لم تعد الصحة والعناية بالمستوى الصحي للفرد والمجتمع ضرباً من الترف والكماليات، بل أمست حاجة وحاجة ملحة أيما إلحاح خاصة، في ظل التهديد المستمر الذي خلفته المفرزات الحضارية للبيئة وبالتالي للانسان الذي بات نهباً للأمراض الفتاكة التي تعترضه من كل حدب وصوب. وانطلاقاً من الأهمية القصوى التي تحتلها الصحة في اطار منظومة احتياجات الفرد وبالتالي المجتمع في اطاره الاسري أو بشكله الأوسع على مستوى الدولة ككل، كان لزاماً على الحكومات ايلاء الجانب الصحي بالغ الأهمية، لأن المجتمع المريض لايبدع ولاينتج، وبالتالي لايتطور ولا يرتقي الارتقاء الشمولي المطلوب عصرياً وحضارياً. ومن المسلم به انه لايمكن الحصول على نتائج ايجابية في هذا المجال بدون تضافر الجهود من مختلف الجهات سواء البحثية منها أو الاشرافية أو التمويلية أو تلك الوصاتية التي تتخذ القرار وغيرها، وكل من هذه الجهات يكمل بعضها الآخر ضمن حلقة أو سلسلة حلقات مترابطة، وصولاً الى هدف سام وهو تحقيق مجتمع سليم معافى يتطور بديناميكية ومرونة في عالم لايرحم من تقعده أو أوهامه وأمراضه عن اللحاق بركب التطور الحضاري المتسارع. الشأن الصحي من أولى مهام البحث العلمي انه لمن اولى المهام التي يضطلع أو يفترض ان يضطلع بها البحث العلمي هي مهمة التقدم والنهوض بالواقع الصحي نحو آفاق أوسع وأكثر تطوراً. لأننا ورغم ما يتم الحديث عنه من تطورات وفتوحات في مجال اكتشاف الأدوية ووسائل العلاج المختلفة مازلنا مستهلكين للكيفيات التي استثمر بها الآخرون نتائج ابحاثهم على المدى الطويل لذلك كان من الضروري بل الملح التركيز على البحث العلمي في الشئون الصحية، لان صحة الانسان هي أساس التطوير والابداع في جميع مجالات الحياة. فالانسان هو غاية الحياة ومنطلقها، فالانسان هو الصناعي والتاجر والحرفي والجندي والمدرس والطبيب، اذ ثبت علمياً ان الآلة مهما بلغت من التطور والتكنولوجيا لابد لها من الاعتماد على الانسان في صنعها وتحديثها وحتى في استخدامها الاستخدام الأمثل، ومنذ القدم قيل بأن الصحة تاج على رؤوس الاصحاء لايشعر به إلا المرضى، فالانسان يمتاز بقدرة على القيام بعمل معين بحسب المؤهلات التي يتمتع بها ومن جملة هذه المؤهلات الناحية الصحية، اذاً لاشك ان البحث العلمي يساعدنا على وضع الشخص المناسب صحياً في المكان المناسب، وهذا أمر غاية في الأهمية يخفف من تأثير البطالة المقنعة حيث ان تشغيل العامل الضعيف البنية في عمل شاق يؤدي الى زيادة ساعات العمل من جهة، كما نحصل على نتائج سيئة من جهة اخرى بسبب عدم توفر القدرة اللازمة لأدائه بشكل متقن وجيد. وتنشيط البحث العلمي الصحي ليس عملاً صعب المنال في بلادنا فيما لو أعدنا ترتيب بيتنا الصحي، والصحة المدرسية، والخدمات الطبية العسكرية، والمستوصفات والمشافي، ومشافي وزارة التعليم العالي والجامعات والخدمات الطبية لدى وزارة الداخلية بحيث يساهم كل منهم في جزء من أي بحث علمي، فهناك الكثير من الاجهزة الطبية المبعثرة هنا وهناك يمكن الاشتراك في استخدامها من قبل جهات عدة بدلاً من استخدام كل جهة أجهزة خاصة بها فقط، ويكون ذلك بوضع جملة من الاجهزة المتطورة في أماكن محددة لكن المهم في هذه العملية هو إعداد وتهيئة العقول الطبية الباحثة عن طريق التهيئة والتحضير، وان نبدأ بالتجارب البسيطة ومن ثم الارتقاء بها الى النوع المعقد، كما يجب ان نهييء الجو المناسب لهؤلاء الباحثين بدءاً من حالة معيشية جيدة الى جو نفسي هاديء ينعمون به خال من الازعاجات والتأثيرات الجانبية وهي ناحية يجب ألا تغيب عن ذهننا بأنها تساعدنا على تنمية الابداع لدى الباحث الذي يمكن ان يساعدنا على الاقلال من الأمراض وخاصة من النوع المحلي منها، والى الانطلاق في ايجاد العلاجات اللازمة وهو أمر ضروري يخفف علينا من تحمل النفقات المدفوعة لنتائج الابحاث المستوردة