرات في بيئة الاستثمار، بما فيها السياسات الحكومية تجاه الاستثمار الاجنبي المباشر والاطار الاشمل للسياسات الاقتصادية، وبالتالي، عكست اتجاهات الاستثمار الاجنبي المباشر التغيرات في مواقف السياسات التي تتبعها البلدان النامية، ابتداء من احلال الواردات في الخمسينيات والستينيات، مرورا بالتنمية التي يتصدرها استغلال الموارد الطبيعية في السبعينيات، والتكيف الهيكلي والتحول الى نظام اقتصاد السوق في الثمانينيات، وانتهاء بزيادة دور القطاع الخاص في التسعينيات. وقد تدفق الاستثمار الاجنبي المباشر في البلدان النامية بصورة رئيسية الى الصناعات التحويلية والتجهيزية، وتركز تقليديا في مجموعة صغيرة من البلدان، مما يعكس من ناحية حجم اقتصاداتها، ومن ناحية اخرى جاذبيتها كموقع للاستثمار الاجنبي المباشر. وكانت الجاذبية في الماضي وثيقة الصلة بامتلاك موارد طبيعية او سوق محلية كبيرة. ولكن مع التحول نحو عولمة الانتاج والتجارة اصبحت القدرة على المنافسة كموقع للاستثمار والتصدير العامل الرئيسي المحدد لتوفر الجاذبية. وقد ادت الاتجاهات الاخيرة نحو عولمة انماط الانتاج والاستهلاك الى زيادة حادة في الاستثمار الاجنبي المباشر العالمي. وفي الوقت نفسه، ادى تحرير انظمة التجارة والاستثمار الى ادخال عدد اكبر من البلدان النامية في اطار الاقتصاد المعولم. واسفر هذا عن طفرة هائلة في تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر الى البلدان النامية، حيث زادت خمسة امثالها بين عام 1990 وعام 1995، وتجاوزت 200 مليار دولار في عام 2000. وقد توجهت هذه الزيادة بصورة رئيسية الى 12 بلدا ناميا كبيرا، مما يعكس جزئيا كبر حجم اقتصاداتها، وهكذا ، تلقت الصين وحدها 230 مليار دولار بين عام 1990 وعام 2000 (حسب سعر الدولار في عام 2000)، ويمثل الاستثمار الاجنبي المباشر بالفعل جزءا هاما من الاقتصاد في كثير من البلدان النامية، ومن المحتمل ان تظل مستوياته عالية في المستقبل المنظور. وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فان جهودها لتشجيع واستقطاب الاستثمارات الاجنبية تعتبر حديثة نسبيا، لذلك يبدو من الطبيعي ان تسعى دول المجلس الى الاستفادة من تجارب دول العالم الاخرى التى خاضت تجارب ناجحة فى هذا المضمار، لقد سعت الكثير من الدول النامية في السنوات الماضية الى تطبيق برامج واسعة النطاق تستهدف تعزيز جاذبيتها بالنسبة للمستثمرين الاجانب، وقد اعتمدت هذه البرامج على ثلاثة محاور رئيسية متباينة ولكنها متشابكة. وأول هذه المحاور هو إجراء تغييرات في السياسات والتشريعات الاقتصادية لجعلها أكثر مرونة وجاذبية وخاصة منها ما يتعلق بالمستثمرين الأجانب، وثانيها إيجاد حوافز جديدة، أو تطوير الحوافز القائمة لتتناسب مع احتياجات ومتطلبات المستثمرين الأجانب ، أما المحور الثالث فيتمثل في تنفيذ حملات ترويجية للتعريف بمزايا وجاذبية الاستثمار في الدولة المهتمة باستضافة الاستثمارات الأجنبية، ولعل هذا المحور الثالث اخذ بالتزايد من حيث اهميته ودوره فى استقطاب الاستثمار الاجنبي. فعلى الرغم من ان عوامل مثل الاستقرار السياسي وحصة الفرد من الناتج القومي ومعدل الدخول.. إلخ، تلعب دورا رئيسيا في تدفق الاستثمارات الأجنبية (مثلما هو الحال في الدول الصناعية التي تستقطب معظم تدفقات الاستثمارات الأجنبية في العالم) غير أن عوامل أخرى مثل «تنفيذ إصلاحات في السياسات الاقتصادية» و«عرض حوافز للاستثمارات» و«تنفيذ برامج ترويجية لاستقطاب الاستثمارات» تلعب أيضا دورا مهما في هذا المجال. وبالطبع فإن أكثرها أهمية هو تنفيذ سياسات اقتصادية حكومية مواتية للاستثمارات الخاصة بشكل عام والاستثمارات الأجنبية تحديدا، حيث إن أفضل الحوافز الاستثمارية وأفضل البرامج الترويجية لا يمكن ان تعوض وجود سياسات اقتصادية «طاردة» للاستثمارات الأجنبية، إلا أنه على الرغم من صحة هذا الأمر، فإن مثل هذه الحالة تظل نظرية بحتة، فمن الناحية العملية لا يمكن ان تكون هناك دولة «طاردة للاستثمارات الأجنبية» وتمتلك في الوقت نفسه حوافز استثمارية وبرامج لترويج الاستثمار بها، كما أنه يتعين على أي دولة ترغب في جذب الاستثمارات أن تجري إصلاحات في سياساتها الاقتصادية والاستثمارية، وعلى ذلك فإن العوامل الثلاثة مترابطة ومتشابكة ويكمل أحدها الآخر. وقد يجادل البعض بأن العامل الأكثر أهمية هو مدى جاذبية السياسات الاقتصادية والاستثمارية المطبقة ، وهذا صحيح، غير أنه لا يتعين التقليل من شأن «الحوافز الاستثمارية» و«برامج الترويج» بالنظر لأهمية دورهما في التأثير على حجم التدفقات الاستثمارية، ويصل تأثير الحوافز الاستثمارية وبرامج الترويج إلى ذروته عندما يتعلق الأمر بالاستثمارات الاجنبية في القطاعات الموجهة للتصدير بشكل خاص، حيث يبحث المستثمرون عن أية عوامل أو حوافز إضافية، حتى وان كانت هامشية، لتفضيل مكان على آخر ضمن المنطقة ذاتها. كما انه من المناسب ان يقف صناع القرار الاقتصادي في دول المجلس مطولا عند الازمة الاسيوية التي حدثت قبل عدة سنوات، لاستخلاص العبر والدروس التي تمكنهم من اتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب، ليس فقط لتجنيب دول المجلس حدوث ازمة مالية مماثلة، بل ايضا لاتباع السياسات الاقتصادية المناسبة لتحفيز النمو ودعم الاستقرار الاقتصادي لهذه الدول، وفي هذا الاطار، يصبح من الضروري تعزيز دور المدخرات الوطنية في تمويل النمو الاقتصادي واحكام الرقابة على المؤسسات المصرفية والمالية، وذلك بوضع ضوابط ومعايير مالية كمية محددة لسياساتها الائتمانية في مجال الاقراض والتمويل والاستثمار في الاسواق المالية الدولية والمحلية على حد سواء موضحة ان معظم البنوك الخليجية تستثمر قسما كبيرا من اموالها في الاسواق المالية وفي الاسواق الدولية المتغيرة، الامر الذي يتطلب التأكد من سلامة المراكز المالية لهذه البنوك على الدوام كي لا تفاجأ بعدم سلامة اداء هذه البنوك، بما يؤثر على الاستقرار الاقتصادي الذي تتمتع به دول المجلس