تناولنا في الحلقة الماضية تشخيصا لواقع الاقتصاد الامريكي قبل احداث سبتمبر وحددنا معالم ذلك الاقتصاد واوضاعه، وفي هذه الحلقة نتناول انعكاسات وآثار تلك الاحداث على الاقتصاد الأمريكي. لقد وضع زلزال سبتمبر الاقتصاد الامريكي في مأزق تاريخي وزاد من معاناته بعد ان ضرب السيادة الاقتصادية للولايات المتحدة حيث كانت الخسائر الناجمة من تفجيرات الحادي عشر من ذلك الشهر كبيرة سواء على صعيد البشر حيث الازمات النفسية والاجتماعية والمعيشية، او اولئك المتعاملين في او مع الاقتصاد الامريكي وسواء من داخل السوق الامريكي او خارجها حيث حصدت تلك التفجيرات آلاف المليارات من الدولارات وخسائر مادية كبيرة سواء على صعيد الاقتصاد الامريكي أو الاقتصاد العالمي. واكدت هذه الاحداث على ان الحصانة التي يتميز بها الاقتصاد الامريكي ضد الازمات لم تعد في الصلابة بعد ان حصد الاقتصاد آثار تلك الازمة وكذلك الاقتصاد العالمي والعربي. اولا: على صعيد الاقتصاد الأمريكي: فاقمت احداث سبتمبر من اوضاع الاقتصاد الامريكي الذي يعاني قبل حدوثها من حالة ركود اقتصادي. وقد اكدت هذه الصفعة القوية على ان وضع الاقتصاد الامريكي دقيق وانه لا يمكن ان يستمر الا وفق معادلات معينة وحسابات دقيقة، وان الانتصار الاقتصادي الذي حققته الرأسمالية بقيادة الاقتصاد الامريكي على الاقتصاد الاشتراكي الشمولي سوف يواجه تحديات تصيب عمق الاستراتيجية الأمريكية مالم تعد الولايات المتحدة رسم سياساتها الاستراتيجية ومنها الاقتصادية ليس تجاه دول العالم الثالث التي تتهم بعضها على انها دول ارهاب او راعية له، وانما حتى الدول التي تسير في فلكها ومنها الاوروبية التي تنتظر من الولايات المتحدة ان تتقاسم معها ثمار غلة الانتصار الاقتصادي. ـ اهتزاز الثقة في اقتصاد اغنى دولة في العالم بعد ان كان هذا الاقتصاد مؤهلا لقيادة الرأسمالية العالمية الحديثة في الألفية الثالثة. فتلك الأحداث قد هزت ثقة المستثمرين والمستهلكين على السواء في الاقتصاد الامريكي بعد ان تكبد المستثمرون والمتعاملون في بورصة نيويورك خسائر مادية كبيرة خاصة بعد ان توقف العمل في البورصة بعد اغلاقها لمدة اربعة ايام، وهي سابقة لم تحدث من قبل، وقد شهدت السوق خلال فترة التوقف هذه تقلبات شديدة في اسعار الاسهم، فضلا عن ان تلك الاحداث قد هزت ثقة المستثمرين في السوق النقدية بالولايات المتحدة. قد كان اسبوع التفجيرات هو اسوأ فترة مرت فيها سوق الاوراق المالية (وول ستريت) منذ 210 سنوات حيث اكدت مؤشرات السوق على الانخفاض الشديد الذي تعرضت له السوق بسبب هذه الازمات، فقد خسر مؤشر داو جونز 14.3% من قيمته، ومؤشر ناسداك 16.1%، ومؤشر ستاندر اند بورز 11.6%. ـ لقد ادت احداث سبتمبر الى انكماش حقيقي في حجم الاستهلاك وقد زاد من سوء الاوضاع الاقتصادية بالولايات المتحدة. ففيما كان الاقتصاد الامريكي يعاني من حالة الركود ويناشد المسئولون شريحة المستهلكين بزيادة انفاقهم الاستهلاكي واتخاذ خطوات كبيرة من اجل زيادة الانفاق الا ان المستهلكين قد احجموا عن الانفاق الاستهلاكي الامر الذي زاد الوضع حرجا، وبالتالي فإن الاتجاه المستقبلي يسير نحو تقليص الانفاق مقابل الادخار بسبب اهتزاز ثقة المستهلكين مما يعمق من صعوبة الاوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة مستقبلا. ـ وفيما اصحاب القرار الاقتصادي والسياسي يناشدون المستثمرين في السوق الامريكية زيادة استثماراتهم وضخ مزيد من السيولة من اجل انعاش الاقتصاد الامريكي وذلك قبل الاحداث، فإن الوضع اصبح اكثر صعوبة بعد الازمة التي اثرت وبشكل كبير في حجم رؤوس الاموال والاستثمار بالسوق الامريكية حيث ادت الى هروب جزء من رؤوس الاموال من السوق الامر الذي زاد من حرج السوق النقدية التي تعاني من تراجع في حجم السيولة وتراجع معدلات الاستثمار. الامر الذي سوف يؤثر مستقبلا في الطلب على السلع والمواد الأولية وينعكس على الناتج المحلي. ـ لقد كانت شركات الطيران الامريكية تعاني من اوضاع وصعوبات مالية كبيرة قبل احداث سبتمبر بسبب تراجع مبيعاتها من التذاكر وصعوبات مالية اخرى، وكانت تسعى لدى الحكومة الامريكية وفي اطار معالجة اوضاعها المالية الى اعادة هيكلتها او الاندماج، الا ان الازمة قد جاءت لتفاقم من الاوضاع المالية لهذه الشركات حيث تكبدت خسائر ضخمة ربما تزيد عن العشرة مليارات دولار وهذا ما دعا مجلس الشيوخ الامريكي للموافقة على مشروع انقاذ طاريء لصناعة الطائرات يهدف الى تخصيص 2.4 مليار دولار، جزء منه بهدف تعزيز الاجراءات الامنية بالشركات فيما يخصص الجزء الآخر كتعويضات عن خسائر هذه الشركات خلال تلك الفترة. ـ لقد تكبدت شركات التأمين بسبب احداث سبتمبر خسائر ضخمة وذلك عندما تعرضت اسعار اسهم هذه الشركات لانهيارات سعرية لتأتي هذه الشركات في المرتبة الأولى من حيث الخسائر التي تحملتها اثر هذه الاحداث. وتشير التقديرات الأولية لتلك الخسائر الى مليارات الدولارات لتزيد احداث سبتمبر من ازمة هذه الشركات بسبب الخسائر التي تكبدتها خلال عقد التسعينيات حينما تعرضت الولايات المتحدة الى احداث وكوارث طبيعية كان اضخمها اعصار (اندرو) والذي حدث في عام 1992 حيث بلغت خسائر هذه الشركات انذاك نحو 19.7 مليار دولار، ثم زلزال (لوس انجلوس) في عام 1994 الذي منيت هذه الشركات بسببه بخسائر وصلت الى نحو 16.3 مليار دولار، ثم اخيرا اعصار (جورج) والذي تعرضت له الولايات المتحدة في عام 1998 وبلغت خسائر شركات التأمين عندها نحو 3.7 مليارات دولار. اما احداث سبتمبر عام 2001 والتي يصفها المحللون بأنها (الكارثة الأكثر كلفة في تاريخ الولايات المتحدة) فإن الفاتورة التي سوف تدفعها شركات التأمين باهظة جدا!! ربما تتراوح ما بين 25 ـ 30 مليار دولار وربما تزيد على ذلك!! ـ على الرغم من القوة التي يتميز بها النظام المالي الأمريكي الا ان احداث سبتمبر كادت ان تعصف بهذا النظام وتهوي به كما هوت بمركز التجارة العالمية بنيويورك وذلك بسبب المخاوف الشديدة من عجز القطاع المصرفي عن تسوية معاملاته او ان تعمد الشركات التي تتعامل مع هذا القطاع الى احتجاز ارصدة لتغطية احتياجات التمويل على المدى القصير. ولولا التدخل السريع من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الامريكي) وضخه لمليارات الدولارات في النظام المصرفي لتعرض هذا النظام الى ازمة حقيقية سوف تنعكس بشكل مباشر على الاوضاع الاقتصادية بالولايات المتحدة، فقد كان لتدخل مجلس الاحتياطي الاثر الايجابي في انقاذ النظام المصرفي والمحافظة على سيولته فقد بلغ حجم السيولة التي ضخت في السوق المصرفية حسب ما اشار اليه خبير اقتصادي كبير في مؤسسة «نورث امريكا طومسون» بأنه يزيد على عشر مرات عن معدل الضخ اليومي المعتاد، وبلغ اجمالي ما ضخ في اليوم التالي للأحداث اي يوم الاربعاء الموافق 12/9/2001 نحو 38.3 مليار دولار في صورة احتياطيات مؤقتة في النظام المصرفي الامريكي. ـ لقد هزت كارثة التفجيرات الاقتصاد الامريكي والعالمي على السواء، وكان من آثارها على الاقتصاد الامريكي تعرض الدولار لضغوط شديدة حيث هوى الى ادنى مستوياته امام الجنيه الاسترليني منذ سبعة شهور، ثم بنسبة 30% من قيمته امام الروبل الروسي. كما ادت تلك الكارثة الى انخفاض اسعار الفائدة حيث اضطر البنك الاحتياطي الفيدرالي الى خفض سعر الفائدة على الودائع قصيرة الأجل بين البنوك لعشر مرات خلال اربعة اشهر وذلك للحد من التأثير السلبي لتلك الكارثة ولتشجيع المستهلك على زيادة انفاقه، ثم لتعزيز ثقة المستثمرين في المناخ الاستثماري بالولايات المتحدة الأمريكية وانقاذ الاقتصاد الأمريكي من حالة الركود التي يمر فيها، وهذا التخفيض في سعر الفائدة يعتبر الادنى له منذ اربعين عاما، وقد ترتب عليه انخفاض في أسعار الفائدة في الاسواق العالمية ومنها الاسواق العربية. ـ لقد كان الاقتصاد الامريكي خاصة والمجتمع الامريكي عامة يعاني قبل الازمة من ارتفاع معدلات البطالة حيث سجل معدل البطالة قبل الاحداث 4.7% وبسب تلك الاحداث وما ترتب عليه من قيام العديد من الشركات ولاسيما شركات التأمين والطيران وشركات النقل وقطاع النشاط التجاري وهي الشركات الاكثر تضررا الى تسريح عدد من موظفيها فإن معدل البطالة من المتوقع ان يرتفع هذا العام 2002 ليصل الى 7% وهذا مؤشر يؤكد حقيقة الاوضاع الاقتصادية بالولايات المتحدة ومدى تأثير تلك الاحداث عليها. وتشير دراسة نشرها مجلس (تشالينجر وجرأي وكريسماس) الاستشاري الى ان الشركات الامريكية اعلنت منذ اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر الغاء اكثر من 1.1 مليون وظيفة، وفي حين يعيش الاقتصادي الامريكي رسميا حالة انكماش منذ مارس 2001 فإن المعدل الشهري لعدد الوظائف الملغاة ارتفعت بنسبة 40% في اعقاب احداث سبتمبر واصبحت اعداد العاملين الذين يقبلون برواتب متدنية في تزايد مستمر كما انه وحسب هذه الدراسة فإن الولاء للشركات الكبرى اصبح يسير نحو الانخفاض!!