تناولنا في الحلقات الماضية مفهوم الارهاب الاقتصادي ومدلولاته واستعرضنا اشكاله وصوره الدولية والمحلية ثم تناولنا اسباب الارهاب ودوافعه في العالم، وفي الحلقات التالية، سوف نتناول حصاد هذا الارهاب مع قناعتنا التامة بأن لغة الارهاب لم تبرز بوضوح إلا بعد احداث سبتمبر وخاصة حينما تبنت الولايات المتحدة محاربة واستئصال ما ادعت تسميته بالارهاب ومع قناعتنا التامة بأن اي مجتمع واي انسان يتصف بالتحضر يرفض كافة اشكال الارهاب فإننا في الوقت ذاته ندين كل تلك الممارسات التي تكون ضحيتها اناس ابرياء، ومجتمعات. ولما كان ما حدث في سبتمبر من العام الماضي يعد ارهابا فإنه يجدر بنا ان نشخص وضعية الاقتصاد الامريكي قبل ذلك الزلزال حيث يتصف بالركود والتراجع في النمو، ثم نتناول تداعيات هذا الزلزال وانعكاساته على صعيد الاقتصاد الامريكي والدولي والعربي. الاقتصاد الأمريكي قبل أحداث سبتمبر لقد برز مصطلح الارهاب بشكل قوي اثر احداث سبتمبر لا سيما بعد ان تبناه الاعلام الامريكي وروج له الاعلام العالمي واصبح الجميع يتحدث عن الارهاب وضرورة مواجهته ومحاربته. ولما كانت تلك الاحداث هي وراء هذا الزخم الاعلامي حول مفهوم الارهاب، فإنه يجدر بنا ان نبحث في الاوضاع الاقتصادية التي سبقت احداث سبتمبر والتي كانت سببا قويا لبروز هذا المصطلح وتبني الولايات المتحدة الامريكية لآليات مواجهته حتى ولو بتوجيه ضربات عسكرية تحصد اليابس والاخضر وتفاقم ازمات الشعوب كما حدث في افغانستان والدول المجاورة لها او بتوعد ضرب دول اخرى ترى الولايات المتحدة انها راعية للارهاب كايران والعراق وكوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية والتي اسمتها بمحور الشر!! من هنا فإننا سوف نحدد معالم البيئة الاقتصادية التي حدثت فيها الازمة ونشرح الاقتصاد الامريكي من حيث اوضاعه الصعبة، ونحدد تلك الاوضاع في التالي: ـ كان الاقتصاد الامريكي يعاني من تباطؤ واضح ويسير باتجاه الركود الاقتصادي منذ عام 2000، بل يصل الى حد الجمود التام حيث سجل الاقتصاد الامريكي معدلات نمو منخفضة قبل الازمة. ويشير تقرير الصحيفة (فايننشيال تايمز) الذي تناول النتائج ربع السنوية للاقتصاد الامريكي الى ان معدل نمو الناتج المحلي خلال الربع الثاني من عام 2001 لم يتجاوز 0.07% وهو ادنى معدل من نوعه منذ عام 1993. ويعزى هذا التراجع في معدل النمو الى ضعف الاستهلاك الامريكي وتراجع الاستثمار، وبالتالي فإنه من الطبيعي ان تنعكس هذه الاوضاع على الاقتصاد العالمي الذي يقوده الاقتصاد الامريكي الى حالة من الكساد وشبيه بالكساد الذي حدث للاقتصاد العالمي خلال عقد الثلاثينيات من القرن الماضي. ـ شهد الاقتصاد الامريكي قبل الازمة معدلات بطالة عالية بفعل استغناء الشركات الامريكية عن اعداد كبيرة من العاملين. اذ تشير مؤشرات سوق العمل الى ان البطالة قد شهدت معدلات عالية وصلت قبل احداث سبتمبر اي في اغسطس بنحو 4.9% وهي نسبة تعتبر عالية قياسا بمعدلات البطالة في الدول الصناعية. ـ لما كان الانفاق الاستهلاكي يشكل دعامة الاقتصاد الامريكي لا سيما عند الازمات، فإن نمو هذا الانفاق قد سجل ادنى معدلاته منذ عام 1982. فقد اشارت بيانات وزارة التجارة الامريكية الى ان معدل الاستهلاك الشخصي لم يتجاوز 2.1% في الربع الثاني من عام 2001. ويشير التقرير الذي نشرته صحيفة (فايننشيال تايمز) الى ان الواردات الامريكية قد شهدت انخفاضا حادا بسبب تراجع الطلب الامريكي اذ وصل معدله الى 6.7%، كما انخفضت الصادرات الامريكية بمعدل 9.9% الامر الذي يعكس وضعية الاقتصاد الامريكي الضعيف قبل احداث سبتمبر. وعلى الرغم من محاولات المعنيين بالقرار الاقتصادي والسياسي بالولايات المتحدة لمعالجة الاوضاع الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد سواء بتخفيض الضرائب لزيادة الاستهلاك، او اغراء الافراد بتوظيف اموالهم في قطاعات الاقتصاد المختلفة او حتى باتباع سياسة نقدية متساهلة ومنها تخفيض سعر الخصم، فإن هذه المحاولات لم تجد في انعاش الاقتصاد الامريكي. ـ تدني اداء قطاع التكنولوجيا الحديثة وهو يعد من اهم القطاعات الاقتصادية التي تعول عليها الولايات المتحدة في تحقيق نموها الاقتصادي ولم تنفع المحاولات لانعاش هذا القطاع ومنها سياسة الاغراء والتسهيلات وتخفيض الضرائب. ـ كانت الاوضاع في الاسواق المالية العالمية غير مشجعة لانعاش الاقتصاد العالمي ومنها الامريكي الذي يعاني من ركود ولم تشفع محاولات اخراجه من حالة الركود هذه، ويعود ذلك وحسبما يشير اليه عالم الاقتصاد الامريكي (ليندون لاروش) الى سياسات عدة سنين من ضخ الاموال في اسواق المضاربات المالية واهمال الاستثمارات في البنية التحتية والصناعات الثقيلة والزراعة والخدمات العامة في معظم دول العالم الصناعية. ـ كانت موازنة الدولة الامريكية وقبل احداث سبتمبر تعاني من عجز بلغ في اغسطس من عام 2001 اي قبل شهر من التفجيرات نحو 80 مليار دولار مقابل 10.4 مليارات دولار في الشهر ذاته من العام 2000 وذلك حسبما افادت به وزارة الخزانة الأمريكية. ويعزى سبب هذا العجز الى تباطؤ النمو الاقتصادي بالولايات المتحدة، وبذلك فإن هذا العجز قد تجاوز كل توقعات المحللين الذين يعتقدون ان حجم العجز لن يتجاوز 65 مليار دولار، الامر الذي يؤكد مدى ضعف الاقتصاد الأمريكي قبل احداث سبتمبر. في ظل هذه المعطيات والمؤشرات الاقتصادية فإن الاقتصاد الأمريكي مهيأ للانفجار الداخلي قبل احداث سبتمبر. وكانت الادارة السياسية والاقتصادية تبذل جهودا مضنية لاخراج الاقتصاد الأمريكي من وضعه الضعيف هذا، وكانت تبحث عن طوق النجاة لانقاذه من بحر الركود وتعزيز الثقة الداخلية والخارجية فيه، لاسيما في ظل رغبة القيادات الاقتصادية في جعل الاقتصاد الامريكي قائدا لقاطرة العولمة الاقتصادية وقبلها منظمة التجارة العالمية، لذا فإنه من الطبيعي ان تترك احداث سبتمبر اثاراً واضحة وخطيرة على مسيرة الاقتصاد الامريكي، وما زيارة الرئيس الامريكي الاخيرة لليابان الا في اطار سعيه نحو انقاذ اقتصاد بلاده من انهيار حقيقي لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر فيها الاقتصاد الياباني الذي يعد ثاني اكبر اقتصادات العالم