أشرنا في المقال السابق إلى ملاحظات يمكن تأكيدها بالتحليل المنطقي للاقتصاد السياسي وبالقوانين الاقتصادية العامة في الانتاج والتوزيع، أو بالاستعانة، بالمؤشرات التاريخية لعدد من المتغيرات الاقتصادية والسياسية التي صاحبت عدداً من بلدان العالم في مجالات التنمية والتعاون الاقتصادي وخير مثال هو السوق الأوروبية المشتركة وغيرها من التكتلات الاقتصادية والسياسية. ان مفهوم الحد الأدنى للتعاون الاقتصادي العربية يمكن تحديده باستخدام التحليلات الجزئية كالكشف عن الفرصة الاستثمارية وعن التعاون المشترك في مجال تبادل عوامل الانتاج الأولية أو الانتفاع من مستلزمات الانتاج من الموارد الاقتصادية المتوفرة في بلدان العالم العربي. ان القوة السياسية والاقتصادية التي يتمتع بها الوطن العربي هي في امتلاكه لأكثر من ثلثي احتياطي النفط الخام في العالم مما وفر مصدراً مهماً لعدد من البلدان العربية في تمويل خطط التنمية القطرية اضافة الى كون ان جزءا كبيرا من الفوائض النفطية أصبح يمول استثمارات أجنبية في الخارج والانفاق على السلع الاستهلاكية. اضافة الى توفر الموارد الاقتصادية الاخرى مثل وجود ما يقارب 200 مليون هكتار من الأراضي القابلة للزراعة وغير المستغلة والطاقة البشرية المتمثلة بأكثر من 280 مليون نسمة. ان من أبرز التحديات التي يواجهها الوطن العربي هي ظاهرة العولمة، التي يشكل مصدرها تسارع التقدم الحاصل في تقنية المعلومات والاتصالات، بجانب التخفيضات المنتظمة للحواجز الجمركية وغير الجمركية امام التجارة العالمية مما مكن الشركات متعددة الجنسيات من تجزئة عملية توزيع الانتاج وتوزيع اجزائها في مواقع مختلفة حول العالم، كما أدى ارتفاع مرونة عمليات الانتاج الى التدفق الملحوظ للاستثمارات الاجنبية المباشرة لتصبح أهم حافز وقوة دفع لظاهرة العولمة. في ظل هذه التحديات وفي مجال التعاون الاقتصادي العربي ظهر مشروع منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، وعلى الرغم من انضمام اربع عشرة دولة عربية الى المشروع إلا انه لايزال هناك بعض العقبات امام استكمال منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى ومنها ان الدول لم تتطرق الى ازالة القيود غير الجمركية، حصر وتخفيض الرسوم والضرائب ذات الأثر المماثل، وضع قواعد المنشأ التفصيلية اضافة الى عدم وجود قوانين وتشريعات محلية متشابهة للمنافسة وتنظيم الاحتكارات وقوانين الاستثمار الاجنبي حيث يعتبر ذلك من العوامل الحاسمة في انجاح مشروع منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى. اضافة الى كل ذلك فان المشروع لم يتضمن تحرير تجارة الخدمات، مع العلم بأن مناطق التجارة الحرة الاقليمية لم تعد تقتصر على تحرير تجارة السلع فقط بل بتحرير الخدمات التي ترتبط ارتباطا وثيقا بتجارة السلع. لذلك هناك حاجة ملحة في اتخاذ الخطوات التكميلية لتحقيق المزيد من المنافع الاقتصادية من اقامة منطقة التجارة الحرة العربية. وتتمثل هذه الخطوات في التفاوض لتحرير تدريجي لتجارة الخدمات في القطاعات التي تعتبر الدول العربية مصدرة ومستوردة لبعضها البعض في هذه الخدمات سواء كانت في مجال السياحة والسفر والنقل والاتصالات والخدمات المصرفية والمالية الاخرى، الأمر الذي يترتب عليه ضرورة تحرير الاستثمارات المباشرة وحق التواجد التجاري للشركات العربية في أسواق بعضها البعض وازالة القيود أمام حرية الانتقال لرجال الاعمال والمستثمرين العرب. ان قيام عمل اقتصادي عربي مشترك في وقتنا الراهن، ولا نكون طموحين كثيرا في قيام وحدة اقتصادية عربية، يعتبر في الحقيقة الخطوة الأولى نحو تأهيل اقتصادنا العربي لمواجهة تحديات العولمة وتحرير التجارة العالمية. الخلاصة والاستنتاجات ان المتتبع للأحداث في الوطن العربي يجد بأن العمل الاقتصادي العربي المشترك في الحقيقة يعاني من أزمة وهذا واضح من خلال الانجازات المتواضعة التي تحققت خلال العقود الماضية. ان هذه الازمة لايمكن تفسيرها في وجود قصور فكري في مجالات متابعة وتحليل التطورات الاقتصادية السريعة العربية والاقليمية والدولية، ولا هو القصور في تفسير أو تحليل الظواهر المعاصرة مثل العولمة والثورة في تقنية المعلومات وبالتالي اقتراح الحلول والبدائل لتلك المستجدات على الساحة. ان أزمة العمل الاقتصادي المشترك في الحقيقة تكمن في الفهم السياسي لمتخذي قرارات السياسات العليا للمصالح الاقتصادية العربية وآفاق تطورها على الصعيدين القطري والقومي، والتردد في قبول حدود معينة من المنافع والكلف الاقتصادية على المدى القصير والمتوسط. واذا كان منطقيا ان تتحكم الاستراتيجية السياسية في الأهداف العامة على المستوى القطري، فان الأهداف المرحلية للعمل الاقتصادي العربي المشترك ستكون محكومة بتلك الاتجاهات السياسية وبالقناعات الايدلوجية، على ان هناك تطورات اقتصادية واجتماعية وسياسية قطرية ودولية تجري بصورة مستمرة وتؤثر في طبيعة الواقع الاقتصادي والأهداف العامة ويكون من الضروري إدراك هذه العلاقة المتغيرة والتكيف معها والعمل على خلق فرص وآفاق جديدة للعمل الاقتصادي العربي المشترك. ومن الأمثلة الواضحة في هذا العصر آثار الثورة في مجال التكنولوجيا والاتصالات، وهو عامل مهم وذو طبيعة فنية، كان ولا يزال يؤثر بشكل كبير في عمليات الانتاج وزيادته بشكل ملحوظ. هذا التقدم العلمي يؤثر في اقتصاديات المشروع الواحد وحتى يغير من مفهومنا للحجم الواسع للانتاج وحدود الأسواق. هذه التطورات العلمية لها تأثيراتها على واقع ومستقبل الاقتصادات العربية سواء كانت منفردة أو مجتمعة وذلك بسبب المتطلبات الجديدة للاستثمار وتمويله، ولمهارات القوى العاملة بكل أنواعها في عمليات الانتاج، ودور الدولة في تسيير الشئون الاقتصادية العامة، وتوسيع الأسواق وضمان تصريف الزيادة الواسعة في الانتاج للمشاريع الجديدة، وتحسين موقف ميزان المدفوعات وزيادة التعاون الاقليمي والدولي. ان كل هذه التطورات تستلزم خلق زيادات في الفوائض الاقتصادية والمالية وبمعدلات عالية لكي تساعد في اللحاق بالتقدم السريع بالدول الاخرى. ويجب ان ندرك بوضوح بأن هناك علاقة تناسب طردي بين حيوية النشاط السياسي الوطني والقومي وبين نمو وتطور اتجاهات الفكر الاقتصادي العربي، اذ مرت على الوطن العربي عدد من تجارب التنمية الجادة التي كان وراءها ارادة سياسية، أثرت بشكل كبير في اغناء بعض اتجاهات الفكر الاقتصادي ودفعه للتفاعل الايجابي مع العمل السياسي والاقتصادي في وقت واحد. وبصورة عامة يمكن الاشارة الى انه رغم تعالي دعوات بعض الاتجاهات الاقتصادية المخلصة بأهمية توسيع وتطوير العلاقات الاقتصادية العربية إلا ان ذلك كله سيظل مرهونا بإمكانية تجاوز القيود والاعتبارات السياسية والادارية المؤسسية التي تفرضها الطبيعة المختلفة للأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية العربية