تسعى الجزائر الغنية بمصادر الطاقة لاجتذاب مستثمرين اجانب جدد لكن يتعين عليها قطع طريق طويل للتغلب على اثار النظام الاشتراكي الذي حكمها لسنوات واكثر من عشر سنوات من الصراعات الاهلية واراقة الدماء. والاموال مطلوبة بشدة لتتمكن الحكومة من معالجة تدهور مستويات المعيشة وارتفاع معدل البطالة الذي بلغ 30 % ونقص الخدمات الاساسية ومشكلات الاسكان التي يعاني منها الجزائريون. ورغم المليارات التي تكسبها الجزائر سنويا من عائدات النفط والغاز تحتاج البلاد للمزيد من الاستثمارات لتحقيق مستوى النمو الذي يتوقع احد المحللين ان يبلغ هذا العام 3.5 %. ويقول دبلوماسي غربي بارز يولي الاقتصاد اهمية اكبر من اندلاع الاضطرابات الاهلية بين البربر الجزائريين ومعارضة الاسلاميين للحكومة «هذا هو التحدي الاكبر الذي تواجهه الجزائر الان». واضاف الدبلوماسي معلقا على عواقب الاضطرابات الاهلية التي بدأت في اوائل عام 1992 بالغاء انتخابات عامة كان الاسلاميون على وشك الفوز فيها «بعد العيش على مدى عشرة اعوام في ظروف بالغة الصعوبة لم يكن يشغل الناس فيها سوى البقاء على قيد الحياة فانهم يحتاجون الان لرؤية ثمار تضحيتهم». وقال مسئول حكومي ان الجزائريين يتطلعون لما بعد الاضطرابات التي اودت بحياة نحو مئة الف وشردت اعدادا اكبر منهم ولما بعد التقشف الذي فرضته سياسات صندوق النقد الدولي في التسعينات. وتابع المسئول الذي طلب عدم نشر اسمه ان اعلان الحكومة العام الماضي انها ستضخ ما يقدر بنحو 7.8 مليارات دولار في الاقتصاد في اطار خطة انعاش مدتها اربع سنوات كان هو السبيل لتحفيز القطاع الخاص الذي تقلص على مدى سنوات طويلة بتأثير المشروعات العامة العملاقة التي يجري تأسيسها منذ منتصف الستينات. وتابع المسئول الذي تحدث على هامش منتدى للاستثمار «لا يمكننا الاستمرار باقتصاد يعتمد على النفط والغاز بنسبة 97 في المئة او نحو ذلك في توفير العملة الصعبة ويتعين ان تكون لدينا سياسة توسعية تتعلق بالقطاع الخاص الان بعد ان تم تفكيك القطاع العام في اطار برنامج صندوق النقد الدولي». وحث الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يوم الاربعاء المستثمرين المحتملين من مصر ولبنان والسعودية ودول عربية اخرى خلال المنتدى على اغتنام «الفرصة التاريخية» المتاحة الان بسبب المناخ المعادي في الغرب عقب احداث 11 سبتمبر الماضي لضخ المليارات في اقتصاديات عربية مثل الجزائر. وحدد رئيس الوزراء علي بن فليس 100 شركة للخصخصة الكاملة او الجزئية واقر حتى الان بيع حصة 70 % في سيدر اكبر مصنع للصلب في الجزائر للمجموعة الهولندية ايسبات وحصة 60 % في شركة ايناد للمنظفات لشركة هينكل الالمانية للكيماويات. كما منحت الحكومة ترخيص تشغيل شبكة هواتف محمولة لشركة اوراسكوم تليكوم المصرية مقابل 737 مليون دولار في يوليو الماضي. لكن رجال الاعمال الذين حضروا المنتدى قالوا انه رغم امكانية ازدهار الجزائر كبلد جاذب للاستثمارات الا ان مخاطرها عالية ولا تتعلق فقط بالسياسات. قال مستثمر لبناني يشكو من ان نقل الاموال عبر النظام المصرفي الجزائري العتيق قد يستغرق اسابيع في بعض الاحيان «العقلية البيروقراطية يجب ان تنتهي»، وكانت النقابات العمالية القوية التي تخشى من ارتفاع معدلات البطالة قد ابطأت من عملية الخصخصة واصلاحات هيكلية اخرى لكن المحللين يقولون ان الاستثمارات الضرورية المطلوبة للتعليم والخدمات الاساسية الاخرى قد تمهد الطريق لبعض التغييرات الضرورية. وقبل اربع سنوات أرجأت الحكومة خططا لبيع 89 شركة بسبب معارضة الاتحادات العمالية الحليف الرئيسي للحكومة في صراعها مع المتشددين الاسلاميين. وقال كوسييلا ماميس الاقتصادي المختص بافريقيا والشرق الاوسط في بنك كريدي اجريكول اندوسويز في باريس «ليس للدولة تصنيف ائتماني وليس بها سوق للصرف الاجنبي وليس لديها سياسة متماسكة لاعادة هيكلة البنوك ولا يبدو ان صناع القرار السياسي قادرون على اتخاذ مثل هذه القرارات». فبدء عملية تخصيص واندماجات في القطاع المصرفي لا يمكن ان تتم الا في اطار خطة شاملة وفي ظل وجود استشارات من الخارج. وقال الدبلوماسي الغربي انه يتعين تغيير اجراءات الجمارك والقضاء على البيروقراطية واقامة بنية اساسية جديدة تشمل اتاحة استخدام الانترنت بسهولة. وقال ماميس ان الحكومة سارت قدما فيما يتعلق بقوانين الخصخصة وتعديل قانون استثمار النفط والغاز واتفاق الشراكة مع الاتحاد الاوروبي ومحادثات الانضمام لمنظمة التجارة العالمية. لكن يتعين على الحكومة العمل جاهدة فيما يتعلق بتوجيه استثماراتها الخاصة لتحقيق تغيير دائم وتنويع مصادر الدخل. وتابع ماميس «اذا كررت الحكومة فقط ما قامت به من قبل واعادت توزيع الدخل لتهدئة الناس فانهم بذلك لن يفعلوا سوى تأجيل المشكلات لوقت لاحق والاموال يجب ان تكون وسيلة للعمل وسط عالم متغير». وعلى الجانب الايجابي فلدى الجزائر احتياطيات اجنبية تبلغ 18 مليار دولار ودينها يتجه نحو الانخفاض وبدات في تطبيق وصفة صندوق النقد الدولي لتحقيق استقرار الاقتصاد الكلي. رويترز